Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (1 ـ 8)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام) دراسة فى البصمة الوراثية وبصمات الأصابع والعين والصوت والدم والرائحة والإثبات الالكترونى وموقف الفقه الاسلامى منها) للاستاذ الدكتور أحمد هندي ـ أستاذ قانون المرافعات وعميد كلية الحقوق جامعة الاسكندرية السابق.
في بداية البحث تحدث الدكتور حول أهمية اثبات الحق وقال: الاثبات يعنى إقامة المدعى الدليل على اثبات ما يدعيه قبل المدعى عليه، أمام القضاء بالطرق التى حددتها الشريعة الاسلامية أو القانون، أى اقامة الدليل على صحة الادعاء أمام القاضى حيث يجب أن يسمح للقاضى بأن يصل إلى الحقيقة بكافة الطرق التى يمكن أن تؤدى إليها فى نظره وان يستنتجها من كل ما يمكن أن يدل عليها فى اعتقاده. فالحق يتعرض للضياع إذا لم يقم الدليل عليه، ولا يمكن للقاضى ـ الذى يفصل فى حقوق الناس وحرياتهم ودمائهم ـ أن يحدد صاحب الحق دون الالتجاء إلى طرق أو أدلة الاثبات، ترشده إلى الحق وصاحبه، مما يحفظ حقوق وأموال ودماء الناس. ففى الحديث الشريف (لو ترك الناس ودعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، أو على المدعى عليه).
موضحاً بأن الإثبات فى العادة والغالب لا يطلب إلا عند التنازع على حق ما بين اثنين فأكثر، كل واحد يدعيه لنفسه، دون غيره أو ينكره على من يدعيه أو يجوزه من غيره ولو كان لا يدعيه لنفسه، فالدليل بالنسبة للحق بمثابة الروح بالنسبة للجسد، فهو قوام وجوده وحياته ومعقد النفع فيه حتى تكون له قيمة علمية وثمرة ذاتية، فمقومات الحق تستقيم واقعاً بحكم اثبات مصدره وقانون بحكم الزامه، فالإثبات هو جوهر الحق، لأن الحق بدونه عدم، والدليل وحده هو الذى يظهره ويجعل صاحبه يفيد منه، والقاضى لا يقضى بالحق المدعى به إلا إذا ثبت أمامه بالدليل، فكل حق يحتاج إلى دليل لإثباته، حتى يحكم به القاضى لصاحبه يستوي في ذلك أن يكون حقاً مدنياً أو تجارياً أو جنائياً، فالحقوق المدنية والتجارية التى تتولد للناس من تعاملاتهم اليومية، من بيع وشراء وإبرام عقود بمختلف أنواعها ومن قيامهم بتصرفات متعددة، تحتاج إلى دليل على الحق حتى يتأكد الحق لصاحبه. كذلك الحقوق الجنائية التى تنشأ عن ارتكاب جريمة أو مخالفة لأحكام الشريعة أو القانون، سواء كانت هذه الحقوق المتولدة عن الجريمة الجنائية حقوقاً لأشخاص (للعباد) أو للمجتمع (لله) لأن الجريمة بمثابة اعتداء على المجتمع كله، تحتاج هى الأخرى إلى اثبات، حتى يحصل صاحب الحق على حقه، وحتى يرتدع الجاني ويسود الاطمئنان والاستقرار المجتمع وتتحقق العدالة. فالمجتمع لا صالح له إلا فى التعرف على الحقيقة، ولا تبغى توقيع العقاب على برئ أو امتهان كرامته أو انسانيته.
تعدد طرق إثبات الحق وتطورها:
وقال الباحث: تتعدد طرق أو أدلة اثبات الحق، أى الحجج الشرعية (أو القانونية) التى يقدمها الخصوم أمام القضاء عند نظر الدعوى لإثبات دعوى المدعى أو دفع المدعى عليه لهذه الدعوى أو اثبات واقعة معينة يتصل اثباتها بالفصل فى الدعوى وهذه الادلة أو الطرق غير محصورة، إذ هى لا تنحصر فى الشهادة والإقرار واليمين، كما يرى الجمهور، ويضيف إليها البعض الكتابة، النكول عن اليمين، القسامة، علم القاضى، القرينة، القيافة، القرعة. فلا يتقيد الخصوم فى اثبات الدعاوى والدفوع والحقوق عامة بدليل أو حجة، ولا يمتنع القاضى عن قبول أى دليل أو حجة تقدم إليه متى كانت تؤيد الدعوى وتثبت الحق المدعى به. على أساس أن مقصود الشارع الحكيم إقامة العدل بين عباده ، فأى طريق استخرج بها العدل فهو من دين الله وليس مخالفاً له. فالله سبحانه وتعالى ارسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذى قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت امارت العدل واسفر وجهه بأى دليل كان ثم شرع الله ودينه. مؤكداً بأن طرق الاثبات غير محصورة فى طائفة معينة لأن الغاية من القضاء تحقق العدل فيما بين الناس وإعطاء كل ذى حق حقه وهذا لا يتأتى إلا بإتاحة الفرصة أمام صاحب الحق بأن يثبته بأى طريق مادام ذلك ليس منهياً عنه شرعاً، ولا خوف من القاضى الظالم أو المنحرف إذ ترد أحكامه، كما لا خوف من اطالة أمد التقاضى لإمكان تداركه وتلافيه بوضع نظام يحدد الآجال التى يمنحها القاضى لكل خصم حتى لا تطول الخصومة أو تتأبد، فللخصوم أن يقدموا من الأدلة ما يستطيعون به اقناع القاضى بصحة دعواهم، وللقاضى أن يقبل من الادلة ما يراه منتجاً فى الدعوى ومثبتاً لها، وإطلاق طرق الاثبات، عدم حصرها فى عدد معين، بل تشمل كل ما يثبت به الحق ويطمئن به القاضي، يعنى الاثبات المطلق أى الذى يعطى للقاضي سلطة قبول جميع الأدلة، وهو ما يُسمى نظام الاقتناع الذاتي للقاضي، أو نظام الاثبات المطلق أو الحر، وهو نظام يعترف للقاضى بسلطة قبول جميع الأدلة والاعتراف له بسلطة تقدير قيمة كل دليل وتقدير قيمة الأدلة مجتمعة واستخلاص نتيجة ذلك وفقا لما يمليه عليه اقتناعه الشخصى، فعلى القاضي أن يبحث عن الأدلة اللازمة ثم يقدرها فى حرية تامة دون تحكم، وإنما هو اقتناع يخضع للعقل والمنطق، وهو النظام السائد فى أغلب الدول بالنسبة للقضاء الجنائي، إما الاثبات فى المسائل المدنية فيخضع لمبدأ الاثبات المقيد.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.


تاريخ النشر: 29 سبتمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/217954

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014