الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الامنية للسياسة الخارجية العمانية (1-2)

التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الامنية للسياسة الخارجية العمانية (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

كما لا يمكن بحال من الأحوال تحقيق سياسة خارجية هادئة ورزينة ومتزنة. قادرة على التعاطي مع المتغيرات والتحولات الدولية العابرة للحدود الوطنية, وبالتالي تحقيق الاستقرار الداخلي في الدولة انطلاقا من سياساتها الخارجية دون مراعاة وحسبان للبعد الأمني الدولي وتحولاته ومتغيراته العابرة للحدود الوطنية. والدور الكبير الذي يلعبه الجانب الأمني في السياسة الخارجية. ومقدرة تلك المؤسسات على تفعيل أدوارها الوقائية أو ذات البعد المتقدم فيما يتعلق باستراتيجيات الأمن الوطني.

شكل انهيار الاتحاد السوفيتي على حد تعبير المفكر الاستراتيجي ومستشار للأمن القومي الأميركي الأسبق البروفيسور زبجنيوبريجنسكي نقطة تحول مفصلية, وحدثا ذا أهمية تاريخية كبرى في تاريخ السياسة الدولية (1). كان له أبلغ الأثر في انهيار النظام العالمي القائم آنذاك على الثنائية القطبية بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية. حيث شكلت الأعوام التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي (ما أطلق عليه بفترة “القطب الواحد”، أو – المركزية الأميركية – أي فترة السيادة الأميركية المطلقة على النظام العالمي. بعد أن تقاسمت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي الهيمنة والسيادة المطلقة على العالم لمدة 45 سنة تقريبا. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بداية العقد التاسع من القرن العشرين)(2)
حدث آخر لا يقل أهمية ومفصلية عنه في تاريخ السياسة الدولية المعاصرة. ففي الـ10 من سبتمبر من العام 2001م كان معظم الناس (سيهملون باستهزاء أي إيحاء بأن البرجين التوأمين في مركز التجارة العالمي المشهور, واللذين كانا أعلى بنايتين في العالم آنذاك يمكن أن يدمرهما إرهابيون يقودون طائرات مختطفة في مهمة انتحارية)(3). إلا أنه وفي صباح اليوم التالي تحقق ذلك بالفعل. وبحسب تعبير بيتر سكاون مؤلف كتاب أميركا الكتاب الأسود (هوجمت الولايات المتحدة الأميركية على أرضها للمرة الأولى منذ حرب العام 1812م)(4).
بعدها تغير كل شيء تقريبا على خريطة السياسة الدولية. حيث لم يعد من متسع أو مكان للأمن والاستقرار. انتشار غير مسبوق للفوضى في السياسات الدولية والشؤون العسكرية. وتوجه عالمي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لشن حرب أقرب ما تكون إلى رواية سردية (دون كيشوتية) على الإرهاب. بدأت بدولة من أفقر دول العالم “افغانستان”. مرورا بالعراق. وما زالت تلك الحرب الكونية مستمرة في بقية أنحاء العام. خصوصا في أكثرها سخونة واضطرابا وصراعا, أقصد منطقة الشرق الأوسط.
بالطبع فإن هذه الأحداث وغيرها أدت إلى تغيرات جذرية هائلة وبالغة الخطورة في البنية السياسية للسياسة العالمية انطلاقا من أحداث 11/سبتمبر/2001م. كان من أمثلتها على سبيل المثال لا الحصر. تراجع المركزية الأميركية, ما أدى بدوره إلى الإخلال بتوازن القوى الدولية. وظهور أشكال هجينة من التحالفات الفضفاضة والقوى القارية أو حتى الإقليمية المتمردة على النظام القائم. والنزوع إلى استخدام القوة والدبلوماسية الصلبة كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية, للتدخل في الشؤون الداخلية للدول بشكل كبير وخطير. كردود فعل على أزمات معينة, أصبحت اليوم؛ أي استخدام القوة والدبلوماسية الصلبة كوسيلة من وسائل السياسة, اقرب ما تكون إلى توجه يمارس دون قيود أخلاقية أو قانونية.
وهكذا يمكن التأكيد على أن انهيار الاتحاد السوفيتي وهجمات 11/سبتمبر تعد أبرز نقاط الانعطاف التاريخية في حقل العلاقات والسياسات الدولية المعاصرة منذ الحرب العالمية الثانية. وكما قال وزير الدفاع الأميركي في حكومة جورج بوش الابن دونالد رامسفيلد من أن: (الحادي عشر من سبتمبر أحدث ذلك النوع من الفرص التي وفرتها الحرب العالمية الثانية من أجل إعادة صياغة العالم)(5) وتشكيله من جديد برؤية أميركية “مخطط الشرق الأوسط الجديد”.
