الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إقليم المفارقات.. ثانية

إقليم المفارقات.. ثانية

أ.د. محمد الدعمي

” إن العقل القائد يكمن على بعد تاريخي لأنه يدور في مدار يختلف عن الفلك الذي تدور به جموع العميان المندفعين، فوق الجسر الرابط بين العصرين، فهم أفراد بلا وجوه ولا هويات، بدليل أن هويتك الدينية أو الطائفية (إن وجدت) تكفي لنحرك أو لقتلك. ربما كان هذا هو الجحيم الذي حاول “دانتي” تصويره، بدليل أن يقتل “البربري” سواه لأنه ولد “هندوسياً” أو “بوذياً”، مسلماً أو مسيحياً.”
ـــــــــــــــــــ
لست أعتقد أن بامكان أحد من الذين تبتلعهم دوامة الشرق الأوسط، العنيفة والفائقة السرعة، أن يدرك بدقة أبعاد ومعاني وآثار ما يجري اليوم هنا، أي في الشرق الأوسط: فالأحداث تاريخية بكل ما تنطوي عليه لفظة “تاريخية” من معنى. ولأنها تاريخية، فإنها تقود الفاعلين في دواخلها إلى نوع من العمى الذي قد يقود إلى أفعال لا يمكن عقلنتها أو قبولها في أجواء مختلفة ودرحات حرارة أكثر اعتدالاً وتشجيعاً على التأمل الذكي ومن مسافة كافية لرؤية الأحداث على نحو أكثر واقعية وشمولية.
هذا باختصار، هو تعقيد قراءة الأحداث التاريخية التي أشير إليها في أعلاه، فهي لايمكن أن تفهم أو أن تدرك إلا بعد مرور طول كاف من الزمن، بكل تفاعلاته وتعقيداته وما يميط اللثام عنه من مكنون الحقائق والعواطف والخفايا. ولكن، الحاجة لبعد زمني يكفي لإتاحة الرصد والتحليل العقلاني للأحداث لابد أن تتوافق مع مسافة أو طول من نوع آخر، يبعد الناظر والمحلل مسافة مكانية كافية للإفلات من ضجة وضوضاء الأحداث الساخنة على سبيل رؤية التفاعلات على حقيقتها.
إذا أردنا قراءة حقة، مشحونة بالمعنى، لأحداث اليوم في الشرق الأوسط، تلك الأحداث التي تبدو خالية من المعنى اليوم، نكون بحاجة ماسة لطولين، زمني ومكاني، أو “زمكاني”، يفصلنا عنها ويكفيان لرؤية أكثر شمولية للمختلط والمتداخل من الأحداث التي تبدو وكأنها عصية على العقلنة.
هنا، في هذه اللحظة التاريخية، تتكشف العبقريات ويميط العقل المتضخم بالمعارف والتأمل والتفكير الإيجابي عن قدراته الفائقة التي ترفع صاحبه درجة أعلى من المتعامين المنزلقين المتأبطين شراً، الذين تجرفهم العواطف “البدائية”؛ أي خليط النزوات والغرائز الأولية، التي تركب الجمهور في الشرق الأوسط وتضربه بسوطها الموجع كي توجهه حيث شاءت، فتمنع عنه سجايا الحلم والحكمة وبعد النظر.
وهنا، بالضبط، تبرز الحاجة للعقل المتضخم، اي “العقل القائد”، العقل الذي يفكر بمسؤولية تموضعه بين عصرين، عصر يتوارى ببطء، وعصر ينبلج ببطء كذلك. إن العقل القائد يكمن على بعد تاريخي لأنه يدور في مدار يختلف عن الفلك الذي تدور به جموع العميان المندفعين، فوق الجسر الرابط بين العصرين، فهم أفراد بلا وجوه ولا هويات، بدليل أن هويتك الدينية أو الطائفية (إن وجدت) تكفي لنحرك أو لقتلك. ربما كان هذا هو الجحيم الذي حاول “دانتي” تصويره، بدليل أن يقتل “البربري” سواه لأنه ولد “هندوسياً” أو “بوذياً”، مسلماً أو مسيحياً. وما ذنبي أن ولدت من أبوين مسلمين أو يهوديين كي تقتلني؟ إنها حال تعطيل العقل وتسييد الغرائز البدائية هي السائدة في “إقليم المفارقات” الذي نحيا فيه، للأسف!

إلى الأعلى