الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العراق على طريق التقسيم … والبقية تأتي

العراق على طريق التقسيم … والبقية تأتي

من النيل إلى الفرات تتطلع “إسرائيل” لتحقيق حلمها الأكبر، ومد أذرعها بين النهرين، وتقف وتساند وتدعم انفصال إقليم كردستان عن دولة العراق، وتؤكد موافقتها على دعم تطلعات الإقليم الكردي ويؤكد نتنياهو (أن الأكراد شعب شجاع موالٍ للغرب ويتقاسمون قيمنا)، ليتضح للعرب بوادر المخطط في تقسيم المقسم وتفتيت المجزأ، طبقا لخريطة طريق الشرق الأوسط الجديد، ليتوالى التقسيم، والذي بدأ بدولة جنوب السودان مرورا بدولة كردية في العراق والبقية تأتي.

فوزي رمضان
صحفي مصري

يعيش العرب مصيرا جديدا ومرحلة أخرى في تاريخهم الذي لم يكتبوه بل كتب لهم وعليهم، فمنذ أن تقطعت الكعكة العربية وقسم ميراث أراضي الإمبراطورية العثمانية بين كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية طبقا لاتفاقية (سايكس ـ بيكو) يتم حتى الآن خلخلة كل خطوط العرب الحدودية ومعها بث بذور الفرقة والنزاعات والمشاحنات بينهم، ليظهر مجددا استعمار متمرس على العدوان والغطرسة متمثلا في دولة العدو الإسرائيلي، التي لم تكتفِ بابتلاع دولة فلسطين واستقطاع أجزاء متناثرة من دول الجوار، بل تمد أذرعها في أقاليم الدولة الواحدة مستغلة الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والعرقية بغية تقويض الأنظمة وشق الصف واختراق اللحمة.
سابقا دعمت “إسرائيل” وبقوة الانفصال التام للجنوب السوداني عن الدولة الأُم في السودان، وتم استغلال الحرب الأهلية الطاحنة بين الطرفين الجنوبي والشمالي، لتسعى الولايات المتحدة الأميركية حليفة “إسرائيل” إلى توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام الموقعة في كينيا عام 2005، والتي أنهت الحرب لتمكِّن الجنوب السوداني وحده من الاستيلاء على 75% من الحدود والنفط السوداني، وتمكِّن “إسرائيل” أيضا من وجود حليف قوي في القارة الإفريقية، يضمن لها التلاعب في ملف مياه دول حوض نهر النيل خاصة مصر.
ومن النيل إلى الفرات تتطلع “إسرائيل” لتحقيق حلمها الأكبر، ومد أذرعها بين النهرين، وتقف وتساند وتدعم انفصال إقليم كردستان عن دولة العراق، وتؤكد موافقتها على دعم تطلعات الإقليم الكردي ويؤكد نتنياهو (أن الأكراد شعب شجاع موالٍ للغرب ويتقاسمون قيمنا)، ليتضح للعرب بوادر المخطط في تقسيم المقسم وتفتيت المجزأ، طبقا لخريطة طريق الشرق الأوسط الجديد، ليتوالى التقسيم، والذي بدأ بدولة جنوب السودان مرورا بدولة كردية في العراق والبقية تأتي.
قد يستغرب البعض رفض أميركا والدول الكبرى للاستفتاء الكردي، مع أنها المخطط له منذ احتلال العراق، والتخلص من الرئيس الراحل صدام حسين، لكن كان لإبرام إقليم كردستان منفردا على عقود نفطية مع الجانب الروسي بعيدا عن الحكومة المركزية في بغداد، إلى التحول الأميركي عن الانفصال حاليا والمطالبة بتأجيله لمدة عامين، في مناورة سياسية للضغط على كردستان ولوقف الزحف الروسي نحو إقليم الشام، لنستخلص أن هذا الاستفتاء مجرد بالون اختبار لمساعدة مسعود البرزاني حاكم الإقليم في الحصول على تفويض شعبي ترجح كفته، وتحسن شروط التفاوض مع حكومة بغداد والتمهيد للانفصال التام القادم لا محالة.
يعيش إقليم كردستان الذي يتخذ من أربيل عاصمة ومقرا للحكومة، نموذجا جديدا من أشكال الحكم، فهذا الإقليم لا هو دولة بالمعنى الحرفي للدولة الجغرافية أو السياسية، ولا هو جزء لا يتجزأ من العراق، بل بات له كيان خاص، يتمثل في الرؤساء الزوار الذين يستقبلون في مطار أربيل رسميا فوق منصة التشريف، وعزف النشيدين الوطنيين واستعراض حرس الشرف، بل هناك إجراءات وتدابير وتراخيص للعبور من وإلى الإقليم.
ولكن كان من سوء المعاملة التي يتعرض لها أكراد العراق ـ على حد قولهم ـ جعلت الوقت مناسبا جدا كي يقيموا دولتهم بشكل شرعي رغم اعتراض المجتمع المحلي والدولي ودول الجوار التي لها العذر لوجود أقليات كردية في بلادهم. فأكراد تركيا متعاطفون مع فكرة الانفصال وتكوين دولة منفصلة، كذلك أكراد إيران، بينما يرفض أكراد سوريا إنشاء دولة كردية قومية، ويطالبون فقط بحكم ذاتي فيدرالي في شمال سوريا.
وتعلم القيادة السياسة لإقليم كردستان كم التحديات الهائلة التي تتعرض لها، وتعلم أيضا أن نتائج الاستفتاء رغم نسبة التصويت المرتفعة (92%) لن تحقق استقلالا حقيقيا، بل ستورط الأكراد في صراع وأزمة اقتصادية طاحنة، فقد علقت معظم شركات الطيران العالمية كافة رحلالتها إلى مطار أربيل تضامنا مع الحكومة العراقية، كذلك أوقفت تركيا تدفق نفط الإقليم الكردستاني عبر أراضيها ووعدتهم بالتجويع، حال عدم التراجع عن فكرة الانفصال.
وإذا كانت هناك إرادة دولية تدعمها الشفافية لوقف الانفصال وعدم الاعتراف بنتائج الاستفتاء، فإن اجتماعا لمجلس الأمن الدولي كافٍ لاستصدار قرار طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بالنظر إلى ما سيتسبب فيه الانفصال من إشعال الصراعات والحروب وتقويض الأمن والسلم في المنطقة، ويفتح الباب على مصراعيه لانفصال أي أقلية على أساس عقائدي أو اثني وعرقي، أو يستحوذ إقليم ما على ثروات طبيعية.
إذًا، من حق 223 جماعة أقلية في العالم بمجموع 900 مليون نسمة المطالبة بالانفصال وتكوين دولهم الخاصة، في المقابل نجد الدول التي تدعم الانفصال، تعيش على أراضيها أطياف من كافة الأعراق والعقائد في تناغم لا يعترف إلا بالدولة فقط… لكن للقدر المحتم والمقرر أن تتفتت دولنا إلى ذرات تدور في فلك مراكز القوى.

إلى الأعلى