Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الإخلاص روح الطاعات وجوهر العبادات (4)

إعداد: مبارك بن عبدالله العامري
ما زلنا ـ عزيزي القارئ ـ نواصل سلسلة حلقات موضوع “الاخلاص روح الطاعات وجوهر العبادات”، حيث أن المخلصين لا يأنفون أو يتضايقون إذا رموا بما ليس فيهم، فقد يكون أحدهم جواداً ويُرمى بالبخل، أو عالماً وداعيةً ويرمى بالجهل والإفساد ـ وهو ليس كذلك في ظاهره وباطنه ـ بل ربما أزرى المخلصون بأنفسهم وحمدوا المتَّهمين لهم بما ليس فيهم.ومن روائع مواقف السلف أن رجلاً زاحم سالم بن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ في منىً، فالتفت الرجل إلى سالم ـ وهو لا يعرفه ـ فقال له: إنّني لأظنُّك رجل سوءٍ! فأجابه سالمٌ ـ وهو من خيار التابعين ـ بقوله: ما عرفني إلا أنت!.أهلُ الإخلاص تهون عليهم أنفسهم فلا ينتقمون لها، وتعظم في صدورهم حرماتُ الله فيغضبون لانتهاكها، ويقومون بما أوجب الله عليهم حيال المنتهكين لها.
المخلصون يهتمون بإخلاص العمل وموافقته للصواب والسنة وديمومته ـ وإن قل عملُهم ـ وغيرُ المخلصين يهتمون بكثرة العمل، حتى وإن خالطه الرياءُ، وأفسدته الخرافات والبدع.وعلى المسلم أن يوطن نفسه على الإخلاص في حاله ومقاله، بأن يكون حريصا على إخفاء أعماله، فلا يهمه ثناء الناس عليه، ولا يعنيه قدحهم له، وأن يستوي عنده العمل في السر والعلن، فلا يغريه ثناء المادحين، ولا يثنيه ذم القادحين، فغايته أن يكون العمل صالحا خالصا لوجه الله تعالى مقبولا، وعليه أن يبرئ نفسه من العجب بالعمل، فآفة الإخلاص إعجاب المرء بنفسه.
إن الإخلاص هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة المرسلين؛ قال تعالى:(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) (النساء ـ 125)، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه) ـ رواه مسلم.
وقال (صلى الله عليه وسلم):(من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة ـ يعني ريحها ـ يوم القيامة) ـ رواه أبو داود.
إن أمر الإخلاص جد عظيم ولا يستطيعه إلا من رهن له نفسه، فراقب سيرها في كل كبيرة وصغيرة، وقوَّمها في ذلك بقوة ومهارة، فالنفس أعصى ما تكون على الإخلاص حيث ليس لها فيه نصيب، فهي تأبى على صاحبها إلا أن تستأثر بنصيب من أعماله فتفسدها، أو تستولي على جزء كبير منها فتصيبها بالنقص؛ لذا فهي تحتاج معاملة من نوع خاص، فعلى الإنسان أن يعلو فوق نفسه ومطالبها، فيمتطيها ليصبح مالك أزمَّتها، فيسوقها حيث شاء، ويكبح جماحها حين تُظهر تمردًا، أما إذا ترك لها الحبل على الغارب، فجالت يمينًا وشمالاً، ووقعت على كل ما ترغب، وشاءت بما تفعل رضا نفسها دون رضا خالقها ومولاها، فأخلصت لنفسها فقط، وحققت متع نفسها حتى ولو بفعل الطاعات، فهذا كفيل بهلاكها وهلاك صاحبها.وهذا مسلك دقيق دقيق، يخفى على الكثيرين، حيث يجتهد البعض في مواراة أعمالهم عن أعين الخلق طلبًا للإخلاص، دون الالتفات إلى أنه من المحتمل أن يرائي الإنسان نفسه التي بين جنبيه، فتحقيق اللذة والمتعة والراحة النفسية المنبثقة والمترتبة على العبادة إذا تحول إلى مطلوب في حد ذاته بات ذلك رياءً للنفس، وبات صاحبه مذمومًا وعلى شفا شُعْبَةٍ من شُعَبِ النفاق عياذًا بالله لذا فالمطلوب الأول والوحيد من العبادات والطاعات ينبغي أن يكون هو الله عز وجل وثوابه ورضاه، وما يأتي بعد ذلك من لذة الطاعة والارتياح إلى الإيواء إلى ركن الله سبحانه فهو يأتي تبعًا وتاليًا للطاعة. وهذا مسلك دقيق لا يلتفت إليه كثير من الناس.
ومن هنا ينبغي الاقتناع بعدة أمورٍ ستُساعدُ الإنسان على تحقيق الإخلاصِ لله سبحانه وتعالى: أن يقصد بعبادته وجهَ الله دون سِواه، ويُطَهِّرَ قلبَهُ من الرياءِ والسمعة والشهرة والسعيِ لمدح الناس، ويحاول أن يُبعِد نفسه عن مَواطِنِ المديح والإعجاب بالنفس، وأن يستوي عنده المدح والذم، فيكون سواء عنده ذمَّه الناس أم مدحوه، فلا يُعجبُ بمدحٍ ولا يضيق لذم، ولكن يتساوى عنده الأمران، فلو لم يكن لعملهِ قيمة لدى الناسِ فلا يبالي لأنه يبحث عن القيمة الحقيقية عند الله سبحانه وتعالى، فيُحقق بذلك الإخلاص بمعناه الحقيقي، ويُخَلِّصَ النفس من التدني لانتظارِ مدح الناس وثنائهم، فهذا من أهم ما يساعدُ على الإخلاصِ في القولِ والعمل، ولا بدّ أن يعلم الإنسان أن كل أعمالهِ هي بتوفيق الله له، فلو قدَّر الله له ألا يفعلها فلن يستطيع أن يفعل منها شيئاً، فليس للإنسان فضل في أعمالهِ، بل عليه أن يدرك أن الفضل كل الفضل لله سبحانه وتعالى ، كما كان يقول عبدالله بن رواحة ـ رضي الله عنه:(اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا)، فقد كان الصحابةُ يعرفون هذا المعنى على الحقيقة، ويُدركون فضل الله عليهم بأن وفقهم لهذه الأعمال، فالأولى بنا أن نكون في ذلك مِثلَهُم، نقتدي بهم، ونقتفي أثرهم، ولا بدّ للإنسان أن يدرك أنه عبدٌ لله سبحانه وتعالى ، ولا ينتظر العبد من سيده ومولاه مقابلاً ولا عِوَضاً لطاعته، وإنما يتكرم ويتشرف لمجرد أنه عبدٌ لله ـ جلّ جلاله، فحقيقةُ تحقيق العبودية لله، هو العمل لله خالصاً دون أن يرجو الإنسان مقابلاً لعمله.


تاريخ النشر: 29 سبتمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/217953

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014