الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حرب الإرهاب الميكروبية

حرب الإرهاب الميكروبية

”.. بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، ولندن في 7 يوليو 2005 وغيرها من التفجيرات والهجمات في مدن أخرى، بدا وكأن العالم الإسلامي انتبه لأهمية أن ينأى بنفسه عن ذلك التصنيف وساهم في ذلك أيضا بعض الباحثين والكتاب والمحللين الغربيين الذين اشتهروا في العقدين الأخيرين بأنهم “خبراء إرهاب”، أي بمعنى آخر خبراء في شؤون الإسلام والمسلمين.”
ـــــــــــــــــــــ
يكاد العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ينتصف، ولم يجد العالم بعد عدوا كونيا يسد فراغ ثنائية القطبية التي انتهت بنهاية الحرب الباردة بداية العقدين الأخيرين من القرن الماضي سوى “الإرهاب”. ومنذ اطلق هذا المصطلح في القرن الماضي لم يلبث أن ارتبط بالإسلام والمسلمين، وساهم التشويه الإعلامي الغربي ـ والذي ينقل عنه العربي وبقية العالم ـ في ترسيخ تلك الصورة الذهنية حتى أنه يكفي أن تقول “الإرهاب” ليكمل ذهن المتلقي “الإسلامي”. وليس معنى ذلك أن الجماعات المتطرفة والمتحجرة في بلاد المسلمين لم تسهم في ترسيخ تلك الصورة، بل على العكس كانت مادة مناسبة لعملية التنميط وشحن الرأي العام.
وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، ولندن في 7 يوليو 2005 وغيرها من التفجيرات والهجمات في مدن أخرى، بدا وكأن العالم الإسلامي انتبه لأهمية أن ينأى بنفسه عن ذلك التصنيف وساهم في ذلك ايضا بعض الباحثين والكتاب والمحللين الغربيين الذين اشتهروا في العقدين الأخيرين بأنهم “خبراء إرهاب”، أي بمعنى آخر خبراء في شؤون الإسلام والمسلمين. ووفر ذلك فرصة ذهبية لما اصطلح على تسميته “الإسلام السياسي”، أي تلك القوى والجماعات الإسلامية التي لا تتبنى العنف علنا وينخرط بعضها في المعارضة في عدد من الدول التي أغلبية سكانها من المسلمين. لكن تجربة الإسلاميين في الحكم، وتحديدا تنظيم الإخوان وتوابعه، في الدول التي شهدت تغييرات قبل نحو ثلاث سنوات وصلت إلى نتائج كارثية ـ أو على اقل تقدير عكس توقعات كل مراكز البحث والتحليل المعلوماتي الغربية.
ليس هناك إذا، في سياق عملية التحول التي تشهدها المنطقة منذ أن اعتبرت “بذرة النظام العالمي الجديد” عقب انهيار الثنائية القطبية، سوى الاستمرار في النهج المجرب. ودون أن يعني ذلك أن كل الأمور تدار عن طريق مؤامرة، أو أن هناك قوة استثنائية تمسك بكل الخيوط وتحرك المنطقة بكل قواها وأنظمتها وشعوبها كعرائس مارونيت، تسير الأمور الآن في صالح القوى التي تسعى لترسيخ تفردها بالقطبية الأحادية في العلاقات الدولية. المهارة الأساسية هي في إدارة أي حراك ـ بعناصره المحلية وعوامله الذاتية، التي قد تكون مفاجئة أحيانا ـ بما يخدم مصالحك ويصب في النهاية، ولو بالقدر الأكبر، في طريق الوصول إلى مبتغاك. وهكذا، إذا لم يفلح الإسلاميون في الحكم واحتجت عليهم شعوب الدول التي حكموها أو كادوا، فلو كنت مكان الأميركي والغربي فليس أمامك سوى إذكاء زيادة العنف من جانبهم ومن التنظيمات والجماعات المتطرفة المرتبطة بهم.
وهكذا نعود مجددا إلى مربع سابق ـ وإن بشكل مختلف قليلا وفي سياق أوسع ـ لفترة تكوين “طالبان” في أفغانستان لتقوم بمهمة محددة لصالحك ( وإن كانت هي تؤمن بدوغمائيتها الدينية أنها تحقق أمر الله) وهي قتال المحتل السوفييتي وعدم تجيير النتيجة لصالح إيران. وإذا كان وضع باكستان كدولة حكم عسكري مرتبط بالغرب ينخر فيها الفساد ملائما وقتها لرعرعة طالبان، ومن بعدها تنظيمات “المجاهدين العرب” وأشهرها القاعدة فإن في المنطقة الآن مناخات وبيئات مناسبة للغرض. وهذا ما يحدث فعلا بالنسبة لجماعات كثيرة، توصف أغلبها بأن “تشظيات عنقودية من تنظيم القاعدة” وبعضها تكون في إطار الصراع في سوريا ودعم دول في الإقليم لجماعات “جهادية” لتقاتل ضد النظام السوري. ونتذكر هنا المؤتمر الشهير للرئيس الإخواني المعزول في مصر محمد مرسي في استاد القاهرة والذي أعلن فيه “الجهاد” في سوريا ضد حكم الأسد.
من الطبيعي والمنطقي إذا أن من يتابع الإعلام الغربي الآن يتصور أن ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو (داعش) لم يبق أمامها الكثير لتغزو روسيا وتعلن الخلافة الإسلامية من المحيط إلى المحيط. ويتذكر، من لا تزال لديه ذاكرة قريبة، كيف أن تنظيم “القاعدة” بزعامة أسامة بن لادن قام “بغزوات في نيويورك وواشنطن” وكاد أن يقرر “نهاية التاريخ”. ووصل الأمر بصحيفة محترمة مثل الفاينانشيال تايمز أن تنشر قبل ايام موضوعا بعرض صفحتها الأولى ومساحة واسعة في الداخل عن البنية التنظيمية والموارد المالية لداعش!!! المصيبة أنه في المقابل يغذي من ينطلقون من ارضية طائفية هذا “الهطل المتعمد” غربيا بتصوير الأمر على أن هناك “ثورة مسلحين” يقوم بها المضطهدون السنة في العراق ـ وكأن حكومة المالكي التي تواجه غضب وانتقاد قطاع كبير من شيعة العراق تستحق كل هذا الحشد.
سامحوني على الصورة، التي يغلب عليها التشبيه ذو الخلفية الطبية، لكنني أتخيل كل هذه التكوينات والتنظيمات والجماعات (بأسمائها الغربية: تالبان، كئيدة، ايزيس …) وكأنها تسرب لميكروبات فتاكة من معامل الأبحاث الطبية لمشاة البحرية الأميركية في عمليات تديرها أجهزة مخابرات وتمول بتبرعات إسلاميين من منطقتنا. وحين تنشر تلك الميكروبات في بيئة مناسبة تصيب المنطقة بمرض عضال يؤدي للموت البطيء يمكن تسميته “سرطان دولة”. وبالطبع تستفيد الشركات الغربية وغيرها من منتجي الأسلحة وترتفع أسهمها لأنها الوحيدة التي توفر العلاج غير الشافي لهذه الحالة: السلاح. وبعدما ينفق المريض كل ما يملك على علاج لا يشفي، يكون المرض وصل إلى مرحلة تتركه بين الموت وبين الحياة: دول فاشلة لا قيمة لها.

د. أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى