الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (6)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (6)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن مـراقـبة النفـس: ومـن شـأن هـذا الخـوف في مـراقـبة الـنفـس، أن يـدفـعـه إلى كــثرة الاسـتغـفار والإنـابة إلى الله تعالى، وأن يسـوقـه ذلك منكـسـر البال مـتـذلـلاً إلى الـوقـوف أمام أعـتابه سـبحانه وتعالى والالـتصاق بـباب رحـمته، يسأله ألا يخـرج مـن كـنـفه وســتره، وألا يـفـضحه ويـكشـف سـريـرته بـين عـباده.
وهـذه الحال هي التي تطـوف بالعـبـد وتـلهـب مشـاعـره بالخـوف، ثـم تسـوقه إلى التضـرع والــتـذلـل والـدعـاء الـواجـف، بـين يــدي الله عـز وجـل هـي لـب الـعـبادة بـل هي جـوهـر الـعـبـودية لله الـواحـد الـقـهـار.
وإن مـن سـنن الله في عـبـاده الـستر، يـسـتر الـقـبائح التي تصـدر مـن الإنسان، عـن أنـظـار الآخـريـن ودرايتـهـم، مهـما كــثرت ويـنشـر الـفـضائـل التي يـوفـق للتحـلي بها مهـما هـزلـت أو قـلـت، لا يسـتـثـني مـن هـذه السـنة ألا الـذيـن يتـباهـون بقـبائحهم ولا يخـجـلـون مـن الـناس إن عـرفـوا وشـهـروا بها.
ولـيـس فـينا مـن لا ينتـبه إلى هـذا الـلطــف، الـذي يعـامل به الله عـبـاده، لـو تأمل في واقـع حـاله وفـيما يـعـرفـه هـو مـن نـفـسه مـن نقـائص وعـيـوب، ثـم عـاد فأصغى إلى ما يـقـوله الـناس عـنه، وتأمـل فـيما يـعـرفـونه مـن حاله مـن الـفـضائل والمكـرمات ولـو عـرف الـناس مـنـك ما تـعـرفـه أنـت مـن عـيـوبـها ونقـائـصها وسـوء حالها، لـم تجـد فـيهـم مـن يلـتـفـت إلـيـك بأي مـكـرمة أو اهـتمام، ولـرأيتهـم جـميعـاً يكـرهـونـك في أعـمالها وما جـبلت عـليه مـن حـب الـثـناء والـمـدح، إن أكـثر الـنـاس قـد جـبـلـوا إلى تـرويـج الاشاعات، فـيجـعـلـون مـن الحـبـة قـبـة، وأغـلـبهـم إن رأى حـسنة كـتمـها، وإن رأى سـيئة أذاعـها ونشـرها، ولـذلك تـراهـم إذا مـا عـلـمـوا شـيئاً ما مما لا يتحـاشى عـنه الـصـغـير، ولا يـسـلم مـنه الكـبير ينفـضـون عـنـك ولـو عـرفـت أيضاً منهـم ما يعـرفـه كل واحـد منهـم عـن نفـسـه وعـن عـيـوبـها، لاتـخـذت منهـم الـمـوقـف ذاته الـذي وقـفـوه مـنـك، وعـنـدئـذ تـنـفـك عـرى الــتـواصـل والـتعـاون بـين الناس، إذ يـكـره بـعـضهـم بـعـضاً، وتسـود الجـفـوة بـينهـم بــدلاً مـن الألـفـة والـتـعـاون والـتراحـم.
ولـكـنـك قـد عـلـمـت أن الله حـكـيم عـلـيم ورحـيـم، قـضى أن يـكـون الإنسان مـدنياً واجـتمـاعـياً بطـبعـه، يألـف إخـوانه ويـسكـن إلـيهـم ويمـد يـد التـعـاون والتعـامل إليهـم ولا يتأتى ذلك إلا إن قـرأ كـل واحـد منـهـم، في صـفات الآخـرين فـضائـلهـم ومـزاياهـم الحمـيـدة، وغـيبت عـنـه نـقائـصهـم وصـفـاتهـم الـذاتية الـمـرذولة.
فـمـن أجـل ذلك مـضـت هــذه الـسـنة الـربانية قانـوناً في الناس جـمـيعـاً، لا يستثـنى مـن عـمـومها إلا أولـئـك الـذين لا يستخـفـون بعـيـوبهم بـل يستعـلنـون بها ويجابهـون بها الآخـرين في اسـتخـفاف وللا مـبالاة، وأنـت تعـلـم أنه يــدخـل في هـذا الـفـريـق مـن الـناس مـن يتخـذون مـن صفاتهـم الـمـرذولة وسـائـل لإيـذاء الناس أوغـشهـم والكـيـد لهم في الـمعـامـلات، بـل حـتى في كـثير مـن الـمـصادفـات.
