الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من البرزانيون وما حلم الكرد القومي؟

من البرزانيون وما حلم الكرد القومي؟

أ.د. محمد الدعمي

إن أية مراجعة دقيقة لأنماط السلوك السياسي للقيادات الكردية إنما يؤشر ميلها وإصرارها على إشعال الحرب مع الجيش والمركز بغداد، ناهيك عن تأشيرها للدور الذي يمكن لهذه القيادات أن تكون قد لعبته في سكب الزيت على نار الخصومات والصراعات الطائفية في الصف العربي بين الشيعة والسنة: كي تأكل نار العرب حطبهم!

للمرء أن يحذر من أن الرئيس مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، يمكن أن يقود الشعب الكردي في العراق إلى ما يشبه هاوية انتحارية يمكن أن تأتي على أحلام الكرد القومية الآن وإلى الأبد، نظرا لما يمخر القيادات الكردية من “شعور بالقوة” سلطوي، شعور راح يعمي الأبصار والبصائر عن الحقائق الجيوستراتيجية والسياسية درجة التخلي عن الهوية والانتساب العراقي، ذلك التخلي الذي يكرر الرئيس مسعود البرزاني الالتزام به طوعا، كما يزعم، والإعلان عنه والتمسك بأبعاده بمناسبة وبدون مناسبة، وكأنه يخشى أن يقرأ المتابعون في بغداد وسواها من عواصم الإقليم وغيرها ما يدور في خلده من خطط لفصل الإقليم الكردي العراقي على سبيل استقلاله بطرائق أشبه ما تكون بتلك التي اعتمدها “بسمارك”، المستشار البروسي، الذي حقق الوحدة الألمانية عن طريق اصطناع الحروب مع الدول المجاورة والضم القسري للمقاطعات والأقاليم المتحدثة بالألمانية، كالألزاس واللورين. يبدو أن الرئيس البرزاني يتوثب لأن يكون هو “بسمارك كردستان الكبرى”، وهو حلم بعيد المنال إذا ما أخذنا حقائق الوضع الراهن المعقدة والإقليمية الشائكة التي تكتنف ذلك الحلم/الكابوس.
وينبغي للمرء أن يخص تصريحات نيجرفان البرزاني، رئيس وزراء الإقليم، سوية مع تصريحات عمه، الرئيس مسعود البرزاني، لصحيفة (الواشنطن بوست) قبل حوالي سنة إنما تعطي الانطباع أن الرجلين يهددان، بطرق ملتوية أو غير مباشرة، بإشعال حرب ضد المركز (بغداد) من أجل تحقيق هذا الهدف، ومن خلال التلويح بأن هذه الحرب إنما كانت محققة أو حتمية لولا الوجود العسكري الأميركي في المنطقة الشمالية، كناية عن تمسكهما بهذا الوجود ومقامرتهما على أن أميركا هي التي، كما يعتقدان، ستقف معهم، ضد بغداد والعراق، على سبيل نيل الكرد استقلالهم في ثلاث محافظات (السليمانية وأربيل ودهوك) في الزاوية الشمالية الشرقية من العراق، أي بين سندان الجمهورية الإسلامية ومطرقة تركيا العلمانية!
وإذا كنا قد حددنا، في مناسبة أخرى، الدوافع والإرهاصات الفاعلة التي ينوء القادة الكرد تحت وطأتها هي دوافع وإرهاصات ثأرية انتقامية، باعثها ما قاساه الكرد في العراق من ويلات وحرمان وإبادة على أيدي الأنظمة السابقة التي لم تتردد في استخدام أسلحة الدمار الشامل الكيمياوية لإبادة أعداد كبيرة من إخوتنا الكرد للقضاء على تمردهم المسلح. هذا النوع من الدوافع الثأرية والانتقامية لا يمكن أن يكون صحيا لأنه يمكن أن يعمي المرء حد التضحية حتى بمصالح وسلام الجمهور الكردي وقضيته بالكامل، ناهيك عما ينطوي عليه من مغامرة تحيق بقيادة العائلة البرزانية، للجمهور الكردي في العراق.
ربما جاءت تصريحات البرزانييْنِ، الرئيس وابن أخيه رئيس حكومة كردستان العراق من وحي، تلويح نائب الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، بنفض أيدي الأميركان من التزاماتهم في العراق بعد غزوه واحتلاله، ناهيك عن الدعوات إلى تقسيم العراق، ومنها دعوة الصحفي “توم فريدمان” الذي حاول تحليل الوضع في العراق وفي الشرق الأوسط من خلال موقف أشبه ما يكون بموقف تل أبيب، أو بموقف اللاعب أمام شاشة الألعاب الإلكترونية، ليس على أساس الحفاظ على الأمن والسلام الإقليميين، للأسف.
