الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / داعش .. صناعة الخوف والظلام

داعش .. صناعة الخوف والظلام

محمد عبد الصادق

” في هذه الأوقات الحزينة التي تمر بها العراق، والأمة العربية نتذكر القادة العرب العظام الذين كانوا درعاً وسيفاً للأمة ورفعوا لواء القومية العربية؛ فعلاً لا قولاً وجعلوا الانتماء للوطن والعروبة يعلو فوق الانتماءات الحزبية والمناطقية والمذهبية الضيقة، وودعنا في زمانهم الفخر بالقبيلة، والتحيز للطائفة، والتنابذ بالألقاب،”
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان غريباً أن يجمع معظم العراقيين الفارين من شمال العراق عقب استيلاء ما يسمى بمسلحي داعش على مدن الشمال، وفرار قوات الجيش العراقي من المنطقة ـ أن سبب نزوحهم عن ديارهم؛ هو خوفهم من إقدام رئيس الوزراء نوري المالكي على قصف مدنهم بالصواريخ والطائرات، وأكدوا على أنهم لم يتعرضوا لأي تهديدات أو مضايقات من المسلحين، بل إن بعضهم أكد أنه لم يلحظ وجوداً لمسلحين غرباء، وبرر فراره لنفس السبب، في إصرار جماعي على تحميل المالكي المسؤولية كاملة عن تحولهم للاجئين.
ربما هذا الموقف يزيل الغموض ويفسر حقيقة ما يجري في شمال العراق وهل تنظيم داعش بهذه القوة التي تعمد المالكي ووسائل إعلامه تضخيمها ليجد ذريعة لإخماد الثورة ضد حكمه في نواحٍ ٍ كثيرة من العراق؛ التي ساءها إهدار المالكي لحقوقهم وتأجيج نار الطائفية وممارسة التمييز بين العراقيين، وإلاّ كيف استطاع 3 آلاف مقاتل مسلحين تسليحاً تقليدياً هزيمة جيش نظامي قوامه 50 ألفاً ضمن جيش تعداده مليون جندي مدرب ومزود بأحدث الأسلحة وأجهزة الاتصال وتكلف تدريبه وتسليحه المليارات ـ ويجبره على الفرار بهذه الطريقة المهينة.
وهذا لا يمنع أن هناك خطراً يهدد الأمة العربية بالانهيار والتقسيم، وهو خطر التطرف الديني والإرهاب المسلح ضد الأنظمة والدول، وعلى الداعمين والمتعاطفين مع هذه المليشيات المتطرفة تحت ذرائع مذهبية أو طائفية التنبه إلى أنهم يلعبون بالنار، وأن نهم هذه التنظيمات للقتل والدم والتخريب لا يتوقف عند حد، وأثبتت التجارب السابقة انقلاب هذا الوحش على مثمنيه بلا رحمة، لأنه بلا عقل ويعمل وفقاً لأفكار تكفيرية ضالة لا تؤمن بوطن ولا تراعي حرمة لدم أوعرض أو عصمة لنفس أو مال، وللأسف يستغل أمراء الحرب وتجار الدين الشباب الصغير قليل التجربة والمعرفة المحدودة؛ والذي نتحمل جميعاً مسؤولية إهماله وتركه فريسة للأفكار المتطرفة ـ في تنفيذ جرائمه باسم الدين.
واستغرب ونحن في عصر الفضاء والجينوم وتقنية النانو، والسباق المحموم بين دول العالم في مجالات العلوم، والابتكار، واستخدام التكنولوجيا في الزراعة والطب والتعليم، وشتى مجالات الحياة التي تعمر الأرض وتزيد رفاهية الإنسان. تخرج علينا داعش وأخواتها بوجوه شعثاء غبراء ولغة قديمة، ومصطلحات مهجورة كانت تستخدم في القرون الوسطى وأزياء مستنسخة من الأفلام التاريخية، وأفكار تكفيرية تغتصب الحكم وتنتزع البيعة بالقوة، وتستحل أموال المسلمين باعتبارها غنائم، ويعطون لأنفسهم سلطة إقامة الحدود وتطبيق الأحكام وفقاً لرؤيتهم القاصرة التي لا تجد غضاضة في استهداف المدنيين وإهدار القانون وانتهاك حقوق الإنسان، وتطويع الفقه لمآربهم، وتفسير القرآن على هواهم، ليسيئوا للإسلام وشريعته السمحاء.
