الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أوبرا عايدة.. رواية الزمن
أوبرا عايدة.. رواية الزمن

أوبرا عايدة.. رواية الزمن

في ليلة العرس ذهبت أمنيريس للمعبد على ضفاف النيل هي والكاهن الأعظم من أجل التقرب إلى الآلهة لكي تبارك زواجها من حبيبها، وفي نفس المكان وفي الخفاء وأثناء انتظار عايدة لحبيبها رادوميس، وفي لحظة ذكريات الحنين إلى وطنها المستعمر من المصريين يأتي والدها امونسيرو ويطلب منها أن تستغل الحب المتبادل مع رادوميس، وتعرف منه خط سير الجيش المصري إلى الحبشة..

أوبرا عايدة قصة حب حدثت منذ آلاف السنين، لكنها تذكرنا بأن قضية مياه النيل ليست وليدة العصر، بل يرجع الصراع عليها إلى آلاف السنين، ودائما تتلاقي جذور الحب والواجب في الخفاء، فبعيدا عن أعين الناس تنمو جذور العاطفة لتتلاقي مع جذور المنصب، ويحدث الصراع المستتر بين الأمنيات والرغبات، لكن التاريخ يغير من مجرى هذا الصراع عبر الحقب الزمنية المتعاقبة، والقاسم المشترك فيها هو طرفا النزاع: مصر الفرعونية والحبشة (مصر وأثيوبيا حديثا) والضحية المستديمة هي مياه النيل.
وقصة أوبرا عايدة تمثل هذا الصراع بين الواجب والعاطفة، فقد نما إلى علم رامفيس (كبير كهنة فرعون بقصر ممفيس) أن الحبشة تهدد وادي النيل، وأن مياه النهر سوف تتأثر، فيقرر فرعون (مصر) إرسال جيش لمحاربتها، ويصلي رادوميس(قائد الجيش) للآلهة كي تختاره لقيادة الجيش، فرغم أن امنيريس (ابنة فرعون مصر) مفتونة بزيه العسكري وتهيم به حبا، إلا أنه يأمل قيادة الجيش كي يحقق نصرا يمكنه من فك أسر حبيبته (عايدة) ابنة ملك الحبشة والأسيرة الخادمة لدى المصريين.
عامل الوقت لم يكن في صالح رادوميس، حيث تتسرب الشكوك إلى أمنيريس وتبدأ في استجوابه لمعرفة مشاعره تجاه عايدة، لكن تسارع الأحداث ينبئ بأن أمونسيرو(ملك الحبشة) يقود جيش الحبشيين تجاه طيبة محاولا استعادة ابنته الأسيرة، وبالفعل يعين رادوميس قائدا للجيش ويتوجه مع رجاله صوب الحبشة مرددا تراتيل المعركة، في حين تصرخ أمنيريس متمنية له النصر، وتشعر عايدة بخيبة الأمل في مشاعرها، فهي تتمنى عودة حبيبها منتصرا، وفي نفس الوقت هي ابنة عدوه في الحرب ملك الحبشة الذي أتى ليفك أسرها ولا أحد يعلم هذا السر، وها هو حبيبها يقود معركة ضد أبيها.
وأثناء انتصار رادوميس في حربه ضد ملك الحبشة، استطاعت أمنيريس التأكد من شكوكها حول علاقة الحب بين عايدة ورادوميس فطلبت من عايدة نسيان هذا الحب، وألا تتعدى كونها خادمة أو أسيرة، فتكشف لها عايدة عن حبها للقائد رادميس، وتطلب من أمنيريس العفو والصفح عنها، خاصة وأن هناك احتفالات صاخبة بعودة القائد رادوميس المنتصر على الحبشيين، ويتم استعراض الأسرى الحبشيين ويكون فيهم والد عايدة الملك أمونسيرو، والذي يطلب منها ألا تتخلى عن أهلها، بل تتوسل من أجل الحفاظ على حياة الأسرى في الوقت الذي يقترح فيه كبير الكهنة رامفيس ومعاونوه بقتل الأسرى.
على النقيض تماما يطالب القائد رادوميس بالعفو عنهم وإطلاق سراحهم كمكافأة له على ما أبلى في المعركة، وينحاز الفرعون إلى رغبة رادوميس، ويوافق على إطلاق سراح الأسرى، بل ويمنحه يد ابنته أمنيريس ليتزوجها ويعتلي عرش مصر.
وفي ليلة العرس ذهبت أمنيريس للمعبد على ضفاف النيل هي والكاهن الأعظم من أجل التقرب إلى الآلهة لكي تبارك زواجها من حبيبها، وفي نفس المكان وفي الخفاء وأثناء انتظار عايدة لحبيبها رادوميس، وفي لحظة ذكريات الحنين إلى وطنها المستعمر من المصريين يأتي والدها امونسيرو ويطلب منها أن تستغل الحب المتبادل مع رادوميس، وتعرف منه خط سير الجيش المصري إلى الحبشة لكي يخبر بها الجيوش الآتية من الحبشة فيحققوا النصر ويفكوا أسرهم. وبالفعل يخبرها القائد رادوميس بكل تفاصيل خطة الجيش المصري، وهو ما تكتشفه الأميرة المصرية بنفسها من خلال سماعها للحوار المباشر بين رادوميس وعايدة، وفي هذه الأثناء يسلم رادوميس سيفه للكاهن الأعظم جزاءً لخيانته.
ولتغلب العاطفة تحاول أمنيريس منح رادوميس الفرصة للهرب، وإنقاذ نفسه حتى وقت محاكمته في المعبد، وتوعده بأنها سوف تتدخل لإطلاق سراحه إذا ما ترك حبه لعايدة وتخلص من خيانته، لكنه يرفض ويأبى إلا الموت مع عايدة.
ولأن الموت هو الجزاء العادل للخائن، تنتهي الأسطورة بدفن القائد الخائن رادوميس مع الأميرة الحبشية عايدة أحياء في مقبرة واحدة، وفي الوقت الذي يتغنى فيه فئة مصرية بقصة الحب الخالدة، تصلي أمنيريس فوق الأرض من أجل السلام.
الأوبرا المصرية تجسد الصراع الأزلي على مياه النيل، وتبشر بأن من يخن مصر لن يفلت من العقاب مهما طال الزمن، حتى لو كان يحظى بحب نجلة فرعون، ولهذا استحقت أوبرا عايدة أن تسمى “الأوبرا العظيمة”.

جودة مرسي

إلى الأعلى