قد يقرأ القادة الكرد، البرزانيون خاصة، هذه النصوص الصحفية والرسمية بطرائق تشبه قراءة صدام حسين لخلاصة مقابلته الشهيرة مع السفيرة الأميركية في بغداد، إبريل كلاسبي، أي باعتبارها الضوء الأخضر من أميركا له للإقدام على كل ما كان يخطر على باله. هذه أخطاء تاريخية، لا ريب، خاصة وأنها تدق على وتر الشوفينية العربية والكردية والتعصب الإثني، ناهيك عن الأحقاد والضغائن القديمة بين الكرد وما حولهم من أقوام وأقليات ومنها العرب والتركمان والفرس واليزيديون، من بين جماعات عرقية أخرى.
إن أية مراجعة دقيقة لأنماط السلوك السياسي للقيادات الكردية إنما يؤشر ميلها وإصرارها على إشعال الحرب مع الجيش والمركز بغداد، ناهيك عن تأشيرها للدور الذي يمكن لهذه القيادات أن تكون قد لعبته في سكب الزيت على نار الخصومات والصراعات الطائفية في الصف العربي بين الشيعة والسنة: كي تأكل نار العرب حطبهم!
لا بد أن يقود أي التهاب لجبهة حرب بين بغداد وأربيل في كردستان العراق (وهي متوقعة الآن في نقطة الاحتكاك الأولى في كركوك) الشعب الكردي العراقي إلى ما يلي، مما قد يكون قد غاب عن بال القيادات الكردية البرزانية بفعل “نشوة السلطة” وما رافقها من أموال، ناهيك عن مدخولات تهريب النفط التي تهيمن عليه: أولا، اشتعال حروب تطهير عرقي في المناطق والمدن المشتركة على نحو يشبه ما حدث في يوغسلافيا السابقة، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار كراهية الكرد للعرب السنة في المناطق نصف العربية ونصف الكردية المحاذية لحدود كردستان العراق، مثل الموصل وتكريت وكركوك وبعقوبة؛ وثانيا، إطلاق القيادات الكردية، وتحت شعار تحرير كردستان واستقلالها، أيدي الميليشيات الكردية “البشمركة” لمباشرة حملات إبادة شاملة، مسيّرة بالأحقاد والضغائن الراسبة القديمة ضد العرب والتركمان، من بين سواهم من الجماعات العرقية التي هي على تماس بمنطقة كردستان. وهكذا ستشهد المدن المذكورة في أعلاه، علاوة على البلدات والقرى المشتركة إثنيا حملات إبادة وحمامات دماء، سيحاول الكرد خلالها القضاء على وجود العرب والتركمان واليزيديين في هذه البقاع كي تضم، الآن وإلى الأبد، إلى إقليم كردستان العراق! هل تريد القيادات الكردية أن تتصرف تحت وطأة هذا النوع من السلوك الثأري الانتقامي المتعامي لتلطخ أيديها بدماء جيرانها من العرب والتركمان المساكنين للكرد في شمال العراق؟ ربما سيقول بعضهم إن الغاية تبرر الوسيلة وأن لا خيار لهم من أجل الاستقلال عن العراق سوى إراقة الدماء، كما أراقت الأنظمة الشمولية السابقة دماء الكرد على نحو وحشي وغير مبال. ولكن هذا المنطق يتجاوز ما يمكن أن تفعله دول الجوار، خاصة إيران وتركيا، إذ إن الأخيرة ترفض الحلم القومي الكردي على نحو قاطع، درجة أن فتح أية جبهة كردية مع بغداد سيكون أفضل الذرائع لتركيا، المتعطشة للنفط العراقي، كي تتوغل في كردستان العراق لتضرب عصفورين بحجر، هما: أولا، القضاء على المشروع الكردي للانفصال والاستقلال الذي يهدد بشطر تركيا نفسها إلى نصفين، كردي وتركي؛ وثانيا، الهيمنة على أغنى حقول البترول العراقية في كركوك وفي سواها من المناطق الداخلة ضمن إقليم كردستان، بعد أن بدأت أنقرة بتقنين الماء عبر سدودها على دجلة والفرات. تركيا لن ترحم الكرد ولن تتسامح مع آمالهم باجتزاء وحدتها الوطنية؛ وكذا الحال مع إيران التي، هي الأخرى، لا تريد أن ترى كيانا كرديا متوغلا، كالخنجر في خاصرتها؛ بل وكذا الحال مع سوريا المنزعجة، من الآن، من أي حراك قومي تمردي كردي في الشمال والشمال الشرقي من أراضيها، خاصة في مدن وبلدات كالقامشلي.
لذا، لن تكون الطريق “البسماركية/ الكردية” لتحقيق الاستقلال والوحدة الكردية طريقا سالكة بالدرجة التي يتصورها نيجرفان البرزاني وعمه الرئيس مسعود البرزاني. إن عربة الشعب العراقي، بعربه وكرده وأقلياته المتآخية الأخرى، أمانة في أيدي القادة العراقيين، في بغداد وفي أربيل على حد سواء: فقد سأم العراقيون الحروب وإفرازاتها منذ 1980، أي مع سلسلتها الشريرة.
وللمرء أن يلاحظ في هذه المناسبة أن العائلة البرزانية كانت قد باشرت دورها وسطوتها في الإقليم الكردي من العراق بأدوات دينية روحية، خاصة على عهد المرحوم الملا أحمد البرزاني، عمّ رئيس الإقليم اليوم.

إلى الأعلى