الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سيميائيات النص الشفاهي في عمان.. قراءة في واقع الأدب الشعبي

سيميائيات النص الشفاهي في عمان.. قراءة في واقع الأدب الشعبي

مسقط ـ العمانية:
يتناول كتاب (سيميائيات النص الشفاهي في عمان) الذي صدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان ملحقا بمجلة (نزوى) للباحثة الدكتورة عائشة بنت حمد الدرمكية موضوع تدوين الأدب الشعبي حيث يشير الى ان الادب الشعبي على قِدَم تاريخه الممتد عبر الإنسانية قد تأخر جمعه وتدوينه، إذ لم يُبدأ به إلاَّ منذ ما يقرب من ثلاثة قرون…وقد تطور هذا الجمع شكلا ومضمونا سيما في الحقبة الرومانسية التي ظهر فيها الاهتمام الكبير بكل ما اتسم بصفة الشعبي، سواء أكان أدبًا أم فنًا أم غير ذلك…كما استطاعت التقنيات الحديثة المطوَّرة في القرن العشرين أن تقدم خدمات جُلى في مجالات جمعه وتدوينه وتسجيله وتصنيفه وتحليله وتطبيق أحدث المناهج المتداخلة في دراسته فضلًا عن الدراسات البنيوية والسيميائية والأسلوبية له “.و”كان الدارسون إلى عهد قريب يحصرون اهتمامهم في الأثر الأدبي ليتبينوا خصائصه البيانية من حيث اللفظ والمعنى، ثم أدركوا أن هذه النظرة قاصرة، وأنه لا سبيل إلى فهم طبيعة النصوص الأدبية، إلاَّ إذا وصلوه بالبيئة الاجتماعية المعيشية التي وُلدت فيها وترعرعت في كنفها.
والنصوص الأدبية كسائر الآثار الإنسانية، تتفاعل مع بيئتها فتتأثر بها وتؤثر فيها، ولذلك قيل إن “الأدب الشعبي أدل على بيئته من أدب الخواص وأشباه الخواص “(يونس عبد الحميد، الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي)” وقد جاء هذا الكتاب في خمسة فصول اضافة الى التقديم الذي تحدثت فيه الدكتورة عائشة الدرمكية عن الفعل الشفاهي وإعادة إنتاجه وأهمية الأدب الشعبي، وقدرة الأشخاص أفراد المجتمع على إنتاج ما يشاؤون من نصوص ابتكارا وإبداعا في صور شتى، ويستطيع بعدها المجتمع أن يعيد هذا الإنتاج ويبدع فيه مرة أخرى كما تحدثت في مدخل علمي عن السيميائيات وعلاقتها بالنص الشفاهي بوصفها منهجا اجتماعيا نشأ في أحضان المجتمع، ويعتني بالتالي بتلك العلامات التي ينتجها ويبدعها أفرادها، وتلك العلاقات التي تنشأ في تحويل النص الشفاهي إلى كتابي، والتحديات التي يواجهها النص الشفاهي في انتقاله وتحوله إلى الشكل الكتابي.
