الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

ماذا حدث في أواخر دولة اليعاربة ؟

نواصل الحديث عن الأوضاع التي سادت عمان في أواخر دولة اليعاربة والمتمثلة في الحروب الأهلية ودخول الفرس إلى عمان، بحكم أن هذا الموضوع يعد من أكثر المواضيع إثارة في تاريخ عمان، والذي مهد في النهاية إلى أن تشهد عمان نهاية دولة، وبداية دولة كذلك.
شهد عام 1737م أولى الحملات الفارسية على عمان والتي جاءت بطلب من الإمام سيف بن سلطان الثاني بهدف تثبيت حكمه مثل ما رأينا ذلك في العدد السابق من هذا الموضوع، ولكن هذه الحملة باءت بالفشل نتيجة الاختلاف بين سيف وبين الفرس، وإدراكه التام بأنهم جاؤوا من أجل تحقيق أهدافهم التوسعية وليس من أجل مساعدته، بخلاف الاستياء العام الذي شهدته عمان نتيجة قدوم هذه القوات الغازية، ونتيجة لكل ذلك وقع الخلاف بين سيف وبين القائد الفارسي لطيف خان، مما أدى في النهاية إلى انسحاب القوات الفارسية من عمان متجهة إلى رأس الخيمة، ومنها إلى بندر عباس.
وبغض النظر عن فشل الفرس في تثبيت نفوذهم في عمان، إلا أن من أبرز المكاسب التي تحققت لهم في حملتهم الأولى، هي أنهم تمكنوا من تكوين فكرة متكاملة عن عمان وعن أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الأمور التي تهيأت لهم من وراء حملتهم الأولى.
وفيما يتعلق بالصعيد الداخلي في عمان فإن من أبرز ماترتبت عليه الحملة الفارسية الأولى هي اضطراب الأوضاع وعدم استقرارها ضد سيف بن سلطان، ولعل أبرزها ماحدث في الظاهرة عندما ثار بني غافر ضد والي سيف، وقاموا بطرده من حصن الغبي، مما شكل انتكاسة كبيرة له وعقبة في طريق تثبيت سيطرته على عمان.
غير أن من أبرز الأمور المتعلقة بهذا الموضوع هو ماحدث في بهلا تحديدا، حيث تم طرد والي الإمام سيف، وتم عقد اجتماع اتفق فيه العلماء والوجهاء، الذين وصل عددهم إلى ثمانية عشر عالما، واتفقوا بأن يلتفوا حول الإمام بلعرب بن سلطان، ودعوة سيف إلى نقض تعاونه مع الفرس، وعدم الاعتماد عليهم في تثبيت حكمه في عمان .
وأمام هذه الظروف الصعبة التي كان يعيشها سيف بن سلطان، آثر الاستعانة بالفرس مرة أخرى، وكانه لم يتعظ بما حدث في الحملة الأولى، ولأن الفرس كانوا على الدوام يتحينون الفرصة من أجل غزو عمان، لذلك لم يترددوا أبدا في تلبية طلب سيف، وأوعز نادر شاه حاكم بلاد فارس إلى قواته بالاستعداد من أجل التوجه إلى عمان مرة أخرى، وتم تجهيز قوة ضمت في حدود ستة آلاف مقاتل من أجل ذلك، أبحرت في يناير من عام 1738م من بندر عباس باتجاه رأس الخيمة، التي التقت فيها بقوات سيف بن سلطان.
وبعد وصول الفرس إلى عمان نجحوا في السيطرة على الظاهرة والغبي، ومن ثم توجهوا إلى بهلا ونجحوا في السيطرة عليها، ومن بهلا توجهوا إلى نزوى، التي استعصت عليهم في البداية غير أنهم تمكنوا في النهاية من السيطرة عليها رغم المقاومة الشديدة التي أبداها بلعرب بن حمير والقوات المتحالفة معه، مما أجبره على الخروج إلى وادي بني غافر.
ولعل من أشد ما ترتب على هذه الحملة هي المجازر التي ارتكبها الفرس في الظاهرة والداخلية والتي سقط على أثرها الآلاف من المدنيين والعسكريين، لا لذنب لهم سوى أنهم تصدوا لهذا الغزو الخارجي وحاولوا مقاومته، والذي كان للأسف بمساندة عمانية من قبل سيف بن سلطان وقواته.
كما نجحت هذه القوات بالسيطرة على ازكي وسمائل، وفي الرابع عشر من ابريل عام 1738م، تمكنوا من دخول مسقط ومحاصرة قلاعها مدة 41 يوما ، لم يتمكنوا خلالها من السيطرة عليها، فخرجوا من مسقط إلى بركاء في الخامس والعشرين من مايو عام 1738م، ومنها إلى صحار حتى وصلوا إلى جلفار .
وبمهاجمة مسقط التي كان من المفترض أن تكون تحت سيطرة الإمام سيف، تكشفت له النوايا الحقيقية للفرس مرة أخرى، وهي أنهم جاؤوا غزاة ومستعمرين لعمان، وليس من أجل مساعدته وانقاذ حكمه، وهو نفس الأمر الذي كشفت عنه حملتهم الأولى، دون أن يتعظ سيف بما حدث، ولعل ذلك كان من أبرز ايجابيات مهاجمة الفرس لمسقط، حتى تتضح الصورة أكثر لسيف وبنوايا الفرس، وعدم الوثوق بهم.
