الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / فلنتمسك بمدرسة قابوس للسلام

فلنتمسك بمدرسة قابوس للسلام

أ.د. محمد الدعمي

للمرء أن يستذكر هذا التوازن العماني المثالي الذي بقي من أهم معطيات فكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ، ذلك الفكر المرتكن على فكرة مبدأ المساواة وعدم الاحتكاك بالدول الأخرى (خاصة دول الجوار)، بل وأكثر من ذلك: عدم السماح للاحتكاكات والارتطامات العسكرية بالحدوث، خاصة قبل تصاعد المواقف، نظرا لإمكانية انتشار الحرائق.

لم أسمع، شخصيا، بــ”الحيادية” العمانية قط، اللهم إلا على سنوات فورة الشباب والحماسة وما رافقها من عواطف فياضة بدت لنا “قومية” أو “وطنية” أو “إسلامية” آنذاك، خاصة على السنة التي عقد فيها مؤتمر قمة بغداد (1978) الذي صممته القيادة العراقية حينذاك على نحو يرنو لرفض زيارة الرئيس محمد أنور السادات لإسرائيل ولإدانة خطوات التطبيع التالية للزيارة. في تلك الأيام سمعت لأول مرة عن التوازن المثالي للسياسة الخارجية العمانية التي نحت نحوا أشبه ما يكون باعتماد بعد النظر، حد القدرة على النبوءة، باعتبار ما جرى خلافا لقرارات وتوصيات تلك القمة على مستوى الشرق الأوسط عامة، فيما تلا من السنين، خاصة اعتلاء مبارك السلطة، بل وحتى اللحظة.
للمرء أن يستذكر هذا التوازن العماني المثالي الذي بقي من أهم معطيات فكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ، ذلك الفكر المرتكن على فكرة مبدأ المساواة وعدم الاحتكاك بالدول الأخرى (خاصة دول الجوار)، بل وأكثر من ذلك: عدم السماح للاحتكاكات والارتطامات العسكرية بالحدوث، خاصة قبل تصاعد المواقف، نظرا لإمكانية انتشار الحرائق. وقد شكلت هاتان السجيتان السلطانيتان المبجلتان أهم سمات السياسة الخارجية العمانية، على المستويين الإقليمي والدولي. ولا ريب في أن علة اعتمادهما تكمن على قناعة مفادها أن أي عمل عنفي أو قسري بين دولة وأخرى، بل وبين جماعة وأخرى في الدولة الواحدة إنما هو أشبه بالحريق: إن لم تتمكن من إطفائه بسرعة خاطفة، فإنه لا بد أن يمتد إلى كل اتجاه، متزايدا في ضراوته وقساوة آثاره على الأرواح والممتلكات، فردية كانت أم على مستوى الدول.
داومت هذه السجية الجليلة محافظة على دلالاتها بكل دقة، وللمرء أن يتأكد بأن منبع هذا إنما يأتي من فضل الحذر والرقابة الدقيقة الهادفة إلى تحاشي منزلقات الاحتكاكات والخصومات التي لا تقود إلا إلى الخسائر المادية والمعاناة الإنسانية.
لا تشكل هذه القاعدة معنى وجوهر “عدم الانحياز” على المستوى العملي المطلق، فحسب، ذلك أنها تبتني نفسها تأسيسا على طبيعة آليات تفكير العقل السامي الذي ينحاز فقط لإيجابيات البناء، ويتجنب سلبيات التخريب والهدم. ومع هذه السجية السلطانية الرفيعة، لم يتوانَ العقل السلطاني (باني الدولة وموجه حركتها) عن العناية الخاصة في بناء قوات مسلحة من الدرجة الأولى، تدريبا وتسليحا ومعنويات، ذلك أن المسالمة والحياد العماني ينبعان من الاقتدار، إذ لا ينبغي أن يقعا ضحية سوء الفهم وضعف التقدير من قبل الآخر، داخل الإقليم وخارجه على حد سواء. لذا تفتخر العسكرية العمانية بما أغدق عليهما قائدها العقل السلطاني، بعيد النظر، من شذراته العبقرية، متمثلة بأعلى مستويات الاستعداد العسكري والتدريب الرفيع والتجهيز غير المنقوص. هكذا شكلت سلطنة عمان جدارا فولاذيا عاليا لمنع الحروب والارتطامات العسكرية حتى قبل حدوثها، من جهة أولى، كما عملت بذات المثابرة والاجتهاد على إيجاد الحلول والتسويات للصراعات والخصومات بين سواها من الدول على سبيل لمِّ الشمل وإصلاح ذات البين ومنع المآسي ورأب الصدوع بين الدول.
تحية للحياد العماني ولعميد صناعة السلام في الشرق الأوسط، جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه.

إلى الأعلى