Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

التقابل الدلالي وأثره الإيماني

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
من سمات لغة القرآن الكريم عَرْضُه للجانب التقابلي، حيث يعرض الشيء، ثم يبرز به نقيضه، ويأتي بعكسه، كأن يقول مثلاً:(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)، ثم يأتي بمقابله:(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)، وكأن يقول مثلاً:(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) ثم يأتي بمقابله:(وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)، ويقول:(كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ثم يأتي بمقابله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)، وهنا نعرض لمثل هذا التضاد الدلالي لنرى أثره الإيماني في نفس القارئ الحصيف، وكما يقولون: وبضدها تتميز الأشياء، والضد يظهر حسنَه الضدُّ، يقول الله تعالى:(فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات 37 ـ 41).
في الآية الأولى يتصدر حرف الشرط والتفصيل:(أما) ليبين أن ثمة مقابلاً سيكون على الضد من مقابله، ويستحث النفس على انتظاره وتوقُّعه، وكلمة (مَنْ) تشمل الكبير والصغير، والعظيم والحقير، مَنْ ملك الكثير، ومن لم يملك القطمير، الذكر والأنثى، العالم والجاهل، فمن طغى وتجاوز الحدَّ لا يقف عند جد، سواء في سنه وعمره أو في علمه وفنه، فقد يكون غنياً فاحش الغنى، أو متجبراً متكبراً متسلطاً، وقد يكون شابا كافراً، وقد تكون امرأة فاجرة، لا ترد يد لامس، وقد تكون مجموعة متكاملة من الناس، متساندة في الطغيان، (فمن) لفظها مفرد، ومعناها جمع:(من طغى) وقد ترك القرآنُ الكريم هنا طبيعة الطغيان وماهيته، ولم يقيدها أو يحددها وذلك لتذهب النفس في تخيلها وتصورها كل متخيل، وكل متصور، طغى في ماله، في نفسه، في فكره، في حكمه، فالطاغي قد طغى في مشيته، في إدارته، في صناعته، في ثقافته، فترك القرآن الكريم نوعية الطغيان مفتوحة وذلك ليشيَ بحجم طغيانه، وتنوعه واحترافه وبشاعته، ثم استأنف قائلاً:(وآثر الحياة الدنيا) أي: فضَّلها على الآخرة، ومنازلها، وآثرها على رضا ربه ورحمته، وآثرها من الإيثار الذي هو تفضيلها تفضيلا كبيراً، ووضعها نُصْبَ عينيه، وقبالة ناظريه، ورهن فكره، وفي بؤرة شعوره وقبالة عقله، وشغلته وانشغل بها، وعاود النظر فيها مراراً، وحسَّنَ ارتكابه إياها، وجعلها محبوبه الأول، وشغله الشاغل، فهو مهموم بها بالغد والرواح، ومنشغل بها في المساء والصباح، ولعل محذوفًاً كان هنا، ولكنه عنده ليس أهلا لأن يذكَر ،فعبر القرآن عما في دخيلة نفسه، وحذفها كما كان هو قد حذفها من قاموس حياته، فكأن الكلام كان هكذا:(وآثر الحياة الدنيا على ما سواها) أي: من حياة الآخرة، وحياة الروح، وجلال الاتصال بالله صاحب الكبرياء في السموات والأرض ، وترك جمال قيام الليل ، وحياة المحاريب والذكر، ومقامات التجلي، والتحلي، والتخلي ، حيث الحياة الروحية الأخرى التي يعيشها أهلُ الله وأحبابُه، فقد فضَّل هذاك المسكين كل هذا الكمال من أجل زينة وتفاهة الحياة الدنيا، والوصف هنا بالصفة، وهي:(الدنيا) يفيد اهتراء عقله، وضعف فكره، وكساد بضاعته، ولين عقيدته، وضياع هدفه، ثم تأتي الفاء الصادمة الواقعة في جواب الشرط المؤكَّد بإنَّ، وضمير الفصل القوي:(فإن الجحيم هي المأوى) أي: المأوى له، وجاءت هنا بالجملة الاسمية التي تفيد الثبات والدوام، حيث جاء التركيب مؤكَّداً، ومرسخا لهذا المعنى الضخم المخيف، الذي لا يمكن أن يتغير، أو يتبدل، أو ينمحي بحال من الأحوال، وقد دخل جواب الشرط من ألوان التوكيد ثلاثة، وهي:(إنَّ، وكونها جملة اسمية، وكلمة (هي) وهي ضمير فصل، و(المأوى): اسم مكان يأوي إليه، ويعيش فيه طيلة حياته