جاء الفصل الأول بعنوان ( ترميزات العلامات الملبسية للفنون الشعبية في عمان)، إذ “تشكل الملابس علامات لها دلالاتها الرمزية كونها شفرات تستوقف المتلقي، وتؤثر فيه ويقوم بتفكيكها والتوصل من خلالها إلى مجموعة من التأويلات، وهذا ما ذهب إليه (رولان بارت) عندما رأى أن للملابس إضافة إلى الجانب النفعي منظومة إشارية، فإنه
أيضًا (لغة) تعني شيئًا ما سواء أكانت منفردة أو مركبة، فلون كل لباس له دلالته ومعناه، وكل قطعة منه مركبة مع أخرى لها دلالاتها أيضًا، ولهذا فإن هذا الفصل ركز في تقديمه على(الملابس بوصفها علامة بصرية) ذلك لأن إدراك النسقية السيميائية للملابس يعتمد الوعي بخصوصية تمظهراتها، فبين مظهرها المكتوب (الوصف اللساني للباس)، ومظهرها التقني (اللباس الواقعي)، أو الأيقوني (اللباس المصور)، تتولى (المحولات) وصل هذه المظاهر المتباينة، وتقديم صورة كلية لهذا النسق عبر التحول من مظهر لآخر، عبر مجموعة من التشكيلات التي يقدمها المستخدمون أو المصممون “.بعدها يتم الانتقال إلى تلك العلاقة التي تربط بين العلامات الملبسية والفنون بشكلها العام، كونها واحدة من الأشكال التي تظهر فيها الملابس بوصفها علامات، تمهيدا لدراسة (رمزية العلامات الملبسية في الفنون العمانية) من حيث التعالقات التاريخية، والتعالقات الاجتماعية، والتعالقات المعتقدية.اما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان (سيميائية الخطاب الأسطوري لفن النيروز في التراث الثقافي العماني)، الذي تحاول من خلاله الدرمكية “تحليل وتفكيك أسطورة بالمعنى الفكري من حيث المعتقد من ناحية، ووصف لغوي وأداء بصري من ناحية أخرى، وهي تلك الخطابات المتعلقة بـ (فن النيروز) الذي يُصنف على أنه فن من الفنون الاحتفالية له زمان ومكان معينين، ومن هذا الاعتبار يبدأ تحليلها لفضاء الخطاب الأسطوري اللساني وغير اللساني، بغية سبر العلاقات التواصلية في منظومة النيروز باعتباره علامة، وبين الآخر المتلقي لرسالة العلامة (النيروز)”، للوصول إلى مستوى تحليل الخطاب الأسطوري.وقد بدأ الفصل بتعريف الخطاب الأسطوري بشكل عام وتعريفه في السيميائيات من حيث ماهيته، وبنيته التي يتأسس عليها، وتلك العلاقات التي يربطها هذا الخطاب بالتصور الكوني والفضاء لتشكيل خطاب معرفي، ثم تتبع سيميائية الخطاب الأسطوري للثقافة الشعبية العمانية (فن النيروز أنموذجًا) من خلال تحليل الترميز وعلاقاته الدلالية في التصور الكوني في فن النيروز والرموز اللسانية وغير اللسانية، والعلاقات التواصلية بين الإنسان والكون في فن النيروز، وتفكيك الخطاب الأسطوري لفن النيروز وتحليله بوصفه نظاما من العلامات التي تبني صورة بصرية متكاملة من حيث التشكل الفضائي، وحوار المشاركين، والصوت والآخر، والتشكل اللوني، و المسافة / التجاورية.
وجاء الفصل الثالث بعنوان (سيميائية الكون. حكاية الخسوف في التراث العماني أنموذجًا)، وهو يعتمد على دراسة رمز يشكل الإنسان حوله حكايات قائمة على الخرافة، ذلك لأن هذا الرمز هو شيء غيبي السبب ؛ فـ “الرموز توجد كلما استعمل الإنسان شيئًا محل آخر لابتكار وإبداع ثنائي آخر ما بين الدال والمدلول، وبما أنها كذلك فكل فكر هو علامة دالة على مدلولات متعددة ومختلفة وكل ما ينبع عن هذا الفكر هو في ذاته علامة مستقلة لها دلالات أخرى، وهذا هو الحال في الحكايات الشعبية التي يبدعها الإنسان ويبتكرها معتمدًا على فكره وربط الظواهر الطبيعية فيما حوله في محاولة لإيجاد تواصل يربط بين دواخل النفس البشرية وخوالجها”، عليه فإن هذا الفصل يبدأ بتحديد الحكاية الشعبية الخرافية بوصفها علامة رمزية، وتلك الرموز التي تتأسس عليها الحكاية الشعبية بوصفها علامات، ثم وصف للعلاقات التواصلية بين الذوات الإنسانية والطبيعة، وصولا إلى سيمياء الخسوف في المعتقد الشعبي العماني، والخسوف بوصفه علامة، والسيرورة التواصلية للخسوف في الحكاية الشعبية.