ولكن هذا “اللوك” القديم لم يمنعهم من استخدام التكنولوجيا الكافرة الحديثة من الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والثريا ومواقع التواصل الاجتماعي طالما كانت تحقق أهدافهم (المباركة) وإذا تعارضت مع مصالحهم تحولت لأدوات الشيطان النجسة، التي يستوجب رجم من يستخدمها كما حدث في شمال سوريا.
وبعد تضييق الجيش السوري العربي الخناق عليهم في سوريا اتجهوا للعراق واستغلوا الوضع الطائفي المشتعل بين السنة والشيعة نتيجة السياسات الخاطئة لحكومة المالكي التي تخيلت أن الدعم الأميركي كفيل بضمان بسط سيطرتها على زمام الحكم في العراق؛ والقضاء على معارضيها، فاندسوا وسط العراقيين الرافضين لسياسات المالكي الطائفية، وأججوا النعرات المذهبية والعشائرية لتصبح العراق على شفا حرب أهلية لا يعرف أحد مداها.
في هذه الأوقات الحزينة التي تمر بها العراق، والأمة العربية نتذكر القادة العرب العظام الذين كانوا درعاً وسيفاً للأمة ورفعوا لواء القومية العربية؛ فعلاً لا قولاً وجعلوا الانتماء للوطن والعروبة يعلو فوق الانتماءات الحزبية والمناطقية والمذهبية الضيقة، وودعنا في زمانهم الفخر بالقبيلة، والتحيز للطائفة، والتنابذ بالألقاب، نتذكر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي بكته يوم رحيله الإنسانية جمعاء في أفريقيا، وأميركا اللاتينية، وآسيا، وأوروبا ـ دون النظر لجنس، أو دين أو لون أو عرق؛ بل بكاه حتى أعداءه؛ لأنهم صدقوا إيمانه بوطنيته، وتجرده، وإنسانيته، وإنصافه وعدله، وإعلائه قيم المواطنة، والسيادة والاستقلال الوطني، حتى أن الأقباط، وسكان محافظات الصعيد، والدلتا وبدو سيناء ومطروح والواحات، يذكرون حتى اليوم عبدالناصر وعصره بالخير ويتمنون عودة مصر لهذه الأيام التي كانت لحمة الوطن قوية، ونسيجه الاجتماعي متين لا يسمح لأحد أن ينفذ من خلاله.
ونتذكر الراحل صدام حسين الذي رغم أخطائه كان رمزاً لسيادة العراق على أرضه، ووحدته الوطنية، وسيظل عصره مقروناً في وجدان العراقيين والعرب بالشموخ، والإخلاص للقومية العربية والكبرياء الوطني ويكفي أن العراق لم يعرف تحت حكمه الأمراض التي يعاني منها الآن كالطائفية، والمحاصصة، والمناطقية، فقد تعامل مع العراقيين على قاعدة المساواة، واحترام حق المواطنة؛ حتى إننا لم نعلم إلاّ بعد سقوطه وإعدامه أن نائبه طه ياسين رمضان كان كردياً، وأن وزير خارجيته العتيد طارق عزيز كان مسيحياً ولا أن وزير إعلامه الأشهر محمد سعيد الصحاف الذي استمات في الدفاع عن صدام وعن نظام البعث كان شيعياً هو ووزير الدفاع بينما كان نائبه الثاني عزة الدوري سنياً، حتى أن صدام حسين يقول في مذكراته إنه لم يكن يعلم ولا سعى لأن يعرف انتماءات نوابه ولا وزرائه الدينية أو المناطقية، لأن هذا لايعنيه، فالمهم أن يكون عراقياَ.

إلى الأعلى