والحـقـيقة أن هـذا الـفـريـق مـن الـناس لم يخـرجهـم الله مـن عـمـوم قانونه وسنته في الـناس، ولكـنهـم هـم الـذين أخـرجـوا أنفـسهـم مـن كـنف الله تعالى وسـتره وعـنـدما اسـتـعـلـنـوا بـعـيـوبهـم وآفـاتهـم النـفـسية بـين الآخـرين، بالكـيـد لهـم وسـوء التعامل مـعـهـم، والـتبـاهي بمـا قـد ركـب فـيهم مـن العـيـوب وسـوء الحال إذن: فـهـذه الـسنة الـربانـية الـماضية في الـناس، لا خـلـف فـيها لـدى الـتحـقـيـق والـتـدقـيـق.
وإذا تـبينـت لك هــذه الحـقـيـقة، فـضعهـا دائماً في ذاكـرتك وإياك أن تستسلم لشئ مـن عـوامـل نسـيانها، فإن أنت أنجـزت وقـمـت بهـذه الـوصية فـلـن تغــتر إذن بإكـرام أحـد مـن الـناس لـك، أو بـثـنائه عـليـك ومـدحـه لك، ولـسوف تعـلـم وأنت تصغي إلى ثـنائه ومـديحـه، أنـه إنـما يـثـني في الحـقـيـقة عـلى جـميـل ســتر الله لك، إذ لـولا ما قــد أكـرمـك به الله مـن ســتر قـبائحـك وعـيـوبـك مـن الناس لأداء عـبـادة أو طـاعـة، لمـا الـتـفـت أحــد إلـيـك بأي اهـتمـام أو اكـتراث، فـضـلاً عـن أن يكـرمك بالثناء عـليك وتـدبـيـج عـبـارات الـمـديـح لـك والـثـناء عـلـيـك.
واعـلـم أنـك ما دمـت عـلى ذكـرت مـن هـذه الـسنة الـربانية، التي تفـضل الله بها عـلى عـبـاده، فـلـن تخـدع بمـديـح الـمـادحـين لك وثـنائهـم عـليـك، بـل سـيبـعـثـك ذلك عـلى مـزيـد مـن الخـجـل مـن مـولاك، الـذي يـعـلـم ما اسـتـكـن في ضـمـيرك وما خـفي مـن حـالك، والـذي يـعـلـم خـائـنـة الأعـين وما تخـفي الـصـدور، ثـم يـبـعـثـك ذلك، أي مـدح الـمادحـين لك، عـلى الاسـتغـراق في حـمد الله والـثناء عـليه، أن سـترعـن الناس الـقـبـيح مـن خـصالك، وهـي كـثـيرة ونشـر بينهـم أنباءك الحـميـد منها وهي قـليـلة.
ولكـنـك إن حجـبت نفـسـك عـن عـيـوب ذاتك، أو تجاهـلتها وتغـافـلت عـن وجـودها فـإن إكـرام الناس لك بالـثـنـاء عـلـيـك سـيكـون مـصـدر فـتنة وأي فـتنة لك، ولـسـوف يــدعـوك مـديـحـهم الـمـكـرر لك إلى تصـديـقـهـم في الـنهـاية فـيما يـقـولـون، فـتـقـع مـن جـراء ذلك في مـصيبة العـجـب والغـرور، وتـزداد بـذلك غـيـبـوبة عـن مشاهـدة عـيـوبك وأخـطـائـك.
فانظـر مـن أي الـفـريـقـين أنـت، فإن كـنت بحـمد الله وتـوفـيقه مـن الـفـريـق الأول أي مـن الـذين يـعـلـم أنه مـكـلـوء بكـنـف الله وجـميـل سـتـره، فـإن إكـرام الـناس لك بـثـنائهـم عـلـيـك لـن يـعـود إلـيـك إلا بالخـير، وإذن: سـتـزداد بـذلك حمـداً لله وشـكـراً لله سـبحانه وتعالى، أن يحـجـب عـيـوبـك عـن عـبـاده، ولـم يـرهـم مـنـك إلا الجـمـيـل والحـميـد مـن خـصالك، ولعـل الـمـصطـفى (صلى الله عـلـيه وسـلم) حيـنـما قال إنما عـنى هـذا الـفـريـق بـقـوله:(إذا مـدح الـمـؤمـن في وجـهـه، ربا الإسـلام في قـلـبه)، أي: نـما الإسـلام في قـلـبه وقـوي، رواه الطـبراني والحاكـم في المسـتـدرك مـن أسـامة بن زيـد.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى