الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ما بين ألمانيا والسلطنة

ما بين ألمانيا والسلطنة

يبقى الأهم فيما بين ألمانيا والسلطنة هو سياسة الاستثمار التي تشجع دخول الأعمال ورؤوس الأموال، لكن في إطار سياسة البلاد الاقتصادية وبما يخدم أهداف التنمية حسب الحاجة الوطنية. ومع أن سوق مسقط للأوراق المالية من أقدم البورصات في المنطقة إلا أن التشريعات والإجراءات التي تحكم عملها تتسق وخطط التنمية الاقتصادية الشاملة، وليست فقط نافذة للمضاربة والمغامرة من المستثمرين الأجانب أو ما تسمى “الأموال الساخنة”.

د.احمد مصطفى

كان فوز المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالانتخابات متوقعا على نطاق واسع، ولم يكن هناك من يشك في أن الألمان سيختارونها لفترة حكم رابعة. وبعيدا عن كل العوامل السياسية وتركيبة الساحة الألمانية، خاصة بعد توحيد شطري البلاد نهاية ثمانينيات القرن الماضي، فإن العامل الأهم الذي ضمن لميركل الاستمرار في السلطة بعد 12 عاما في الحكم هو الاقتصاد. وتلك سمة أساسية في المجتمعات الغربية عموما، إذ يصوت المواطنون لمن يرون أنه سيحافظ على مكاسبهم الاقتصادية ويمكن أن يقود البلاد إلى تحسين ظروف معيشة مواطنيها. وأمام هذا العامل تتراجع شعارات السياسة والأيديولوجيا وحتى حملات الشحن والتخويف المغالية في الوطنية إلى حد العنصرية أو التي تعتمد التلاعب بمشاعر الناس على أساس تمييزي. ولعل ألمانيا، من بين دول أوروبا ودول الغرب عموما، من أكثر البلدان التي توائم بين صيغة اقتصادية رأسمالية وسياسة اجتماعية لا مثيل لها بين أقرانها.
ورغم أهمية ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد عالميا، إلا أن الأميركيين والقوى الأوروبية يتهمونها بأنها صاحبة اقتصاد “جامد” وغير منفتح. مع ذلك، وفي ظل التردي الذي تشهده الاقتصادات الرئيسية في العالم نجد ألمانيا تحقق فائضا في ميزانيتها في العام الأخير، بينما بقية الاقتصادات الرئيسية تعاني العجز. كما أن نظام الرعاية الاجتماعية في ألمانيا محل حسد بقية الدول الأوروبية ـ حتى منها تلك التي تتباهى بسياساتها العادلة اجتماعيا كفرنسا. ونجد أيضا أن ألمانيا ثاني أكبر مصدر في العالم بعد الصين، رغم المنافسة الشرسة مع اقتصادات كبرى. وفي اقتصاد يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي نحو 3.5 تريليون دولار تقل نسبة البطالة عن 5 في المئة، ويكاد معدل التضخم يصل الصفر ويزيد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عن 40 ألف دولار حسب أحدث أرقام البنك الدولي. هذا الإنجاز الاقتصادي الألماني، والحفاظ عليه، يحافظ على الاقتصاد الأوروبي عامة متماسكا لكنه لا يرضي الأميركيين ودوائر الاقتصاد المرتبطة بهم.
وسبب الهجوم على الطريقة التي يدير بها الألمان اقتصادهم أنهم لا يسمحون للمضاربين والمغامرين ـ من عبر الأطلسي ووكلائهم في لندن وغيرها ـ بالتغول في السوق الألماني. ويصف الألمان طريقة هؤلاء بأنهم مثل “الجراد” يمتصون دم الاقتصادات تحت شعارات حرية السوق وفتح أسواق العمل والمضاربة المالية. في المقابل، يحافظ الألمان على تميزهم الصناعي عبر سياسة اقتصادية تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة ولا تضيق على الشركات الكبيرة في الوقت ذاته. وفي المقابل حررت ألمانيا سوق العمل بشكل جزئي منضبط في الفترة من 2003 إلى 2005 (في ظل حكم المستشار جيرهارد شرودر) ودون النيل تماما من الميزات الاجتماعية للعاملين. كما تنظم ألمانيا (بشكل يراه المنتقدون من أميركيين وأتباعهم) الاستثمار في اقتصادها بما يخدم أهدافها وليس فقط بغرض ضبط الدفاتر المالية لتعاني بعد ذلك من نتائج المغامرات والمضاربات. وهذا وجه شبه رئيسي بين ألمانيا وسلطنة عمان في إدارة الاقتصاد، كما يقول كثير من المعنيين الذين يعملون في السوقين الألماني والعماني. وسمعت من كثير من رجال الأعمال في منطقتنا لماذا يفضلون العمل في عمان عن دول كثيرة أخرى تبدو أسواقها مغرية لأسباب أهمها: قلة معدلات الفساد وإجراءات الدولة الصارمة تجاه المغامرات والمضاربات.
وربما كان من أوجه الشبه أيضا بين السلطنة وألمانيا تفاصيل اجتماعية ـ اقتصادية أخرى، منها وجود شبكة الأمان الاجتماعي وغيرها. صحيح أنه لا يمكن مقارنة القطاع الصناعي الألماني بنظيره العماني، لكن المبدأ متشابه كثيرا وكذلك السلوك والإجراءات. وربما لا يعرف كثيرون مثلا أن المستشارة أنجيلا ميركل قاومت بشدة الضغوط لفرض ضريبة تركات على أصحاب الشركات، وتمكنت من التوصل إلى حل وسط يبقي على ميزة توريث الشركات لأفراد العائلة بشرط استمرارهم في النشاط والعمل. وهكذا مزجت بين رأسمالية السوق التقليدية وثقافة الأعمال العائلية التي تميز اقتصادا أوروبيا آخر مثل إيطاليا. ورغم أنني لست خبيرا في قوانين وإجراءات الضرائب على الأعمال في سلطنة عمان، لكن الملاحظ من متابعة كثير من الأعمال أن السلطنة تتبع نهجا قريبا من هذا النهج الألماني الذي يحافظ على الأعمال دون إغفال حق الدولة في مواءمة اقتصادية ـ اجتماعية ناجحة.
يبقى الأهم فيما بين ألمانيا والسلطنة هو سياسة الاستثمار التي تشجع دخول الأعمال ورؤوس الأموال، لكن في إطار سياسة البلاد الاقتصادية وبما يخدم أهداف التنمية حسب الحاجة الوطنية. ومع أن سوق مسقط للأوراق المالية من أقدم البورصات في المنطقة إلا أن التشريعات والإجراءات التي تحكم عملها تتسق وخطط التنمية الاقتصادية الشاملة، وليست فقط نافذة للمضاربة والمغامرة من المستثمرين الأجانب أو ما تسمى “الأموال الساخنة”. وذلك بالتحديد ما جعل المستثمرين الماليين الأميركيين، وأقرانهم في بعض دول أوروبا خاصة بريطانيا، يحملون ضغينة على المستشارة أنجيلا ميركل. لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بميركل، فتلك سياسة ألمانيا التي تجعلها في مكانتها الحالية بين دول العالم، والأرجح أن تلك أيضا سياسة السلطنة بغض النظر عن تغير المسؤولين سواء في القطاع الاقتصادي أو غيره.

إلى الأعلى