السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (يمشون على الأرض هوناً)

(يمشون على الأرض هوناً)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: الله أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، والشريعة ليست منفصلة ولا معزولة عن الحياة، فديننا يقنن لنا حياتنا كلها عقيدة وعبادة ومعاملة ومعاشرة وأخلاقاً، بيعاً وشراء، زواجاً وطلاقاً، حرباً وسلماً، (ما فرطنا في الكتاب من شئ)، بل ما من عمل يقربنا من الجنة ويباعدنا عن النار إلا وقد أمرنا به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورغبنا فيه، وتركنا علي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير ما جازى به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.
الشريعة علمتنا أن هناك حقوقاً، وأمرتنا بحفظ هذه الحقوق، فلله علينا حقوق ولعباد الله حقوق، فمن حقوق العباد: حق الوالدين وحق الأرحام وحق الزوج وحق الزوجة وحقوق الأبناء، وهناك حق قد يعجب له السامع وهو حق الطريق وحق السير والمرور وقد صح في الحديث:(أعطوا الطريق حقه) .. فهل في حق الطريق منفعة تعود علي المسلمين؟ والجواب: نعم، ففيه صيانة للأعراض وحفظ لحرمة الدماء أن تضيع هدراً، فكل المسلم على المسلم حرام .. دمه وماله وعرضه، أخرج النسائي والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم).
نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ومنها ما سخره الله لحمل الإنسان من مكان إلى مكان في البر والبحر، في الماضي كانت الدواب هي وسيلة الانتقال أو السفن التي تشق البحار، وهدى الله الإنسان لوسائل اهتدى إليها بعقله الذي خلقه الله له كطائرة وسيارة وعبارة، وهناك إشارة لما سيجد في حياة الناس من هذه النعم:(والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون).
والنعمة يقابلها الشكر وإلا انقلبت إلي نقمة وصارت عذاباً بدل أن تكون رحمة، ومن شكر النعمة حسن الثناء على الله بها واستعمالها في طاعته، واستخدامها بالقواعد والأصول التي تجلب المنافع وتدفع المضار فـ(لا ضرر ولا ضرار).
للسير في الطريق بالسيارة فقه وأصول وآداب منها:
1 ـ أن يبدأ بالتسمية وحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبّر ثلاثاً ثم قال:(سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون).
2 ـ اليقظة والانتباه للطريق أثناء القيادة حتى لا يتسبب في أذى الآخرين، ويعود لأهله وأولاده سالماً، فالسيارة لا عقل لها ولا إرادة وهي محكومة بيد من يسيرها، وعليه أن يطمئن على السيارة قبل التحرك بها، وأن يتأكد من وجود وسائل السلامة بها لأن المركبة إذا كانت غير صالحة للاستعمال بسبب خلل في بعض أجزائها قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بقائدها وبالآخرين.
3 ـ ومنها أن يكون السير على الطرقات بسَكِينَةٍ ووَقَارٍ بعيداً عن الطَّيْشِ والعَجَلَةِ التي لا خيرَ فيها، والتي عواقبُها ونتائجُها سيئة، فها هو نبينا (صلى الله عليه وسلم) في انصرافه من عرفةَ إلى مزدلفة يقول:(أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَة)، فكلمة السكينة مبدأ وأساس وضعه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لضبط حركة الناس في السير.
وهذه صفة عباد الرحمن:(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)، فعباد الرحمان: هم خلاصة البشر يمشون على الطريق هوناً، لا تصنُّع ولا تكلف، ولا كبر ولا خيلاء، مشية تعبر عن عقلية متزنة، ونفس سوية مطمئنة تظهر صفاتها في مشية صاحبها وقارٌ وسكينةٌ، وجدٌّ وقوةٌ من غير تماوتٍ أو مذلة، تأسياً بالقدوة الأولى (صلى الله عليه وسلم) فهو غير صخَّابٍ في الأسواق، حين يمشي أفضل الناس مشية وأحسنها وأسكنها، وتلك هي مشيةُ أولي العزم والهمة والشجاعة، يمضي إلى قصده في انطلاقٍ واستقامةٍ لا يُصعر خده استكباراً، ولا يمشي في الأرض مرحاً لا خفق بالنعال، ولا ضرب بالأقدام، لا يقصد إلى مزاحمة، ولا سوء أدب في الممازحة ، يحترم نفسه في أدب جمٍّ، وخلقٍ عالٍ لا يسير سير الجبارين، ولا يضطرب في خفة الجاهلين، إنه المشي الهون المناسب للرحمة في عباد الرحمان، ولا يختلف الحال عمن ركب سيارته فإن عليه السير باعتدال واطمئنان من غير تهور أو مزاحمة.
كم من صغار العقول يتكبرون بما أنعم الله عليهم من سيارة فارهة أو يسير بسرعة طائشة فلا يبالي بمن حوله ولا يلتزم بأدب ولا أصول ولا قانون، ويضرب عرض الحائط بقواعد السير حتى يلقى حتفه بل ويكون سببا في ضحايا أبرياء يسأل عن دمائهم يوم القيامة.
4 ـ ومنها القصد في السير فلا تباطؤ ولا إسراف في السرعة، فكم من قتيل وصريع قتلته السرعة الطائشة والعجلة المفرطة، (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً .كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)، ونتذكر وصية لقمان الحكيم لابنه:(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).
الدماء التي تسيل هدرا واستهتارا من السرعة الزائدة فيها استخفاف بحرمة الدماء، وضوابط وآليات المرور في اتباعها الخيرُ والسلامة، ورفْعُ الضرر عن الناس ولنعلم أن تجاوزَ الإشارات الحمراء أو الوقوف في الأماكن التي يُمنع الوقوف فيها أو السرعة الزائدة له عواقب وخيمة، وآثار خطيرة، ولنعلم أن التجاوز الخاطئ قاتل، فكم من أرواحٍ أُزْهِقَتْ، وأطفالٍ يُتِّمَت، وأُسَرٍ فقدتْ عائلَها وأحبَّتَها بسبب إساءة استخدام المركبة، وكم رأينا من مشاهدَ محزنة، وصور دامية لحوادث ذهب ضحيتَها الأنفسُ البريئة أو كانت سببًا في إصابة البعض بإعاقات تامة أو جزئية، وكل ذلك سبَبُهُ عدمُ الالتزام بقواعد المرور والقوانين، وهنا طاعة ولي الأمر واجبة وهو من المصالح المرسلة التي يعم نفعها جميع المسلمين.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى