الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الأمنية للسياسة الخارجية العمانية (2ـ2)

التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الأمنية للسياسة الخارجية العمانية (2ـ2)

محمد بن سعيد الفطيسي

المتتبع لواقع السياسة الخارجية العمانية منذ العام 1970م حتى يومنا هذا يؤكد نجاحاتها الطيبة على مختلف الأصعدة السياسية والعلاقات الدولية، خصوصا تلك الملفات الساخنة والمعقدة التي ساهمت في حلحلتها أو ساعدت في التخفيف من التوترات السياسية والأمنية أو تقريب وجهات النظر حولها.

كان إدراك ووعي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ للأهمية والدور الكبير الذي يلعبه الجانب الأمني في السياسة الخارجية واضحا وجليا منذ بواكير النهضة المباركة. برز ذلك من خلال الفلسفة الأمنية أو ما يطلق عليه بتأسيس مبادئ وأهداف العقيدة الأمنية الوطنية بشقيها الداخلي والخارجي. انطلاقا من موجهات السياسة الوطنية المستقاة من مصادرها الرسمية وهي النظام الأساسي للدولة والفكر السياسي لصاحب الجلالة منذ العام 1970م وحتى يومنا هذا، وقانون تنظيم وزارة الخارجية، وربط هذه العقيدة الشاملة للأمن الوطني بتلك الجوانب المتعلقة بمختلف الأبعاد ذات الصلة والتأثير والتأثر بتلك العقيدة وعلى رأسها السياسة الخارجية العمانية. بالإضافة إلى تكييف تلك الفلسفة الأمنية مع المبادئ السياسية الموجهة لسياسات الدولة الخارجية، بحيث تتمكن المؤسسات السياسية ذات الاختصاص والعلاقة بسياسات الدولة الخارجية من تفعيل أدوارها الوطنية المختلفة لتحقيق استراتيجيات وأهداف الأمن الوطني لسلطنة عمان.
حيث يتضح أن الرؤية السلطانية لمبادئ وقيم وثوابت السياسة الخارجية العمانية ركزت كثيرا على البعد الأمني بخلاف بقية الأبعاد الرئيسية لها. والتي أضع على رأسها البعد الإنساني والأخلاقي للسياسة الخارجية العمانية. انطلاقا من أن السياسة الخارجية للدول تعد أحد خطوط الدفاع الرئيسية للأمن الوطني الداخلي. وأي خلل أو ثغرة يمكن أن تحدث في هياكل بنائها وتوجهاتها وأهدافها سيرتد سلبا على الداخل الوطني “لا قدر الله”. يضاف إلى ذلك أن تلك المبادئ والأهداف والتوجهات الأمنية التي رسمها ووضع خطوطها العريضة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وركز فيها على البعد الأمني بشكل رئيسي تصب في نهاية المطاف في ما يطلق عليه بفلسفة النهضة العمانية.
باعتبار أن السياسة الخارجية العمانية سلوك سياسي للدولة العمانية، يعبر من خلالها عن شكل ومضمون تلك النشاطات والفعاليات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأطر التي تحرك توجهاتها وعلاقتها ومرئياتها تجاه العديد من القضايا الدولية مع الخارج، سواء كان ذلك في بعده الخليجي أو العربي أو الإقليمي أو العالمي. وسواء كان ذلك في شقه السياسي أو الأمني أو غير ذلك. وبالتالي فإن السياسة الخارجية العمانية هي الواجهة الوطنية والمعبر عن ملامح الدولة السياسية والأمنية والمجتمع الوطني في البعد الدولي.
ويمكن التوسع في فهم أهمية علاقة السياسة الخارجية العمانية بالأمن الوطني، وكيف تمكن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من صناعة وتحقيق الأمن الوطني العماني في شقه الداخلي عبر السياسة الخارجية لسلطنة عمان. من خلال الاطلاع على المبادئ المؤسسة للعقيدة الأمنية العمانية في الخطابات السلطانية (1) خصوصا تلك الأبعاد المتعلقة بالسلام مع الخارج ومبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين، باعتبارها أساسا لأمن واستقرار الداخل العماني. والموجه الرئيس لاستراتيجيات الأمن الوطني.
وهو ما أكد عليه جلالته بقوله: (لقد أثبت النهج الذي اتبعناه في سياستنا الخارجية خلال العقود الماضية جدواه وسلامته بتوفيق من الله، ونحن ملتزمون بهذا النهج الذي يقوم على مناصـرة الحق والعدل والسلام، والأمن والتسامح والمحبة، والدعوة إلى تعاون الـدول من أجل توطيد الاستقـرار وزيادة النماء والازدهـار، ومعالجة أسباب التوتر في العلاقات الـدولية بحل المشكلات المتفاقمة حـلا دائما وعادلا، يعزز التعايـش السلمي بين الأمم ويعود على البشرية جمعاء بالخير العميم)(2).
والمتتبع لواقع السياسة الخارجية العمانية منذ العام 1970م حتى يومنا هذا يؤكد نجاحاتها الطيبة على مختلف الأصعدة السياسية والعلاقات الدولية، خصوصا تلك الملفات الساخنة والمعقدة التي ساهمت في حلحلتها أو ساعدت في التخفيف من التوترات السياسية والأمنية أو تقريب وجهات النظر حولها. وكذلك عبر وساطاتها الإنسانية ودورها في إنقاذ المحتجزين بمناطق الصراعات والحروب في مناطق مختلفة في الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
بالإضافة إلى تمكنها من مواصلة علاقاتها الدبلوماسية الطيبة والقوية مع جميع دول العالم رغم التبعات والخلافات والضغوطات التي مورست عليها لتغيير سياساتها وعلاقاتها مع بعض الدول خلال العقود الماضية والعقد الحالي. بسبب بعض ملفات التوتر والصراع واختلاف وجهات النظر حيال بعض القضايا السياسية والأمنية الدولية المتداخلة. ما يؤكد بدوره كذلك نجاعة تلك المبادئ والقيم التي سارت عليها السياسة الخارجية العمانية سواء على المستوى السياسي أو الأمن القومي من جهة. وكذلك يؤكد مكانتها الدولية من جهة أخرى في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
على أن ذلك لم يمنع من ارتفاع سقف التوترات ومخاطر البيئة السياسة الإقليمية والدولية المضطربة من حولها كنتيجة طبيعية لزيادة الملفات السياسية والأمنية الساخنة من حيث الكم والكيف، ما ضاعف بدوره من الضغوط السياسية والتحديات الأمنية المحيطة بالدولة العمانية ككل، خصوصا على تلك المؤسسات التي تقوم برسم وتوجيه أو بتنفيذ أهداف السياسة الخارجية العمانية، وكذلك على مؤسسات الأمن الوطني ذات العلاقة والتداخل معها. والتي تهدف إلى تحقيق الوسطية في الأطروحات السياسية وصناعة التوازنات المعقدة بين المصالح الوطنية القائمة على المادية السياسية وتلك المبادئ السياسية التي يقوم بعضها على المثاليات الإنسانية والأخلاقية. وكذلك بهدف احتواء تلك المخاطر والتهديدات الأمنية العابرة للحدود الوطنية والتي بلا شك يمكن أن تؤثر على الداخل الوطني انطلاقا من الخارج الدولي.
بناء على ما سبق ذكره، سنسعى في كتابنا القادم “بإذن الله” والذي يحمل عنوان: التحوّلات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية. الإجابة على العديد من الأسئلة والتساؤلات المتعلقة باستشراف مستقبل السياسة الخارجية العمانية والأمن الوطني ككل، خصوصا تلك المبادئ السياسية والأمنية التي تقوم عليها السياسة الخارجية العمانية، انطلاقا من تلك المخاطر والتهديدات النابعة من أبرز التوجهات الكبرى القائمة على التشكل في النظام الدولي الراهن.