لذلك رأى سيف بأن من مصلحته ومصلحة البلد أن يبادر إلى حل خلافاته مع بلعرب بن حمير، من أجل مواجهة عدوهما المشترك والمتمثل في الفرس، وبالفعل تم عقد الصلح بين الرجلين القويين سيف وبلعرب في وادي بني غافر، وهو الصلح الذي أسفر عن تضحية بلعرب وقبوله للتنازل عن الإمامة لصالح سيف بن سلطان، حقنا لدماء العمانيين، ورغبة في توحيد جهودهم ضد الفرس، وهو الأمر الذي يحسب لبلعرب بن حمير، وكيف أنه فضل المصلحة العامة على حساب مصلحته الشخصية، بخلاف ما كان يفضله سيف بن سلطان، وقد نص هذا الصلح على تنازل بلعرب عن الإمامة وعلى التخلص من كل الخلافات بين الرجلين وعلى توحيد جهودهما من أجل طرد الفرس من عمان.
وبعد أن أنجز الخطوة المتمثلة في التصالح مع بلعرب بن حمير، بدأ سيف بن سلطان مباشرة في انجاز الخطوة الثانية المتضمنة طرد الفرس من عمان، وقام بتجهيز قوات بحرية وبرية من أجل تحقيق ذلك، وتمت مهاجمة الفرس في سمائل وإزكي وبهلا التي قاموا بالتحصن فيها، حتى جاء سيف بن سلطان وقام بإخراجهم من الحصن بأسلحتهم وامتعتهم، وأمر مبارك بن سعيد الغافري بمرافقتهم إلى صحار، وتمت مهاجتمهم حتى هلك أكثرهم، أما من خرج منهم من مسقط إلى بركاء فقد عادوا إلى الصير ورجع الكثير منهم من بلدانهم، لتنتهي بذلك الحملة الفارسية الثانية على عمان.
وكان مما ساعد سيف بن سلطان والعمانيين على تحقيق ذلك، الاضطرابات التي وقعت في صفوف الفرس والتي أدت إلى قيام تقي خان بقتل القائد الآخر للقوات الفارسية البحرية لطيف خان عن طريق دس السم إليه، وكذلك التذمر والاستياء من الجنود الفرس وموت الكثير منهم وانتشار المجاعة والأمراض في صفوفهم، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى العصيان والتمرد خاصة البحار العرب .
وبانتهاء الحملة الثانية دانت السيطرة لسيف بن سلطان على عمان ، يقول ابن رزيق في ذلك:
“ودانت السيطرة لسيف بن سلطان حصون عمان، وأدت له الرعية الطاعة، وحط الخراج عنهم”.
ولكن يبدو بأن سيف بن سلطان سوف يقدم على أمور سلبية وستصدر منه أفعال تغضب العلماء، وستؤدي إلى مبايعة سلطان بن مرشد اليعربي إماما على عمان، عندما اجتمع مشايخ العلم من بهلا ونزوى وإزكي ومشايخ بني غافر ووادي سمائل ومشايخ المعاول، فعقدوا الإمامة لسلطان بجامع قرية نخل سنة 1739م، مما أدى إلى تجدد الاشتباكات بين سيف بن سلطان وبين العمانيين مرة أخرى بقيادة سلطان بن مرشد هذه المرة، حيث لجأ سيف إلى مسقط بعد سقوط حصن الرستاق بيد قوات سلطان في عام 1743م، إلا أن الإمام سلطان قام بملاحقته إلى مسقط، الأمر الذي أدى بسيف إلى التوجه نحو خورفكان بعد أن فشل في الاحتفاظ بمسقط وبعد ان فشل أيضا في استنفار القبائل الموالية له بالقرب من مسقط.
وهنا وقع ما كان يحدث في كل مرة، وهو لجوء سيف إلى الفرس كعادته من أجل القدوم لإنقاذ حكمه، وكأن ما وقع في الحملتين الأولى والثانية لم يكن كافيا من أن يتعظ أو يثنيه عن اللجوء إليهم، ليكون ذلك من الأمور الغير لائقة في التاريخ العماني وفي تاريخ دولة اليعاربة، وهو كيف يتأتى لشخص أن يطلب دعم قوات خارجية أكثر من مرة من أجل تثبيت حكمه، وقد تبينت له مواقفهم ونواياهم الحقيقية في المرات السابقة، وكأن المصلحة الشخصية ومن أجل الحكم هو الأولوية حتى وإن كان على حساب الوطن وأبناؤه.
للمزيد حول هذا الموضوع، يمكن الاطلاع على الكتب والدراسات التالية:
1- الفتح المبين في سيرة السادة آلبوسعيديين، لإبن رزيق.
2- تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان لنور الدين السالمي.
3- دراسات في التاريخ العماني، لسعيد بن محمد الهاشمي.
4- عمان وسياسة نادر شاه التوسعية، لعدنان الزبيدي.

يتبع،،،

د. محمد بن حمد الشعيلي
باحث في التاريخ العماني
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى