الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : حسابات ما بعد الحرب الثانية

أصداف : حسابات ما بعد الحرب الثانية

وليد الزبيدي

سرعان ما تحول الحلفاء إلى أنداد، هذا ما أصبح عليه الحال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945، فالأطراف التي قاتلت معا ضد ألمانيا وتعاونت في كل شيء، من الجهود الاستخبارية إلى استخدام وسائل الإعلام، حيث اتفقت التوجهات الشيوعية في موسكو وعواصم أخرى مع الخطاب الذي تتبناه إذاعة البي بي سي البريطانية وإذاعة صوت أميركا الامبريالية، ونسقت القوات الجوية لدول التحالف في قصفها للأهداف الألمانية، ووضعت الأساطيل خططا مشتركة أيضا.
لقد كانت هناك مصلحة جوهرية أرغمت السياسيين وإن اختلفوا في التوجهات والسياسات والقناعات، فقد جمعت الأطراف المتناقضة الحرب ضد هتلر الزعيم الألماني ووحدت صفوفهم وجهودهم، بعد أن هددت طموحات هتلر الكثير من الدول وحلفاء الدول الكبرى أيضا، وعندما استعصت اليابان على الرضوخ والاستسلام حتى بعد مرور ثلاثة أشهر تقريبا على سقوط ألمانيا وانتحار هتلر في نهاية نيسان ـ أبريل من العام 1945 وتوقيع الجنرال الألماني كايتل وثيقة الاستسلام في الثامن أيار ـ مايو من العام نفسه، إلا أن اليابان لم تنهزم رغم ضراوة القصف الأميركي، وكان القصف تدميري وهائل ويكشف عن حجم الأحقاد التي يحملها الأميركيون على خلفية الكارثة العسكرية التي ألحقها اليابانيون بهم بعد قصف وتدمير بيرل هاربر. وفي أب ـ أغسطس لجأت الولايات المتحدة إلى السلاح النووي لتدمر وتمحق مدينتين يابانيتين في أكبر جريمة ترتكب بحق البشرية، هما هيروشيما وناجازاكي.
وضعت الحرب أوزارها، وبينما بدأ الأميركيون السير باتجاهين متوازيين، أحدهما قصد الميدان الاقتصادي والتجاري وتم تعزيز بورصة نيويورك لتصبح المركز المالي الدولي والتمدد التجاري في أوروبا والعالم، وإعلان الحرب على الفكر الشيوعي الذي يحاول وقف التمدد الغربي، من جانبها موسكو أرادت استثمار هزيمة ألمانيا لتوزيع الفكر الشيوعي، وبينما يتصارع حلفاء الأمس لمصالح خاصة بهم ودولهم وشعوبهم فإن دولا وشعوبا وأمما وضعت أنفسها في خدمة القطبين.
كما يعرف الجميع فإن حلفاء الأمس اخترعوا حربا من نوع جديد أسموها “الحرب الباردة” صاحبها سباق في التسلح غير مسبوق، هناك من يريد الوصول إلى القمر وفرض نفوذه على البشرية من هناك، وطوروا صواريخ عابرة القارات وطائرات تسبق الصوت وقنابل تدمر مدنا بالكامل، والعالم تحول بين مدافع وداعم ومقدس لهذا القطب وذاك، والجميع يحبس الأنفاس خشية اشتعال الحرب بين موسكو وواشنطن، وتشير الأخبار والتحليلات في كل يوم طيلة عقود إلى احتمال كبير لاندلاع الحرب العالمية الثالثة، لكنها وطيلة أكثر من أربعة عقود لم تندلع، حتى انهار الاتحاد السوفيتي وتفكك مطلع تسعينيات القرن العشرين.
المشكلة في تبعية الدول للولايات المتحدة وتلك التي تعلقت بالاتحاد السوفيتي وتبعته بكل شيء، وحجم الخوف الذي ظل يثير الرعب في قلوب البشر خشية اندلاع حرب مدمرة بين الدول العظمى.
بعد الحرب العالمية الأولى أجمع الخبراء على أن حربا أخرى لن تحدث، لكنها وقعت بعد عقدين، وبعد الحرب العالمية الثانية توقع الغالبية من الخبراء نشوب الحرب، لكنها لم تقع.

إلى الأعلى