Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

البيئة وصناعة الإنسان

كانت الفترة من العشرينيات في مصر شهدت طفرة من الفن الأصيل الذي أثر وتأثر ببيئته، فاستمتعنا بإبداعات ما زالت تسعدنا لأم كلثوم وعبدالوهاب وأحمد شوقي وأحمد رامي والقصبجي والسنباطي وغيرهم من أبناء مرحلتهم، فساعدوا في إثراء المجتمع بالطرب الأصيل مع قراءة مؤلفات للعقاد ومحفوظ وغيرهم، ما زلنا نعيش على هذا الإنتاج ونتنفس هواءه النقي…

جودة مرسي

عقد في دار الأوبرا السلطانية الجمعة الماضية (جلسة قهوة وتمر) للتعرف عن قرب على الفنانين العربيين التونسي لطفي بوشناق والمصري محمد ثروت بحضور الدكتور عصام الملاح بمناسبة حضورهم لإحياء ليلة إنشاد في الأوبرا السلطانية، وكانت جلسة ثرية نظرا لتمتع الضيفين بثقافة عالية تشمل العديد من المناحي الحياتية وليس الفنية فقط، وفي خضم النقاش تم المرور بملمح عن أزمة الأغنية العربية والتي هي أحد أسباب تحول السلوك المجتمعي، وقد اتفق الضيفان على أن الفن من أهم العوامل التي تساعد في الارتقاء بسلوكيات المجتمع، وأشادا بدار الأوبرا السلطانية هذا الصرح العظيم الذي يحتفي بين فترة وأخرى في لياليه باختيار العناصر الفنية المختلفة التي تمثل شتى أنواع الفن الراقي، والتي هي عنوان عن مدى الرقي الذي يتمتع به الشعب العماني، ومدى حرص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على تشييد هذا المبنى الراقي ليحتضن مختلف أنواع الفنون العالمية الشهيرة.
وقد لخص الفنان محمد ثروت في حديثه الحالة المزرية التي وصل لها الفن بقوله (إن الإنسان ابن بيئته)، وبالفعل صدق القول في تلخيصه للحال الذي تعيشه بعض المجتمعات من تردٍّ اقتصادي وأخلاقي ومجتمعي، ولأن الإنسان ابن بيئته بفعل التأثير والتأثر مع البيئة، ونذكر هنا عدة مراحل مر بها الفن في مصر مع اختلاف مكونات البيئة، ومصر تحديدا لأنه كتب عليها أن تكون هي حاضنة الفن بكل صنوفه، سواء المسرحية أو الغنائية أو الأوبرالية والسينمائية، وذلك لتوافر الإمكانيات البشرية والمادية من مسارح ودور سينما وإنتاج وجمهور، فكانت قبلة لأدوات الفن من أنحاء الوطن العربي، سواء شعراء أو ممثلون أو مؤلفون أو مطربون .. إلى آخره من فنانين أبدعوا وأثروا الحياة الفنية بتاريخ أثر في الحياة العامة العربية من المحيط إلى الخليج.
وكانت الفترة من العشرينيات في مصر شهدت طفرة من الفن الأصيل الذي أثر وتأثر ببيئته، فاستمتعنا بإبداعات ما زالت تسعدنا لأم كلثوم وعبدالوهاب وأحمد شوقي وأحمد رامي والقصبجي والسنباطي وغيرهم من أبناء مرحلتهم، فساعدوا في إثراء المجتمع بالطرب الأصيل مع قراءة مؤلفات للعقاد ومحفوظ وغيرهم، ما زلنا نعيش على هذا الإنتاج ونتنفس هواءه النقي، وكلما ضاق بنا الحال أعدنا إنتاجه ليذكرنا بالأصول العريقة الجميلة التي ترتقي بنا في التعامل مع الآخرين، ثم انتقل بنا الزمن إلى فترة زمنية أخرى في نهاية الخمسينيات فكان التحول فيها بطيئا مع الاحتفاظ بعبق الزمن الجميل، فكنا نقرأ لهيكل ونسمع لعبدالوهاب ومرحلة جديدة لأم كلثوم اعتمدت في بعض أعمالها على كلمات وألحان بعض الشباب في حينها أمثال بليغ حمدي وسيد مكاوي ثم مرحلة عبدالحليم ورفاقه من الموجي والطويل ومأمون وكامل الشناوي، فكان هذا الزمن له خصوصياته ومرحلته ولم يكن هناك شعور بفارق كبير بين إنتاجه وما سبقه وكان التحول يتم ببطء، إلا أن جاءت فترة منتصف السبعينيات فذهبنا إلى زمن آخر وطعم آخر وبيئة أخرى أصبحنا نقرأ لموسى صبري ونسمع لياسمين الخيام وعفاف راضي وهاني شاكر، وطبعا كان واضحا الفرق بين تلك الفترة وما قبلها أو قبل قبلها فنشبهها بما كنا نسمع مثل (أراك عصي الدمع) ثم فترة (الحب كله) وفترة أخرى مغايرة (ابعد عني هواك) لياسمين الخيام. وهذه الفترات الثلاث توجد بينها فروق يتضح فيها جليا اختلاف البيئة من الخمسينيات إلى السبعينيات، لننتقل إلى زمن آخر وبيئة مغايرة تماما تشعر معها بالغربة في زمنك في فترة منتصف التسعينيات إلى وقتنا الحاضر والتي بدأت بأحمد عدوية (سلامتها أم حسن) مرورا بشعبان عبدالرحيم (أنا بكره إسرائيل) أو سعد الصغير (بحبك يا حمار) وصولا لأغاني المهرجانات التي تملأ الساحة الآن وهي عنوان للرقص وذوق رديء لموسيقى الصوت العالي. ليختفي الغناء ويكون الشعار هو الرقص للرجال قبل النساء، على اختلاف هذه الفترات واختلاف البيئة فيها وصلنا إلى هذا المستوى، وهذه هي البيئة التي اختلفت من فترة لأخرى فأثرت على السلوك العام بفنه وتعليمه وثقافته التي انطبعت على الإنسان وشخصيته، ليصدق القول الملخص في عبارة واحدة تقيم مراحل زمنية مختلفة حملت عنوانها. لتكون الإجابة إذا أردت أن تحكم على مجتمع عليك بالبحث عن بيئته فهي عنوانه، وإذا أردت الرقي بمجتمع يجب أن تمهد البيئة الحاضنة لإنتاج أجيال ترضى عنها.


تاريخ النشر: 28 سبتمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/217896

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014