الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الأكراد .. مكون أساسي في الحضارة العربية

الأكراد .. مكون أساسي في الحضارة العربية

محمد عبد الصادق

استغل الأكراد سقوط بغداد تحت الغزو الأميركي في عام 2003م, وضعف الدولة العراقية ليستقلوا جزئيا بإقليم كردستان كنواة للدولة الكردية المستقلة سياسيا واقتصاديا وعسكريا, وزاد حلم الاستقلال بعد نجاح البشمركة “القوات المسلحة الكردية” في السيطرة على مناطق واسعة من محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها مع حكومة بغداد واستغلال الاعتراف الدولي بدور البشمركة في محاربة “داعش” والعلاقات الجيدة التي تربط الإقليم بإميركا والدول الغربية.

وسط معارضة عراقية وعربية وإقليمية ودولية يصر مسعود برزاني وحكومته في أربيل المضي قدما في طريق الاستقلال عن العراق وأجروا استفتاء على قيام الدولة الكردية وسط تأييد هستيري للأكراد في شمال العراق وفي الخارج, ضاربين عرض الحائط بكافة التحذيرات من المخاطر والإشكاليات التي سيجرها عليهم هذا الاستفتاء الذي سيثخن جراح المنطقة التي لم تبرد بعد, ويهدد بمواجهات مسلحة بين الكيان الكردي الوليد والجيش العراقي شرقا والتركي غربا والسوري جنوبا, ناهيك عن القلق الإيراني.
والأكراد أحد المكونات الأصيلة التي تعيش في هذه المنطقة منذ آلاف السنين, إلى جوار العرب والفرس والتركمان, وقد دخلوا مبكرا للإسلام وساهموا مساهمة فاعلة في نشر الدين والحضارة العربية والإسلامية بكل مكوناتها, فمنهم القادة العسكريون: أسد الدين شيركوه وابن أخيه الناصر صلاح الدين وعماد الدين زنكي والسلطان الصالح نجم الدين أيوب الذين وقفوا في وجه الصليبيين، وأعادوا بيت المقدس لأحضان الدولة الإسلامية, وغيرهم من القادة الأكراد الذين تولوا مناصب مهمة في كثير من الدول العربية والإسلامية, حتى أن محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة ـ هناك روايات عن أصله الكردي ـ استعان بكثير من الأكراد في مناصب عسكرية ومدنية مهمة ساهموا من خلالها في إحداث النهضة التي قادها محمد علي في مصر والشام وبلاد الحجاز والسودان.
كما كان للكرد إسهامات ثقافية وفكرية مؤثرة في علوم الفقه والتفسير والحديث الشريف وعلوم اللغة العربية, فمنهم الشهرزوري صاحب كتاب “علوم الحديث”, وأبو القاسم الجنيد والنقشبندي والإمام الحافظ العراقي والفقيه عيسى الهكاري وعالم النحو ابن الحاجب, كما كان لعلماء الكرد دور كبير في الحفاظ وحماية اللغة العربية وآدابها، ويكفي أن من بينهم العالم الشهير أبو علي القالي صاحب كتاب “الأمالي” الذي نقل أخبار ونوادر وطبقات شعراء العرب في العصر الجاهلي والناقد الأدبي والشاعر أبو القاسم الآمدي الذي اخترع طريقة لقراءة فاقدي البصر قبل ظهور طريقة برايل بمئات السنين, كما كان للكرد دور في تأسيس علوم الموسيقى العربية والتعريف بالمقامات الشرقية وابتكار الجمل اللحنية التي صارت عليها الموسيقى الشرقية حتى الآن ومن أشهرهم المغني زرياب والأخوان إبراهيم وإسحاق الموصلي.
