الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات من دفتر الأحوال…(6)

كلمات من دفتر الأحوال…(6)

كاظم الموسوي

كانت المقاهي الصيفية على امتداد نهر دجلة تحتفي بزوارها اليوميين والمواعيد فيها متنوعة، بين الراحة وتغيير الأجواء والحزبية والسياسية والغرامية وما شاكل ذلك. وكان لكل مقهى اسم ومحتوى، وفي بعضها مطاعم للسمك المسقوف أيضا. كم أمرا قضيناه فيها، وكم قصة يمكن أن تسرد عنها، وكم .. وكم..؟ لا يمكن نسيان الساعات الجميلة التي علقت أصداؤها أو بقيت محتفظة بدقاتها.

هوامش من دفتر الأيام، عنوان قديم وضعته في كتابة عدد من المقالات، أو ما يمكن تسميته، يوميات أو هوامش عليها، وهي في كل الأحوال محاولات في الكتابة عن الأحوال، وشجون الأيام، أو ما بقي من تلك الأحداث في ما حمله الحدثان. ولعل في الهوامش ما يفصح عن المتون، وكل الأوراق تحمل الأهم والأبرز وما يؤشر إلى ما تحت السطور فيها. بما يعني أن الهوامش عنوان وحسب.
في بغداد الحبيبة كانت الهوامش أكثر، موزعة في السكن المتنقل اضطرارا، والعمل الممنوع علنيا، والدراسة المتعبة في ظروفها وشروطها، والعلاقات الاجتماعية المحسوبة والمحددة. تصرخ في الذاكرة أيام العيش مخفيا في بيوت أقرباء في مدينة الثورة، التي أنجزها الزعيم عبدالكريم قاسم لفقراء بغداد، أبناء خلف السدة والشاكرية، رُحّل المدن الجنوبية الباحثون عن عمل كريم وهروبا من اضطهاد الاقطاعيين والسلطات الجائرة، والذين لم تشرق الشمس على بيوتهم ولم تغب عندهم، والذين لم يعرفوا فاتورة واسم الكهرباء والماء الصافي طيلة عقود من الحرمان والنسيان، وهم في قلب العاصمة بغداد، وعلى مرمى حجر من دعاة الحكم ومريديهم. في تلك الفترة التي كنا كناشطين نمارس العمل الأشبه بالسري، ولم أكن قد أكملت الدراسة بعد للدخول إلى الجامعة. وفر لي ابن خالي عملا في مصنع بسكويت، في وقت المساء، أذهب إليه مشيا وأعود منه بين الأزقة والفروع المتشعبة من الشارع العام. كان هذا العمل أول اختبار عملي لشاب في مقتبل عمره، وكان أصحاب العمل كغيرهم مستغلين، جشعين، لا يقدرون ساعات العمل والأجر كما يجب، بل همهم وأمثالهم وفرة الإنتاج وزيادة الربح، والربح فقط. تفتح وعيي على أساليب الاستغلال الرأسمالي لقوة العمل والقيمة الفائضة عمليا ومبكرا. وأتذكر حرضت على أول إضراب عن العمل في هذا المصنع، أوقفنا إنتاج أي شيء ووقفنا في الباب من المصنع نطالب بزيادة الأجور بما يعادل ساعات العمل في وقت المساء، الذي يعتبر عملا إضافيا له أجرته ومعاناته، وباقي الخدمات الضرورية لأي عمل وقدرة العمال. وأتذكر أن صاحب المصنع توجه لي وخاطبني مباشرة، بأني طالب وليس عاملا فلماذا أخرب العمل والإنتاج، وأراد أن يغريني بزيادة خاصة، ورفضت مقترحه وطالبت بالعدل للجميع، مما شد من عزيمتي والعمال وعاملتين شابتين مع أقربائهما كانتا معنا أيضا.
زرت مرة أحد الأجداد من طرف أمي، يسكن قريبا من بيت خالي الذي كنت عنده. وواصلت الزيارات لأنه يملك مكتبة عامرة بالكتب، وكان حينها يقرأ ثلاثية الروائي الكبير نجيب محفوظ، (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وبعد أن شاهدت مسلسلها تلفزيونيا وبطلها أحمد عبدالجواد، سي السيد، أول شيء تبادر إلى ذهني صورة جدي ذاك. كان سي السيد، العراقي، عمليا قبل أن أعرف القصة. ولكن جدي كان حريصا على العلم والمعرفة والاهتمام بالمستقبل لعائلته على الأقل. حيث أكمل كل أبنائه وبناته دراساتهم الأكاديمية وتوزعوا بين الهندسة والطب، إلا صديقي الذي كان بعمري، أكمل دراسته للغة العربية وآدابها وشجعني عليها، وكانت تجمعنا إرهاصات التطلع الأدبي والإنتاج والإبداع. وكان بيت جدي هذا منبرا للقاءات ثقافية يشارك فيها أمثاله، عمرا واهتماما، يتبادلون الكتب والقراءة والنقاشات حولها، وقراءات شعرية تتخللها أحيانا، كما تسمع دورا للسيد في الحياة الاجتماعية بمحيطه ومنطقته، واغتنمنا المكتبة والحوارات والقراءة وإرشادات سي السيد، في هذا المجال أيضا.