أما الفصل الرابع فجاء بعنوان (الرمز في الحكاية الشعبية العمانية) وتحاول الباحثة من خلاله الكشف عن رمزية (الذوات) في النص الحكائي، تقول؛ “فإذا أردنا الكشف عن رموز النص الحكائي المتعددة، فإننا لا يمكن إحصاؤها في مثل هذا الموضع من ناحية، ولا يمكن أن نكشف عن تلك الرموز دون تأويل وتحليل رموز الذوات بوصفها مؤثرًا مباشرًا في صنع الحبكة، وشبكة العلاقات بينها، وبين عناصر النص الحكائي من ناحية أخرى “.لذا فإن هذا الفصل يقوم على تحليل ترميزات الذوات في النص الحكائي وتأويلها من حيث علاقاتها بالموسوعة المجتمعية وصيغها الترميزية؛ إذ يبدأ بمقاربة نظرية في الرمز السيميائي، ثم تتبع الرمزية والموسوعة في الحكاية الشعبية، ثم دراسة الصيغة الرمزية للذوات في الحكاية الشعبية العمانية من حيث الذوات الاجتماعية، والتخيلية.
ويأتي الفصل الخامس والأخير بعنوان (سيميائية التواصل اللمسي في الخطاب الحكائي)، وهي دراسة تتأسس على الخطاب كونه “مؤسسة معرفية قوامها بنية داخلية وأخرى خارجية مضمونية تتوسل هذه المؤسسة إلى المتلقي بصياغات جماعية مرتبطة بالشرط الاجتماعي والتاريخي والسياسي ولهذا فإن الخطاب لا يتشكل سوى من وجهتين؛ وجهة لسانية وأخرى غير لسانية تتلاحمان معًا لإنتاج هذا التشكل عبر أنماط متعددة في صياغتها ” لهذا فإن الباحثة حاولت في هذا الفصل “تحديد الوحدة الدالة : اللمسية على
غرار الفونيم (الوحدة الصوتية الدنيا)، والوحدة الأسطورية الدنيا عند رولان بارت، والوحدة الذوقية الدنيا عند ليفي ستراوس لتكون هي القاعدة الدنيا للدلالة اللمسية وتمكن من تصنيف المجالات الدالة اللمسية وإحصائها ثقافيًا وأيديولوجيًا، وسيتم ذلك من خلال تطبيق أنموذج شارل ساندرس بورس في تحليل سيمياء العلامة اللمسية، وبيان أثر التواصل اللمسي بين طرفيه ومدى قدرة المؤوِّل على تأويل هذه العلامات “وبدأ الفصل بتحديد أنماط سيميائيات التواصل اللمسي، وتحديد سيميائية التواصل اللمسي
ووصفها، والتعريف بأنموذج شارل ساندرس بورس وتطبيقه في تحليل سيمياء العلامة اللمسية، وصولا إلى نماذج التطبيق التي شملت سيميائية التواصل اللمسي في الخطاب الحكائي الشعبي، وأنماط التواصل اللمسي في الخطاب الحكائي في نص (ريَّا) للقاصة بشرى خلفان وأنماط التواصل اللمسي في الخطاب الحكائي في نص (طقس دخول العروس إلى بيت الزوجية في التراث الثقافي العماني).وقد ختمت الباحثة بخلاصة أهمية دراسة التراث الثقافي والأدب الشعبي تحديدا بدراسات “تُعنى بنظرية الدلالة وإجراءات التحليل، لذلك فإنها تُعد من أبرز منهجيات التحليل الحديثة، التي تُحايث النص محايثة قائمة على وصف التنظيم الخاص بالوحدة المضمونية للنص في المستويات الخطابية والسردية “، ذلك لأن تلك الدراسات لها القدرة على الكشف عن مكنونات هذه النصوص وعلاماتها الشفاهية المجتمعية التي تعكس الحراك الثقافي للمجتمعات، فالآثار المكتوبة ليست كالشفاهية من حيث قدرتها على اختزال الفكر الجمعي وفلسفته الحضارية، ولهذا فإن ” هذا الكتاب سيُعنى بدراسة نماذج من نصوص الأدب الشفاهي في عمان، انطلاقًا من قدرة تلك النصوص على البقاء، وهو ما يأخذ شكلًا شفاهيًا كالحكاية أو الفن أو السلوك المعتقدي القائم على التواصل والفعل المنطلق والمتأسس من التخيل القصصي “.

إلى الأعلى