Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

خطبة الجمعة الموازنة بين الحقوق والواجبات

جامع السلطان قابوس الكبير

الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ، مَا يَرفَعُهُمْ بِهِ إِلى المَنَازِلِ العَالِيَاتِ، وَيُبَوِّئُهُمْ لَدَيْهِ رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، مُولِي العَطَايَا وَالهِبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ بِجَلِيلِ الرَّحَمَاتِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى مَنْهَجِ الرُّشْدِ حَتَّى المَمَاتِ، وَعَلى جَمِيعِ السَّائِرِينَ عَلَى دَرْبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَبْعَثُ اللهُ الأَمْوَاتَ مِنَ الرُّفَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمُ الَّذِي إِلَيْهِ مُنْقَلَـبُكُمْ، وَبِيَدِهِ الجَزَاءُ عَلَى مَا تُقَدِّمُونَ مِنْ أَعْمَالٍ، وَاعلَمُوا أَنَّ جَمِيعَ مُعْـتَقَدَاتِ الإِنْسَانِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ وَفْقَ مَنْظُومَةِ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ، القَائِمَةِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فالإِنْسَانُ مُطَالَبٌ أَنْ يَبْذُلَ الوَاجِبَ الَّذِي عَلَيْهِ، مِثْلَمَا يُطَالِبُ غَيْرَهُ بِالحَقِّ الَّذِي لَهُ، فَالمُوَازَنَةُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ أَمْرٌ لا بُدَّ مِنَهُ لِيَصِلَ المَرْءُ إِلَى مَنْهَجِ القِسْطِ الَّذِي أَرْسَلَ اللهُ رُسُلَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِهِ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد ـ 25)، إِنَّ مَنْظُومَةَ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ فِي الإِسْلامِ، تُدْهِشُ اللُّبَّ مِنْ بَدِيعِ إِحْكَامِ التَّشْرِيعَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ عَظَمَةً وَتَنْظِيمًا، وَتَوَاؤُمًا مَا بَيْنَ مُتَطَلَّبَاتِ الرُّوحِ وَالجَسَدِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:(وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء ـ 36) .. فَيَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَتُحِبُّونَ القُرْبَ مِنَ اللهِ؟ إِذَنْ فَرَاعُوا الحُقُوقَ وَالوَاجِبَاتِ، أَدُّوا مَا عَلَيْـكُمْ مِنْ حُقُوقٍ دِينِيَّةٍ وَاجتِمَاعِيَّةٍ وَأَخْلاقِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ، وَبِذَلِكَ تَستَحِقُّونَ ما وَعَدَكُمُ بِهِ خَالِقُكُمْ مِنَ الجَنَّاتِ الخَالِدَةِ، كَمَا تَتَبَوَّؤُونَ فِي مُجْـتَمَعِكُمُ المَكَانَةَ اللائِقَةَ وَالمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ مِنْ أَوْجَبِ الحُقُوقِ عَلَى العِبَادِ تَوْحِيدَ اللهِ، وَعَدَمَ الإِشْرَاكِ بِهِ، وَطَاعَتَهُ كَمَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ، فأَكْرِمُوا هَذِهِ النُّفُوسَ بِطَاعَتِهِ ـ جَلَّ وَعَلا، وَالتَّجَافِي عَنْ مَعَاصِيهِ، فَالخَيْبَةُ وَالخَسَارُ وَالذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ تُلازِمُ مَنْ دَسَّى نَفْسَهُ، وَلَمْ يَرْقَ بِهَا مَدَارِجَ القُرْبِ وَالزُّلْفَى مِنَ اللهِ، فَوَاحَسْرَتَاهُ، أَيَّ وَاجِبٍ أَهْـمَلَ! وَأَيَّ حَقٍّ أَضَاعَ! يَقُولُ سُبْحَانَهُ:(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس 7 ـ 10)، لِذَا يَجْعَلُ القُرآنُ الكَرِيمُ اجتِهَادَ المَرْءِ لِتَغْيِيرِ أَحْوَالِهِ، شَرْطًا لِنَيْـلِ مَعُونَةِ اللهِ وَكَرَمِهِ وَفَضْـلِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ:(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) (الرعد ـ 11)، وَلِكَيْ يَستَحِقَّ الإِنْسَانُ نُزُولَ السَّـكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الاستِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالقِيَامُ بِمَا يَلْزَمُهُ قَدْرَ الاستِطَاعَةِ، قَالَ تَعَالَى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت ـ 30)، وَحَتَّى يَستَحِقَّ المَرْءُ إِجَابَةَ دُعَائِهِ، وَتَحقِيقَ مَطَالِبِهِ وَرَجَائِهِ، يُؤْمَرُ أَنْ يَكُونَ مُصْـلِحًا لِحَالِهِ، صَادِقًا فِي أَقْوَالِهِ، مُستَقِيمًا فِي أَفْعَالِهِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة ـ 186)، فَابْذُلْ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تَنَالَ مَرْضَاةَ خَالِقِكَ، فَمَنْ كَانَ مِنَ العِبَادِ أَكْـثَرَ إِتْـقَانًا وَأَوفَى إِحْسَانًا، كَانَ أَسْعَدَ الخَلْقِ بِالقُرْبِ مِنَ اللهِ وَالزُّلْفَى لَدَيْهِ.
عِبَادَ اللهِ:
إنَّ المُسلِمَ الحَقَّ لا يَنْتَظِرُ الآخَرِينَ لِيُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ وَاجِبَاتٍ تِجَاهَهُ، بَلْ يَحْرِصُ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدِّمَةِ الَّذِين يُؤَدُّونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقٍ وَوَاجِبَاتٍ لِيَكُونَ الأَفْضَلَ دَائِمًا، وَإِلَى الخَيْرَاتِ مُسَارِعًا، وَمِنْ نَفْسِهِ لِرَبِّهِ بَاذِلاً، يَحْيَا لأَجْـلِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نَفَسٍ يَتَنَفَّسُهُ بِاللهِ وَللهِ، وَكُلُّ سَاعَاتِ عُمُرِهِ فِي مَرْضَاةِ اللهِ، شِعَارُهُ دَائِمًا قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الانعام 162 ـ 163) فَلا تَعْجَبْ إِذَا رَأْيتَهُ مُؤَدِّيًا لِمَا أَرشَدَ إِلَيْهِ الحَبِيبُ المُصْـطَفَى (صلى الله عليه وسلم) حِينَ قَالَ:(حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْـلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا استَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّـتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)، وَمِنْ ذَلِكَ قَولُهُ (صلى الله عليه وسلم):(المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْـقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ـ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)، إِنَّ مِنْ شَأْنِ المُسلِمِ أَنْ يَسْعَى للموَازَنَة بَيْنَ إِقَامَتِهِ لِلوَاجِبِ وَسَعْيِهِ وَرَاءَ الحَقِّ، حَتَّى يُصْبِحَ صَنِيعُهُ دَافِعًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَبْـنَاءِ جِلْدَتِهِ كَيْ يَصْـنَعُوا صُنْعَهُ وَيَحْـذُوا حَذْوَهُ، فَبِذَلِكَ يَكْـتَمِلُ البِنَاءُ مِنْ قِبَلِ الجَمِيعِ، إِذِ المَرْءُ قَلِيلٌ بِنَفْسِهِ كَثِيرٌ بِإِخْوَانِهِ، وَإِذَا فَشَتْ فِي النَّاسِ المُوَازَنَةُ بَيْنَ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْمَلِ مَظَاهِرِ التَّحَضُّرِ المَدَنِيِّ، وَالرُّقِيِّ الاجتِمَاعِيِّ، وَأَدْعَى إِلَى الاستِقْرَارِ وَالأَمْنِ فِي الأَوْطَانِ، وَدَرْءِ دَوَاعِي الفَوْضَى، وَسَدِّ مَنَافِذِ الفَسَادِ، وَكَفِّ البَغْيِ بَيْنَ العِبَادِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَأَدُّوا مَا عَلَيْكُمْ مِنْ وَاجِبَاتٍ، لِنَيْـلِ مَا ثَبَتَ لَكُمْ مِنَ الحُقُوقِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة ـ 2) أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