أكملت دراستي وتنقلت في التعليم والتدريس حتى التعيين في متوسطة الجعيفر، في كرخ بغداد، كانت بنايتها تطل على شارع يحده شاطئ دجلة من الجهة المقابلة، وقرب بساتين العطيفية والسايلو والجسر الحديدي، وليس بعيدا عن جسر الشهداء وعلاوي الحلة. وكنت أمر على أحد الجانبين مشيا كل يوم. لم أمكث كثيرا في المدرسة، حيث تركتها للتفرغ للعمل في جريدة الحزب، (طريق الشعب)، التي أخذت تصدر يوميا، وتمد مجراها في مشهد الحياة السياسية للشعب والوطن طريقا وأملا. كنت أساهم في شقيقتها الفكر الجديد الأسبوعية، قبل أن أذهب لخدمة العلم، وأعد فيها صفحات وأسهر معها، ولم تكن الانتقالة إليها إلا خطوة أخرى في الطريق ذاتها.
تعرفت على الخياط توفيق، محله في الشارع المتفرع من السعدون، من الجهة اليسرى من سينما النصر، إذا كنت قادما من ساحة النصر، في اتجاه الذهاب إلى بناية المسرح الفني الحديث.. وكنت أمر عليه كلما تسنح الفرص، لقربه من مقر الجريدة، أو بالأحرى في طريقي إلى/ أو خروجي من الجريدة، ولأن محله مكان عام، يصلح لمواعيد ولقاءات لا تسمح بها ظروف الجريدة. كان توفيق رفيقا ودودا، يخيّط ويقسّط للرفاق الأثمان شهريا، ويتحمل متاعب التسديد والعيش وغيرها، كاي مناضل بلا تمييز. وخيّط لي أكثر من بدلة، لي واحدة وأخريات لمن كان معي أو على حسابي الشخصي.. ذكرتني صورة فوتوغرافية به، وجدتها في أرشيف لي لم تمزقه عاديات الزمن الأصفر، وكما هي مسارات تلك الأيام والضغوط العامة واضطراراتها.
وبعد الانتهاء من العمل اليومي الصحفي، والتفرغ من أيام الخفر أو العرقلة المقصودة أحيانا، كنت أمر على نادي الإعلام على شارع أبي نؤاس، كما هو معروف وذكرت.. وكنت معتادا على العشاء عنده، بالوصفة المتكررة والمعتادة، صحن كباب وقنينة بيرة، والسلام. مرة دعوت صديقا شاعرا وقلت للنادل كلمة كالمعتاد، وتفاجأ صديقي باختصار الطلب ومعرفة النادل له، وحين كررت الدعوة مرة أخرى في يوم آخر، شكرني ذاك الصديق ولم يلبِّ الدعوة، وقال لي أنا غيرك، أريد أن أسكّر الرأس لا أسكنه، مكاني غير الإعلام، إذا رغبت الحقنا هناك. في بار في يمين نهاية شارع أبي نؤاس. وضحكت معه، فأنا لا أغير جدولي ووقتي.
تعودت أيضا على التمشي مساء على كورنيش شارع أبي نؤاس، لا سيما وقد اهتمت به أمانة العاصمة مؤخرا، ووزعت فيه شتلات الأشجار ونظمت فيه الحدائق وكراسي الاستراحة وممرات السير الداخلية، مما زيّن للشباب اغتنام الفرص والتشجع في التجول والتمتع بساعات مسائية مغرية وممتعة، لا سيما بين الأحبة والمعارف أو للغزل المباح. بعد أن انتشرت أعمدة الضوء الملونة والخافتة فيه وتحيطه أصوات مياه النهر، تحرس الماشين وتغني لهم مواويل الليل البغدادي وحكايا شهرزاد.
كانت المقاهي الصيفية على امتداد نهر دجلة تحتفي بزوارها اليوميين والمواعيد فيها متنوعة، بين الراحة وتغيير الأجواء والحزبية والسياسية والغرامية وما شاكل ذلك. وكان لكل مقهى اسم ومحتوى، وفي بعضها مطاعم للسمك المسقوف أيضا. كم أمرا قضيناه فيها، وكم قصة يمكن أن تسرد عنها، وكم .. وكم..؟ لا يمكن نسيان الساعات الجميلة التي علقت أصداؤها أو بقيت محتفظة بدقاتها. وبالتأكيد لا تنسى وجوه الأحبة والإخوان التي اجتمعت أو تلاقت أو تواعدت هناك.. أيام وأيام مرت بل سنوات وظل في الذاكرة منها الكثير.. وللأسف حين استرجاعها يحز بالنفس رحيل عدد من أبطالها ورموزها، رحيلا ماديا أو معنويا. وخصوصا الذين فقدناهم في غياهب السجون أو عذابات السياسات الغبية والانتهاكات المعلومة، أو الذين سرقتهم المنافي البعيدة واستوطنوها أغرابا بعيدا عن شواطئ دجلة الخير.
أيها السائرون في دروب المحبة والاعتزاز بما حمله التاريخ من نقاء الروح وصبر الصابرين على الحق ولم تأخذهم فيه لومة لائم، لا تستوحشوا طريقه لقلة سالكيه، كما قال الإمام علي كرم الله وجهه، فهذا مؤشره وجسر عبوره.
بعتب وبصوته الأجش غنى صاحبي أبياتا من قصيدة الجواهري:
حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني *** يا دجلة الخير, يا أمَّ البساتين ِ
حييتُ سفحَك ظمآنا ألوذ به *** لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين
يا دجلة الخيرِ يا نبعا أفارقه *** على الكراهةِ بين الحِينِ والحينِ
إني وردتُ عُيون الماءِ صافية *** نَبعا فنبعاً فما كانت لتَرْويني
(***)
يا دجلة الخيرِ: قد هانت مطامحُنا *** حتى لأدنى طِماح غيرُ مضمونِ

إلى الأعلى