ويكفي أن أمير الشعراء أحمد شوقي رائد مدرسة تجديد الشعر العربي في العصر الحديث من أصول كردية، كذلك الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي, وهناك الأسرة التيمورية التي كان لها دور بارز في تعريب فنون المسرح والرواية والقصة القصيرة, وهي تنتسب للجد محمد تيمور كاشف الذي هاجر إلى مصر بعد خراب قريته القريبة من السليمانية التي ضربها زلزال قوي في القرن الثامن عشر، والتحق بالجيش العثماني ونال ثقة محمد علي باشا والي مصر الذي ولاه إمارة المدينة المنورة وكان تيمور مثقفا يجيد القراءة والكتابة باللغات العربية والكردية والفارسية, وجاء من نسله الشاعرة عائشة التيمورية رائدة النهضة النسوية في مصر في القرن التاسع عشر والمؤرخ وعالم اللغة الكبير أحمد تيمور باشا والد أحمد ومحمد تيمور رائدي القصة والرواية والتأليف المسرحي العربي في العصر الحديث.
والكاتب والأديب والمصلح الاجتماعي قاسم أمين وهو من أب كردي وأم مصرية, وهو أحد مؤسسي الحركة الوطنية المصرية قبل ثورة 1919م, وأول رئيس لجامعة القاهرة في بدايات القرن العشرين وصاحب كتاب “تحرير المرأة” الذي دعا لتعليم الفتيات وخروج المرأة من أسر المنزل والمشاركة في العمل العام إلى جانب الرجل.
وحلم الاستقلال وإقامة الدولة الكردية بدأ منذ أكثر من قرن عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى ووقوف الأكراد إلى جانب الحلفاء المنتصرين الذين وعدوهم بتقرير المصير، ولكن لم يتم الوفاء بهذا الوعد وتم توزيع أرض وشعب الكرد تبعا لاتفاقية “سايكس بيكو” بين أربع دول: هي تركيا التي يعيش فيها العدد الأكبر من الأكراد المقدر عددهم الإجمالي بـ28 مليون نسمة؛ 16 مليونا منهم موجود في تركيا و5 ملايين في إيران و4 ملايين في العراق ومليون ونصف المليون في سوريا والباقي منتشرين في معظم دول العالم.
واستغل الأكراد سقوط بغداد تحت الغزو الأميركي في عام 2003م, وضعف الدولة العراقية ليستقلوا جزئيا بإقليم كردستان كنواة للدولة الكردية المستقلة سياسيا واقتصاديا وعسكريا, وزاد حلم الاستقلال بعد نجاح البشمركة “القوات المسلحة الكردية” في السيطرة على مناطق واسعة من محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها مع حكومة بغداد واستغلال الاعتراف الدولي بدور البشمركة في محاربة “داعش” والعلاقات الجيدة التي تربط الإقليم بإميركا والدول الغربية.
لم يجد الأكراد حتى الآن من يؤيدهم, حتى الولايات المتحدة حليفتهم طالبتهم بتأجيل الاستفتاء حتى تنتهي الحرب على “داعش” في سوريا والعراق ونفس الموقف اتخذته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي, وبالطبع عارضت الاستفتاء تركيا التي حركت قواتها العسكرية، وأغلقت حدودها مع الإقليم ونفس الشيء فعلته إيران وبغداد مما ينبئ بفرض حصار على الأكراد من جميع الجهات كما طالبت بغداد بإدارة المطارات والمنافذ الحدودية بدلا من حكومة الإقليم.
رغم إجراء الاستفتاء وتوقع اكتساح “نعم” للاستقلال, إلا أن الأكراد لم يغلقوا الباب أمام الحل السلمي للأزمة مع بغداد وأرسلوا برسائل تؤكد أن الاستفتاء لا يعني الاستقلال، وأن الهدف منه هو تعزيز موقفهم في التفاوض مع بغداد على القضايا الخلافية المتعلقة بالموازنة وتبعية مدينة كركوك التي يعيش بها نسب متساوية من العرب والكرد والتركمان وطريقة الحصول على عائدات النفط، ولكن يظل الخوف من أن يكون الاستفتاء الشرارة التي تؤدي لتقسيم العراق ومن بعدها سوريا وتدفع الأكراد في تركيا وإيران للثورة على أنقرة وطهران؛ طلبا للانفصال ومن ثم الانضمام للدولة الكردية الوليدة في شمال العراق.

إلى الأعلى