الحَمْدُ للهِ الهَادِي لِلرَّشَادِ، المُوَفِّقِ لِلسَّدَادِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، الدَّاعِي إِلَى سُلُوكِ طَرِيقِ أُولِي الأَلْبَابِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ بَلاغٍ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ، وَرَزَقَهُ حُسْنَ المَآبِ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَالأَصْحَابِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ المَعَادِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ الحُقُوقَ وَالوَاجِبَاتِ فِي الإِسْلامِ لا تَخْضَعُ لِلرَّغَبَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَلا تَتَحَكَّمُ فِيهَا المَشَاعِرُ الشَّخْصِيَّةُ، بَلِ الإِحْسَانُ فِيهَا مِنْ شُعَبِ الإِيمانِ، وَالتَّقْصِيرُ فِيهَا ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ العِصْيَانِ، كَيْفَ لا؟ وَالآمِرُ بِهَا الوَاحِدُ الدَّيَّانُ، قَالَ تَعَالَى:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء ـ 58)، ومَعَ أنَّ الحَقَّ وَاجِبٌ أَدَاؤُهُ، وَفَرْضٌ التِزَامُهُ، إِلاَّ أَنَّ الإِسْلامَ يَغْرِسُ فِي نُفُوسِ أَتْبَاعِهِ ثَقَافَةَ التَّسَامُحِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ التَّشْدِيدِ وَالتَّعْسِيرِ، وَيَضَعُهُمْ أَمَامَ حَقِيقَةٍ لا بُدَّ مِنَ استِيعَابِهَا، أَلاَ وَهِيَ أَنَّ الخَطَأَ مِنْ بَنِي البَشَرِ أَمْرٌ وَارِدٌ، وَلِذَلِكَ حَثَّهُمْ عَلَى العَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ وَلا سِيَّمَا لِغَيْرِ المُتَعَمِّدِ القَاصِدِ، يَقُولُ الحَقُّ تَعَالَى:(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى ـ 40)، وَعَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنْهُ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ:(كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)، إِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ تَضَعُ قَاعِدَةً مُهِمَّةً فِي فَلْسَفَةِ الحَقِّ وَالوَاجِبِ فِي الإِسْلامِ، إِنَّهَا قَاعِدَةُ تَفَهُّمِ الخَطَأِ وَالصَّفْحِ عَنِ المُعتَذِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْ هَفْوَةِ المُقَصِّرِ، إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى التَّجَاوُزِ ضَرَرٌ فِي الدِّينِ أَوِ النَّفْسِ أَوِ العِرْضِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَأَيقِنُوا أَنَّ طَلَبَ الحُقُوقِ فِي الإِسْلامِ لَيْسَ انْتِقَامًا، وَأَدَاءَ الوَاجِبَاتِ لَيْسَ ذِلَّةً وَلا امتِهَانًا، بَلِ الغَايَةُ مِنْ ذَلِكَ العَفْوُ الإِلَهِيُّ، وَالأَمْنُ وَالاستِقْرَارُ الاجتِمَاعِيُّ، وَإِزَالَةُ أَسْبَابِ الخِلافِ وَدَوَاعِي الحِقْدِ القَلْبِيِّ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56) .. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).


تاريخ النشر: 29 سبتمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/217955

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014