الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / آفاق إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني

آفاق إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني

علي بدوان

إن حل اللجنة الإدارية للقطاع، خطوة تنتظر مفاعيلها، بتهيئة الأجواء المناسبة للمصالحة الشاملة، وإزالة كل العقبات التي تحول دون إقلاع قطار المصالحة الوطنية الحقيقية، فالاختبار الحقيقي الآن سيكون على أرض الواقع، من خلال رفع كل الإجراءات التي مَسّت القطاع والعاملين في الحقل الحكومي خلال الفترات الأخيرة، والبدء بتسليم الوزارات والهيئات الحكومية والأمن والمعابر في القطاع لحكومة التوافق الوطني…

عاد موضوع المصالحة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام الداخلي المقيت إلى واجهة الأحداث السياسية المحلية والإقليمية، وقد أخذَ أيضا بعدا دوليا بحكم التداخلات والتدخلات، التي تركت تداعياتها على المشهد السياسي الفلسطيني منذ وقت ليس بالقصير.
ورغم مرور ما يزيد عن عقد من الزمن على وقوع الانقسام الداخلي في الساحة الفلسطينية، ما زالت تتوالى وتتصاعد التساؤلات عن مصير المصالحة الفلسطينية وأفقها، بعد أن طال واستطال الانقسام الداخلي، وأصابت شروره كل العملية الوطنية الفلسطينية.
كما بدأت التساؤلات تتوالى الآن عن أفق المصالحة المنشودة، وإمكانية نجاحها، والخطوة المقبلة منها، بعدما أعلنت حركة حماس عن حلّ اللجنة الإدارية التي كانت قد شكّلتها في قطاع غزة في وقت سابق، وما تبعها من تصريحات لمُختلف الأطراف في الساحة الفلسطينية، دون أن تتضح الصورة، ودون أن يتضح إلى الآن أفق المصالحة الموعودة التي هي في جوهرها مطلب شعبي فلسطيني في الداخل والشتات. فالشعب الفلسطيني ينتظر الآن خطوات إيجابية على هذا الصعيد بعد حل اللجنة الإدارية للقطاع.
في آذار/مارس الماضي 2017، كانت حركة حماس قد أعلنت عن تشكيل اللجنة الإدارية لقطاع غزة من سبعة أعضاء جميعهم من حركة حماس وبعضهم من المُقربين منها، بعد أن رفضت كل القوى الفلسطينية بما فيها حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين… المشاركة بها، وقد تشكّلت تلك اللجنة برئاسة عبدالسلام صيام، وعضوية كل من باسم نعيم رئيس قطاع الصحة والبيئة، كمال أبو عون رئيس قطاع التعليم والثقافة، توفيق أبو نعيم رئيس قطاع الداخلية والأمن، يوسف الكيالي رئيس قطاع المالية، إسماعيل محفوظ رئيس قطاع التنمية الاجتماعية، ورفيق مكي رئيس قطاع الاقتصاد.
تشكيل اللجنة الإدارية جاء بعد أن تم توجيه الاتهام من حركة حماس لحكومة التوافق بالتخلي عن مسؤولياتها ومهامها تجاه قطاع غزة. واعتُبرت تلك اللجنة إدارية فقط، فأعضاؤها ليسوا وزراء ولا مجلس وزراء ولا بديلا عن الحكومة التوافق الوطني، وإنما “هي حالة اضطرارية مؤقتة للتنسيق بين الوزارات بغزة في ظل غياب حكومة التوافق” على حد تعبير مصادر حركة حماس في حينها.
لكن، وبكلِ الحالات، إنَّ حل اللجنة الإدارية التي شكّلتها حركة حماس في وقت سابق في قطاع غزة، خطوة جيدة وإيجابية، من أجل تذليل كل العقبات التي ما زالت تعترض طريق إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، ووضع حد للانقسام السائد في البيت الفلسطيني، وفي المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية بين القطاع والضفة الغربية منذ صيف العام 2007، وإعادة توحيدها، وصولا لطي صفحة الانقسام الأسود بشكل نهائي. فقد شكَّل إعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة خطوة ضرورية وهامة، وفي الاتجاه الصحيح، خطوة تفتح الباب أمام تفعيل ملف المصالحة الفلسطينية وإنهاء حالة الانقسام بشكل جدي وحقيقي.
ولكن، وحتى تستوفي الأمور مستوجباتها، نقول إنَّ حلّ اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وحده لن يكفي أبدا، وإن كان أمرا ايجابيا رحبت به كل القوى الفلسطينية تقريبا، فنحن الآن بحاجة ماسة إلى توفّر الإرادة القوية والمخلصة، من أجل حلِّ كافة العقبات التي تحول دون تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية المنشودة، فالعقبات الموجودة ما زالت أكبر بكثير من قضية حل اللجنة في القطاع، وكما يقولون “إن الشيطان يكمن في التفاصيل”، وعلينا هنا أن نفوّت الفرصة على شيطان التفاصيل كي تصل المصالحة الوطنية الفلسطينية الحقيقية إلى برها المنشود.