الأخروية، فلو تصور شخصٌ ما أن بيته هو جهنم، هو الجحيم التي تفتِّت الجبال، وتذيب الصخور، وتتبخر معها أجزاء الجسم، وتتفحم في لحيظة، فتصير تراباً مع أول وهلة، إنها حقا صورة مرعبة عند تخيلها، وصعبة أن يتصورها مجرد تصور أيُّ إنسان صاحب فطرة سليمة، ونفس سوية، وتعريف (المأوى) يدل على ضخامته، ووضوحه، وأنه معلوم تمامًا لمن هو له وغير منكور، هذا في جانب أهل الهوى والضلال، وأرباب الغواية، وسوء الفعال، فقد تحدث القرآن عنهم وعن أسباب هلاكهم، وكون الجحيم مأوى لهم لأنهم طغوا بكل ألوان الطغيان، وأثروا ما في الحياة الدنيا على دناءته وحقارته على كل ما في الآخرة على كماله وجماله وهيبته، وأضاعوا أعمارهم، وأفسدوا حياتهم، وعاشوا لمُتَعهم، ولم يكن في بالهم ربٌّ، ولا في خَلَدهم آخرة ولا حساب، ولا في ذهنهم عقاب، ولا في رؤاهم قُبور، ولا سؤال، ولا نُشور، ولم يأخذوا نعمة الله عليهم بحقها، ويقوموا بدورهم ورسالتهم، ووظيفتهم، وحق ربهم عليهم، ثم يأتي المقابل ليبيِّن جلال الموقف، وكمال العدل الإلهي، وأنه لا يحرم أهل الصلاح وأرباب التقوى أن يعيشوا في جنان من الوعود الكريمة، والآمال الصادقة قبل أن يدخلوها في الآخرة، ويتفيؤوا ظلال السعادة هنا قبل أن يدخلوها هناك، يقول الله تعالى:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) يفصِّل القرآن الكريم على الجانب المقابل جمال مسلكهم، وكريم خطوهم، فهم يخافون مقام ربهم، والخوف مقام كريم، ومنزلة عليا، ويعني الوجل، وارتقاء القلب، ومعه الحب، والإجلال، و(مقام) ربهم، يعني قدسيته وعظمته وقيوميته، وكونه مطلعاً حسيباً، وقريباً رقيباً، مقام ربهم الذي رباهم، واعتنى بهم، ورعاهم، وهداهم، وعلَّمهم، وبصَّرهم، وأعطاهم، وأوفاهم، فهم ناهضون بحقِّه، عاملون وفق شرعه، ماضون في طريقه، نشيطون لإرضائه، مستمرون في طاعته، وحسن عبادته، وكريم التوجه إليه، وكامل التوكل عليه، وتام الحب له، وشامل اليقين به، وراقي الخوف منه، وسامي الخشية له، وبعد ذلك يقول الله تعالى:(وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)، والنهي يعني الامتناع التام، والتوقف الشامل الكامل، الجامع المانع عما يغضب الله، فكل منهم قد نهى النفس بكل ألوان النهي عن الهوى، بكل أصناف وأطياف الهوى، و(أل) في:(في الهوى) جنسية، أي ما أطاع أيٌّ منهم جنس هواه، مهما كان ضغيراً أو حقيراً، فهو قد أخلص نفسه لربه، وقام بكلِّ ما يُمليه عليه دينه، وسعى في هوى ربه، وقام بكل وسيلة بين يدي مولاه، عملاً وطاعة، وذكراً وشكراً، وسجوداً وبكاء، ونقاء وصفاء، قام بكل الفرائض، ثم تعدَّاها إلى المستحبَّاتـ ثم تقدم بخُطًا واثقة إلى الروحانيات، وتابع نفسه، وحاسبها، وأوقفها عند حدها، وتوقف عند حدود الله، لم يقربها مطلقاً، فضلاً عن أن يرتكبها ابتداء، ومن ثم كانت عاقبته حميدة، ونهايته فريدة، ومآله جميل، وربه رحيم جليل:(فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) بهذا التوكيد الذي يرسِّخ المعنى في سويداء القلب، ويركزه في حنايا الفؤاد ، وبؤرة الفكر والشعور، والتأكيد هنا- مع أهل الإيمان ومن أحسنوا مقام ربهم كالتأكيد هناك، أي أخذ ثلاثة أنواع:(إنَّ، واسمية الجملة، وضمير الفصل)، وهذا ما يسمَّى عند أهل البلاغة بحسن التقسيم الذي يدفع إلى جمال الدلالة، وكمال المعنى، وتمام الفكرة.
فاللهم اجعلنا ممن خاف مقامك، ونهى النفس عن الهوى، فأكرمته بجنات المأوى، وشملته بنعيم الآخرة .. اللهم بصِّرنا بجمال كتابك وجلال آياته، واجعلنا بها ولها من العاملين المخلصين وتقبل أعمالنا أجمعين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 29 سبتمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/217941

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014