الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بين خطابين فلسطينيين في الأمم المتحدة

بين خطابين فلسطينيين في الأمم المتحدة

د. فايز رشيد

بالطبع ونحن في هذا الوضع، سيكون صدى الخطاب الفلسطيني ضئيلا, لأنه ناتج عن افتقاد القدرة على الفعل الكفاحي المسلح والتأثير في الحدث. لو كنا عكس ذلك, لاضطر نتنياهو وكل مستوطني أرضنا إلى التجمع حول أجهزة التلفاز, ليستمعوا إلى ما يقوله الخطاب الفلسطيني في الأمم المتحدة, تماما كما يحرصون على الاستماع حتى لأنفاس زعماء المقاومة العرب!

بعد أن استمعت إلى خطاب الرئيس محمود عباس في الدورة الحالية للأمم المتحدة العام الحالي 2017, وبعد أن غابت القضية الفلسطينية عن خطاب الرئيس الأميركي, وهو ما يؤكد “عدم امتلاكه خطة واضحة لإنجاز عملية التسوية, باستثناء أفكار مبنية على الرؤية الصهيونية المطلقة للحكم الذاتي. وهو الذي طالما تشدق بأنه سيحقق السلام بين الطرفين الصهيوني والفلسطيني, كما حرص على إرسال مندوبيْه جرينبلات وكوشنر في زيارات إلى المنطقة لبحث تفاصيل تحقيق “السلام”! وقد تبين, أن العملية السلمية لا تقع ضمن أولويات الرئيس ترامب في هذه المرحلة, التي يستحوذ ملفا كوريا الشمالية وإيران على مساحتها الغالبة, فيما يبقى ضمان الأمن الإسرائيلي في المنطقة ركيزة السياسة الخارجية الأميركية في علاقتها التحالفية الاستراتيجية مع دولة الكيان الصهيوني. بعد هذه اللوحة الاستعراضية البانورامية, خطر بذهني خطاب الرئيس المرحوم ياسر عرفات في دورة الأمم المتحدة عام 1974.
في طريقه إلى المبنى الأممي, مرّ الرئيس عرفات بتظاهرة كبيرة خارج الأمم المتحدة ترحب به وتعلن تأييدها لفلسطين, وقدّم خطابه الشهير, الذي انتهى بعبارة “جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر, فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”. أذكر يومها, كيف قامت غالبية وفود العالم لممثل فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية, لتصفق طويلا للقضية الفلسطينية وعدالتها. أذكر كم هنأته وفود دول العالم على كلمته, وبات عرفات رمزا ثوريا عالميا. ما ينوف عن الأربعة عقود مرّت على الخطاب الأول, لكن صداه ما زال يعيش في قلب كل فلسطيني وعربي وصديق عالمي محب ومخلص للقضية الفلسطينية العادلة.
أقارن بين صدى خطابي ذلك العام وهذا العام, لأجد الفارق الشاسع بينهما. صحيح أن الظروف هي غير الظروف الحالية: انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية. نمو روسيا لتشكيل قطب عالمي, المتغيرات السياسية الكثيرة التي طرأت محليا, وعربيا وإقليميا ودوليا! غير أن ما يعنيني هو الوضع الفلسطيني بمعناه الذاتي. في عام 1974 لم تكن اتفاقيات أوسلو الكارثية بكل تداعياتها المأساوية قد وقّعت! يومها ولأن الثورة الفلسطينية كانت قوية ببندقيتها وبالكفاح المسلح الذي انتهجته, أجبرت رؤساء ووفود كل دول العالم على الاستماع إلى زعيم فلسطين حين ألقى خطابه في الأمم المتحدة, بمن فيهم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني, حينها لم يجرؤ أي من النظام الرسمي العربي عن التنصل من القضية الفلسطينية والالتزام تجاهها. لم يجرؤ أحد أن يطول من عنفوان المقاومة الفلسطينية الشامخة ببندقيتها المقاومة, وبكفاحها العسكري المقاوم ضد العدو الصهيوني. حينها كانت الثورة تهدد وتنفذ. كنا أقوياء بكفاحنا, وكان العالم مضطرا أن يسمع كلمتنا.
لعل أحد قوانين الثورات الأهم, أنك طالما تحمل سلاحك وتكافح به, يخشاك عدوك, ويضطر العالم إلى سماعك. يخشى تهديدا ولو صغيرا منك. ذلك لأن العالم لا يسمع إلا الأقوياء. أما الضعفاء, فأوجد لهم الأمم المتحدة وقراراتها لتحاول أن تنصفهم, ومع ذلك تنصفهم نظريا, لأن الأقوياء هم من يفرضون قراراتها التنفيذية, حيث أصبحت في معظم الأحيان مطية لهم.. نيلسون مانديلا الثائر في عام 1994 ومن على عتبات البيت الأبيض, قال في كلمة قصيرة: لن نترك السلاح إذا ظل النظام العنصري قائما. كان إلى جانبه بيل كلينتون.
قادة العالم استقبلوا الثائر مانديلا كرئيس دولة. ولم يكن رئيسا. هكذا تعاملوا مع قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات في الأيام الجميلة للثورة. بعد أوسلو, حاصر العدو الصهيوني الزعيم الفلسطيني في المقاطعة ثلاث سنوات ومنعه شارون من حضور قمة بيروت. ومع ذلك ما زال البعض منا يتمسك بالمفاوضات واستراتيجيتها نهجا وحيدا مع العدو الفاشي الصهيوني, بل عدو ما بعد فاشي وما بعد عنصري, يأكل حقوقنا (عينك عينك) كل ثانية! بالطبع ونحن في هذا الوضع، سيكون صدى الخطاب الفلسطيني ضئيلا, لأنه ناتج عن افتقاد القدرة على الفعل الكفاحي المسلح والتأثير في الحدث. لو كنا عكس ذلك, لاضطر نتنياهو وكل مستوطني أرضنا إلى التجمع حول أجهزة التلفاز, ليستمعوا إلى ما يقوله الخطاب الفلسطيني في الأمم المتحدة, تماما كما يحرصون على الاستماع حتى لأنفاس زعماء المقاومة العرب! ساعتها لن يتجرأ لا الرئيس الأميركي ولا رئيس دولة كبرى على تغييب القضية الفلسطينية من خطابه. أذكر مقولة للزعيم هوشي منه أثناء الثورة الفيتنامية, خاطب مدرسة في فيتنام الشمالية قصفتها الطائرات الأميركية, قائلا: “أدرك أنكم لا تعيشون الطفولة, هذه التي ستأتي حتما, وستكون مدارسنا مليئة بالألعاب والأزهار”. في المباحثات الأميركية مع جبهة التحرير الفيتنامية, كانت بعض الجلسات تستمر دقيقة. يأتي الوفد الفيتنامي حاملا ورقة مطالب. فإن رفضها الأميركان, ينسحب الوفد الفيتنامي, بعد أن يخاطب رئيس وفدهم, الوفد الأميركي قائلا “نلتقي في الميدان”. أيها الصهاينة يقولها شعبنا لكل مهاجر مغتصب منكم ولنتنياهو ولكل قادتكم” سنظل نلتقي في الميدان … طال الوقت أم قصر”.

إلى الأعلى