الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حدثان في تاريخ واحد

حدثان في تاريخ واحد

احمد صبري

لقد عمل عبدالناصر بجد وإخلاص على استنساخ تجربة الوحدة بصيغ ووسائل مختلفة طبقا للواقع العربي مع عدة أقطار عربية لتجاوز الأخطاء التي رافقت تطبيق وحدة مصر وسوريا، ليعيد الأمل للجماهير التي رأت في مشروع الوحدة أملا وخلاصا من التجزئة والانقسام والفرقة، وتحرير الإرادة واسترداد حقوق شعب فلسطين وتحقيق العدالة الاجتماعية..
أحمد كاتب عراقي
لعل المصادفة هي التي جمعت حدثين في تأريخ واحد، في مصادفة تاريخية لها دلالاتها السياسية، هو الثامن والعشرون من سبتمبرـ أيلول، رغم تباعد وقوعهما واختلاف ظرفيهما .. غير أنهما تسببا بإصابة الأمة ومشروعها القومي بالصميم.
فالحدث الأول تمثل بانفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة، بانفصال سوريا عن مصر في الثامن والعشرين من سبتمبر ـ أيلول عام 1961.
وبعد قرابة العقد من الزمن على كبوة أول مشروع وحدوي، يرحل رائده والمبشر بأهدافه الزعيم جمال عبدالناصر، في نفس اليوم الذي حدث فيه الانفصال في الثامن والعشرين من سبتمبر ـ أيلول عام 1970.
ومابين الحدثين وماأعقبهما شهدت مسيرة العمل العربي حالة من الإحباط والانكسار والتراجع، وضعت الأمة ومشروعها القومي على المحك، جراء ما أصابها بفعل ارتدادات الحدثين على مجمل الأوضاع العربية.
ورغم خيبة الأمل التي أصابت الحالمين بوحدة الأمة ومشروعها النهضوي بعد انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا، إلا أن رائد مشروع الوحدة جمال عبدالناصر، لم ييأس أو يتخلى عن تحقيق حلم الأمة بتوحيد أقطارها، وإنما ازداد إيمانا بحتمية مشروع الوحدة لأنه من ينقذ الأمة من حالة التخلف والانكسار ويحافظ على قوتها وهويتها.
لقد عمل عبدالناصر بجد وإخلاص على استنساخ تجربة الوحدة بصيغ ووسائل مختلفة طبقا للواقع العربي مع عدة أقطار عربية لتجاوز الأخطاء التي رافقت تطبيق وحدة مصر وسوريا، ليعيد الأمل للجماهير التي رأت في مشروع الوحدة أملا وخلاصا من التجزئة والانقسام والفرقة، وتحرير الإرادة واسترداد حقوق شعب فلسطين وتحقيق العدالة الاجتماعية والتصدي لمحاولات الهيمنة الاستعمارية على القرار العربي المستقل. غير أن الموت أدرك عبدالناصر في لحظة تاريخية كانت الأمة بحاجة إلى دوره كضمانة لتوحيد الموقف العربي في مواجهة المخاطر الخارجية،
وعندما نستعرض حال الأمة والتحديات التي واجهتها منذ الانفصال ورحيل عبدالناصر، وحتى الآن نستطيع القول، إن ارتدادات الحدثين على مجمل الأوضاع العربية رغم مرور أكثر من نحو نصف قرن على وقوعهما، ما زالت ماثلة للعيان، أدت بمجملها إلى تراجع مشروع الوحدة كخيار واستبداله بمشاريع بديلة، فتحت الطريق للتدخلات الخارجية بتقرير مصير الأمة وقضاياها، على حساب الأمن القومي العربي الذي سقطت محرماته بالاستقواء بالأجنبي مثلما جرى في احتلال العراق وفي منطاق أخرى، فضلا عن مخاطر الدعوات لتبرير التدخلات الخارجية في الشأن العربي وقبل ذلك الصلح مع إسرائيل والتفريط بحقوق شعب فلسطين، وأدى غياب عبدالناصر وانكفاء دور مصر في محيطها العربي والإقليمي واحتلال العراق إلى انعكاس ذلك على مسيرة العمل العربي، وظهور لاعبين وقوى جديدة، إلا أنها لم ترتقِ إلى مستوى ودور مصر عبدالناصر في التأثير وقيادة العمل العربي كضابطة لإيقاعه في عملية الحشد والتعبئة المطلوبة للحفاظ على الأمن القومي العربي.

إلى الأعلى