حقل آخر شملته تلك التغيرات والتحولات الدولية العابرة للحدود الوطنية. أقصد. حقل الأمن القومي للدول انطلاقا من الدور المتداخل للأمن والسياسة الخارجية. والذي تنفذه وتشرف عليه وزارات الخارجية والسفارات التابعة لها مع بعض الأجهزة القومية ذات الطابع الأمني والاستخباراتي. فبالإضافة إلى الأدوار السياسية والأمنية التقليدية التي تلعبها مؤسسات السياسة الخارجية والدبلوماسية في البيئة السياسية الدولية كرعاية مواطني الدولة في الخارج وتسهيل النشاط السياسي والاقتصادي، وتسهيل عملية التواصل بين الدول والمنظمات الدولية. فإنها كذلك تمارس أدوارا خطيرة وحساسة جدا. بداية من الأمن الوقائي الذي يقوم على جمع المعلومات الأولية والقيام بالتحريات الاستخباراتية حول كل ما يمكن أن يشكل تهديدا قائما أو محتملا قادما لأمن واستقرار الدولة أو مواطنيها في الداخل والخارج, سواء كان مصدر تلك المخاطر مباشر أو غير مباشر. كأعمال التجسس والتهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة, وسلامة إقليم الدولة برا وبحرا وجوا، ومنع تعرضها للعدوان الخارجي.
وليس انتهاء بالدور المتعلق بجانب الأمن الخارجي المتقدم, والذي يقوم على تفعيل استراتيجيات التوقع والاستشراف الهادف ورصد الأحداث والتطورات السياسية والإقليمية لاحتواء التهديدات المستقبلية المحتملة نظرا لتغيير وتطور مصادر التهديد الخارجي وأساليب العمل على احتوائها من جهة. مع تطويع الإمكانيات والأدوات السياسية والاستخباراتية الحديثة والمتوافرة لتحقيق ذلك. ولدى الكثير من الدول اليوم يرتكز الأمن الخارجي على اعمال التخطيط والتفكير السياسي الاستراتيجي وصياغة الاستراتيجيات والأفكار المستقبلية والاستشرافية المعلبة والاستباقية الهادفة إلى أدوار سياسية وعسكرية واستخباراتية متقدمة من جهة أخرى.
حيث (أصبحت المؤسسات القومية – كوزارات الخارجية والأمن الخارجي – أكثر عناية بما يحدث داخل الدول. مقابل معالجة ما يجري بينها, وحدث هذا التغيير لأن الحكومات تواجه في الوقت الراهن تهديدا من الصراعات التي تتعدى الحدود, وتعم الدول وحتى الأقاليم المجاورة …….- ويعود الخطر الجديد على الدول – إلى السهولة التي يمكن بها للمحاربين والأسلحة واللاجئين وهيئات المساعدات والدعاية ونقل الأخبار عبور الحدود والأقاليم, ويسمح توسيع وتعميق الاتصالات الدولية والسفر والأنشطة العابرة للحدود, وللعنف وعدم الاستقرار بالانتشار السريع, ما يتطلب من حماة الأمن في أية دولة من الدول العناية الشديدة بما يحدث داخل حدود الدول الأخرى)(6), وكما سبق وأشرنا, فإن وزارات الخارجية والمؤسسات التابعة لها جزء لا يتجزأ من مؤسسات الأمن الوطني في ما يتعلق بشق الأمن الخارجي القائم على صناعة وتوجيه السياسة الخارجية لتحقيق أهداف الأمن الاستراتيجي.
على ضوء ذلك نجد أن السياسة الخارجية والأمن الوطني مترادفان لصيقان لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض. فمن المستحيل الحديث عن أحدهما دون التطرق إلى الآخر. فالأمن الوطني لأية دولة بشقيه الداخلي والخارجي لا يكتمل ويتكامل واقعيا ومنطقيا إلا باستقرار سياسات تلك الدولة وعلاقاتها الخارجية. كما لا يمكن بحال من الأحوال تحقيق سياسة خارجية هادئة ورزينة ومتزنة. قادرة على التعاطي مع المتغيرات والتحولات الدولية العابرة للحدود الوطنية, وبالتالي تحقيق الاستقرار الداخلي في الدولة انطلاقا من سياساتها الخارجية دون مراعاة وحسبان للبعد الأمني الدولي وتحولاته ومتغيراته العابرة للحدود الوطنية. والدور الكبير الذي يلعبه الجانب الأمني في السياسة الخارجية. ومقدرة تلك المؤسسات على تفعيل أدوارها الوقائية أو ذات البعد المتقدم فيما يتعلق باستراتيجيات الأمن الوطني.
وتمثل مؤسسة السياسة الخارجية والمؤسسات المتخصصة بالأمن الوطني في شقه الخارجي في سلطنة عمان مراكز توجيه وصناعة القرار السياسي والدبلوماسي الخارجي والعلاقات الدولية, بداية بالمؤسسة السلطانية (مؤسسة رئاسة الدولة في بقية دول العالم). مرورا بوزارة الخارجية وليس انتهاء بالمؤسسات ذات العلاقة المباشرة أو غير بالمباشرة بالسياسة الخارجية والأمن الوطني. وتقليديا (يعهد بتطبيق السياسة الخارجية إلى الجهاز الدبلوماسي, الموضوع تحت سلطة – الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية – والذي يعد منصبه من المناصب الحساسة, لما له من مسؤوليات جسيمة. فهو يمثل حلقة الاتصال بين دولته والدول الأخرى, ومركز نشاطها في النطاق الدولي, كما أن وزارة الخارجية تندرج ـ في بعض الدول ومنها سلطنة عمان ـ في ما يسمى بوزارات السيادة التي تخضع لنمط خاص في التنظيم, وفي علاقاتها مع مؤسسة رئاسة الدولة)(7)

ملاحظة: هذا المقال من مقدمة كتاب قادم لنا بإذن الله سيصدر بمعرض مسقط للكتاب 2018م يحمل نفس العنوان.

إلى الأعلى