إن حل اللجنة الإدارية للقطاع، باعتباره تحولا إيجابيا، يعني في جُملة ما يعنيه، تمكين حكومة التوافق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، من العمل بحرية في قطاع غزة، وتنظيم إجراء الانتخابات التشريعية العامة التي فاتها الوقت منذ أعوام خلت، فضلا عن الانتخابات الرئاسية، وهو ما يفترض بحكومة التوافق الوطني أن تُباشر عملها فورا في إدارة شؤون قطاع غزة، حتى لا تعود الأمور ثانية إلى الحلقة المفرغة. وقد رحبت حركة حماس بإعلان الدكتور رامي الحمد الله عن قدوم الحكومة لقطاع غزة، وقالت بأنها ستعمل على إنجاح مهامها وعملها في إدارة أمور القطاع وعموم المؤسسات، مع المسارعة لإلغاء الإجراءات التي تم اتخاذها بصدد الموظفين والعاملين في المؤسسات الحكومية في قطاع غزة.
في هذا السياق، إنَّ حل اللجنة الإدارية يأتي أيضا في ظل الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب في القطاع، حيث لم يَعُد ممكنا بقاء الوضع على ما هو عليه في القطاع لجهة المصاعب اليومية والحياتية التي تُعانيها أوسع قطاعات وشرائح الناس، الذين أُرهِقوا نتيجة تداعيات حالة الانقسام ونتائجها، وحالة الحصار الظالم القائم على القطاع، وقد طارت الأوهام التي تسرّبت إلى البعض في قطاع غزة حول آفاق بناء علاقة مشتركة بين حركة حماس ومجموعة محمد دحلان، وبالتالي في قيام الأخير بمد القطاع وأهله بالدعم الاقتصادي عبر دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من الأطراف الإقليمية. فمحمد دحلان لديه مشروعه الذي لا يتقاطع بل يتعارض مع حركة حماس في نهاية المطاف ومع عموم الحالة الوطنية الفلسطينية، والعلاقة التكتيكية معه لن تفيد حركة حماس ولن تساعدها على التخفيف من الأعباء التي ألقيت على عاتقها في القطاع بعد الانقسام وفي ظل الحصار المُطبق على القطاع.
على كل حال، ما يهمنا هنا، أن حل اللجنة الإدارية للقطاع، خطوة جيدة، وتشكّل منصة انطلاق نحو تطبيق الاتفاق الذي توافقت ووقعت عليه كل القوى الفلسطينية مُجتمعة، في العاصمة المصرية، القاهرة في أيار/مايو من العام 2011 وقد تعطّل تنفيذه في حينها لخلافات حول تفسير بنوده وحول آليات تطبيقه.
إن انطلاق عملية المصالحة الوطنية الحقيقية، والتفاؤل الذي بدأ الكثيرين بالاستبشار به، والترحيب الفصائلي من قبل كل القوى الفلسطينية بخطوة حل اللجنة الإدارية في القطاع خاصة من قبل حركتي فتح والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين… يَفتَرِض أيضا الحذر المطلوب من محاولات البعض من ذوي المصالح والنفوذ، ومن أصحاب الرؤوس الحامية، في الساحة الفلسطينية، الذين اعتاشوا واستفادوا من حالة الانقسام الداخلي، وبالتالي في منعهم وتفويت الفرصة عليهم من وضع العصي في الدواليب لإفشال ما تم التوصل إليه.
إن حل اللجنة الإدارية للقطاع، خطوة تنتظر مفاعيلها، بتهيئة الأجواء المناسبة للمصالحة الشاملة، وإزالة كل العقبات التي تحول دون إقلاع قطار المصالحة الوطنية الحقيقية، فالاختبار الحقيقي الآن سيكون على أرض الواقع، من خلال رفع كل الإجراءات التي مَسّت القطاع والعاملين في الحقل الحكومي خلال الفترات الأخيرة، والبدء بتسليم الوزارات والهيئات الحكومية والأمن والمعابر في القطاع لحكومة التوافق الوطني التي يمكن توسيعها أو إعادة تشكيلها بمشاركة عموم القوى الفلسطينية.
إن كل ذلك يتطلب إبداء كل المرونة المطلوبة من جميع القوى الفلسطينية، لإنجاز المصالحة الوطنية الشاملة. والبدء بخطوات المصالحة عمليا على أرض الواقع لإعادة الوحدة وإرساء قواعد الشراكة السياسية على طريق البرنامج السياسي الوطني التوافقي (الذي توافقت عليه ووقعته على وثيقته كل القوى الفلسطينية في العاصمة المصرية/القاهرة عام 2011)، وتكريس الوحدة الوطنية في مواجهة الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر الحالة الوطنية الفلسطينية في الداخل والشتات، فالكل الفلسطيني بحاجة الآن للوقوف أمام المُتغيرات الدولية، لأن هناك مشروع أميركي لتصفية القضية الفلسطينية تحت عنوان “صفقة القرن”، حيث لا بد من توافر الوحدة الوطنية كشرط لا بد منه لمواجهتها.

إلى الأعلى