وذلك في محاولة لرسم خريطة طريق واضحة المعالم بقدر المستطاع، يمكن من خلالها احتواء آثار تلك التوجهات والتحولات الكبرى الراهنة، أو بهدف توقي انعكاسات المحتمل تشكله منها في المستقبل، سواء على الصعيد السياسي أو الأمني للنظام العالمي، وانعكاس كل ذلك على المبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية. ومن ذلك سنحاول التوصل إلى نتائج استباقية ستسهل على المنظر والمقرر الأمني وكذلك السياسي في مؤسسة السياسة الخارجية والمؤسسات ذات العلاقة والتداخل معها من بناء وصياغة سياسات وتوجهات وقرارات متعلقة بالسياسة الخارجية والأمن الوطني العماني بشكل متزن وواقعي. يضاف إلى ذلك إمكانية بناء استراتيجيات سياسية وأمنية قادرة على احتواء تلك التهديدات والمخاطر المحتملة في تلك البيئة شديدة التوتر والاضطراب والفوضى في المحيط الإقليمي والبيئة السياسية الدولية.
ومن أبرز تلك الأسئلة والتساؤلات التي طرحها الكتاب وتم الإجابة عليها بقدر المستطاع الأسئلة التالية: هل يجب على سلطنة عمان إعادة تحديد مصالحها الوطنية الاستراتيجية في ما يتعلق بموجهات سياساتها الخارجية في ظل نظام عالمي قائم على التشكل من عشرات التحديات والعقبات والمشكلات التي ستواجه الاستقرار والأمن الوطني العماني؟ وكيف ينبغي أن يتم ذلك؟ وما هي المحددات والموجهات السياسية والأمنية التي يمكن من خلالها البقاء بعيدا عن دائرة الفوضى السياسية والصراعات العابرة للحدود الوطنية؟
هل يمكن الاعتماد على تلك المبادئ والموجهات السياسية والأمنية التي قامت عليها السياسة الخارجية العمانية منذ العام 1970م في ظل تلك المتغيرات والتحولات الدولية التي باتت تهدد استقرار وأمن معظم دول العالم؟ أم نحن بحاجة إلى إعادة بناء وتطوير وتحديث تلك المبادئ السياسية والأمنية بطريقة يمكن معها أن تواكب تلك المخاطر والتهديدات التي بات النظام العالمي المتشكل يرزح تحت قوة ضرباتها ووطأة رحمتها؟!
من أعداؤنا؟ ومن حلفاؤنا اليوم وفي الغد القريب والبعيد؟ كيف نعرفهم؟ وكيف يمكن التأثير عليهم لصالحنا؟ وكيف ومتى يمكن أن نقرر الانضمام والاصطفاف مع الآخرين لمواجهة تحديات ومشاكل النظام العالمي؟ وهل نحن مضطرون إلى ذلك؟ هل يجب أن ننطلق من الأرضية الصلبة لمصالحنا الوطنية بشكل مادي؟ أم يمكن أن نأخذ في الحسبان مصالح مجتمع دولي موهوم وواهن، كما وصفته مستشارة الأمن القومي السابق كوندوليزا رايس؟
وأين يمكن أن نضع تلك القيم الإنسانية والأخلاقية التي حافظت عليها السياسة الخارجية العمانية لأكثر من أربعة عقود ونصف فيما يطلق عليه بالمثالية السياسية في ظل بيئة سياسية تغلب عليها المادية السياسية، ولا تؤمن إلا بالمصالح المنفردة؟ هل نحن مستعدون بالفعل للولوج إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بما يحمله معه من سيناريوهات كارثية تعج بالفوضى والصراعات العابرة للحدود الوطنية، وارتفاع مصادر التهديد وعدم الاستقرار السياسي والأمني في البيئة السياسية والأمنية الدولية؟

ملاحظة: هذا المقال من مقدمة كتاب قادم لنا بإذن الله سيصدر بمعرض مسقط للكتاب 2018م يحمل نفس العنوان.

إلى الأعلى