الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. موقف مجلس الشورى .. من قرار مجلس الوزراء

العين الثالثة .. موقف مجلس الشورى .. من قرار مجلس الوزراء

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

يكشف لنا موقف مجلس الشورى من قرار مجلس الوزراء بشأن شل دور الهيئة العامة لحماية المستهلك في وضح النهار، من أننا لم نغادر عصر استفراد السلطة التنفيذية بالقرارات المصيرية التي تهم حياتنا كمجتمع، وهو عصر لا يتناسب مع مرحلة الشراكة المتضامنة بين مختلف السلطات لدواعي ديمومة الاستقرار في بلادنا، وهذا لا يعطي الانطباع الايجابي للاصلاحات الشاملة التي حدثت في بلادنا منذ عام 2011، فلدينا تجربة حديثة لتداعيات الاستفراد التي كادت أن تدفعنا الثمن غاليا عندما كانت التنمية وقراراتها مهمة حكومية بامتياز، والتداعيات تجلت في بروز مجموعة اختلالات تنموية خطيرة، تراكمت حتى انفجرت في لحظة زمنية لن تنسى ابدا، فلماذا لم نتعلم الدرس؟ والدرس المستفاد والذي لن يقبل عنه بديلا، وهى أن صناعة التنمية بتشريعاتها المختلفة ينبغي أن تكون من مهمة مشتركة بين ثلاث سلطات رئيسية وهي الحكومة، والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وهنا يظهر في قرار مجلس الوزراء غياب هذا الأخير في صناعته، فهل ولد أو سيولد الاستقرار؟
كما أن هذا الاستفراد بالقرار من قبل الحكومة لن يتماشى مع تعاطي بلادنا الكوني، فالمجتمع لابد أن يكون له كلمة مسموعة ومسئولة في إطار شراكة حقيقية وليس ديكورية، فالتطور بعين واحدة لن يخدم الاستدامة المقبولة من الكل، لأنها ستكون محمولة على الرؤية الاحادية الجانب، لاعتبارات شرحناها في مقالنا الاخير ،، مبررات غير مقنعة .. يا معالي وزير التجارة والصناعة ،، فموقف مجلس الشورى لم يتنقل من دور الدعوة الذي عبر عنه رئيسه أمس الاول، كما لم يتعدى دور الاستنكار والشجب الخجول من قبل بعض اعضائه البارزين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فلم نر منهم دعوة لعقد اجتماع استثنائي عاجل للمجلس، وإنما قرأنا عن اجتماع اعتيادي لمكتب المجلس يوم الاربعاء الماضي بحث فيه مجموعة قضايا، ونجم عنه تشكيل فريق عمل لبحث (خلفيات ) قرار مجلس الوزراء، كما بحث الامر أمس الاول ضمن جلسة عادية غلبت عليها كثرة الاجندة، وهذه خطوة لا ترتقي الى مستوى التطلعات الاجتماعية، فالبحث في الخلفيات وإن كانت مسألة مهمة جدا، الا إن دعوة المكتب للبحث فيها يعني وجود شكوك من قمة المجلس في وجود خلفيات لا تخدم السياقات الوطنية التي نعلي من شأنها في مقالاتنا، الا أن المأمول منه، أن يذهب الى تشكيل لجنة رفيعة المستوى من رئاسة المجلس وعضوية رؤساء اللجان في فتح تحقيق استقصائي عن اسباب أخفاق الحكومة في خلق بيئة تنافسية حقيقية لسوقنا المحلي .. تشريعيا وتطبيقيا.. قبل تحرير معظم السلع وكل الخدمات، خاصة وأنه كان عندها ثلاث سنوات كافية لذلك، وكل ما نخشاه أن يكون مجلس الشورى شاهد عيان ،، شبه صامت،، على اغتيال أهم مؤسسة وطنية مستقلة هى من نتائج احداث عام 2011 ، انشئت وفق رؤية سلطانية عميقة الدلالة في ظرفية زمنية لا تزالا دواعيها قائمة حتى الان للدفاع عن حقوق المجتمع الجماعية، والصامت وفق كل القوانين العالمية بما فيها تشريعاتنا، كالفاعل، لكن بنسبة مئوية مختلفة، فأين صراعاتكم الايجابية يا مجلس الشورى وانتم سلطة شرعية تمثلون الشعب، فهل موقفكم يرتقي الى موقف الشعب الذي يشعر بالاستياء والغضب من القرار؟ قد ترجعون السبب الى عدم تمتع المجلس بصلاحيات ،، المواجهة ،، الفعلية، وهذا للأسف صحيح، وهذه ثغرة ينبغي أن تنطلقوا منها لانتزاع الصلاحيات المطلوبة، كما أن لديكم هامشا كبيرا في الأداء .. لو مارستموه لنقلتم الصراع المجتمعي من المجالس الخاصة والعامة ومن شبكات التواصل الاجتماعي، ومن على الارض مستقبلا، من مساره الفوقي الى المسار الافقي، اي إدارة الصراعات عبر السلطات الدستورية وليس على الارض بين المواطنين والسلطة التنفيذية، فهل اداؤكم مهما كانت صلاحياتكم يساهم في نقل هذا الصراع؟ إذن القضية وإن كانت تحتمل الخلفيات الا أنها تمس بمبدأ الشراكة الدستورية، فمثل هذه القرارات لابد من إنضاجها في مطابخ الشراكة لا الاستفراد، وإذا ما كانت من اختصاص السلطة التنفيذية ،،دستوريا،، فإنه من صلاحية مجلس الشورى مساءلتها اي السلطة التنفيذية عن اسباب القفز فوق مراحل استحقاقية ضرورية يجب تحقيقها اولا قبل التحرير المطلق للسلع والخدمات، كما سبقت الاشارة اليه سابقا، فصدور القرار قبل استكمال التشريعات واصدار القوانين وقبل منع الاحتكار وقبل استحداث كيانات تنافسية في السوق ،، كالجمعيات التعاونية، لا يعبر لنا عن قصور في صلاحيات مجلس الشورى فقط وإنما عن تقصير في الممارسة كذلك، وهذه الازدواجية المثيرة تساهم بسلبية كبيرة في بقاء الوضع مختلا لصالح السلطة التنفيذية، وهذا سيجعلنا وكأننا لم نغادر عام 2011.
المطلوب إذن ، الاعتداد بسلطة مجلس الشورى كوكيل عن المجتمع للدفاع عن مصالحه في إطار شراكة حقيقية مع السلطة التنفيذية وسلطة القطاع الخاص، والاعتداد انطلاقا من هذه القضية ينبغي أن يأخذ مسارين، الاول، منحه صلاحيات فعلية لا شكلية لكي يمارسه دوره الوطني على قدم المساواة مع السلطات الاخرى، والثاني، الارتفاع في ممارسة ادائه لكي يكون في مستوى هذه القضية المثيرة، فعليه اي مجلس الشورى أن يتبنى دعوة رئيسه مجلس الوزراء الى اعادة النظر في قراره، والعمل على تعليقه .. الخ وهنا ندعو مجلس الشورى الى عقد جلسة استثنائية فورا بحضور الشخصيات المعنية في مجلس الوزراء ومساءلتهم عن اصدار القرار قبل صدور التشريعات والسماح بالجمعيات .. والخروج من هذه الجلسة بوقف قرار مجلس الوزراء خاصة وان شهر رمضان سيكون فرصة للتجار لرفع الاسعار .. وعلى أعضاء مجلس الشورى أن يعلموا أن حجية الحرية الاقتصادية ما هى الا حجة غير مقنعة لتحرير الاسعار، فهناك قوانين لدول رأسمالية كبرى تسمح بالتدخل في الاسعار في ظروف معينة، كالقانون الفرنسى مثلا ففيه مادة تنص على انه فى السلع التى لا يوجد بها منافسة وتستحوذ عليها شركة واحدة وتتجاوز فى السعر من حق الحكومة الفرنسية ان تتدخل لتسعير هذه السلعة الأساسية، وهذا الوضع، هل ينطبق على ما يجري في بلادنا؟ إذن، فماذا أنتم فاعلون لمجتمع أختاركم لكي تمثلوه يا أعضاء مجلس الشورى، انتم وكلاؤه بالنيابة ، فهل موقفكم حتى الآن يرتقي لمستوى هذه الوكالة العامة ؟

إلى الأعلى