Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

خطبة الجمعة: خَطَرُ الفِكْرِ الإِلحـَادِيِّ

جامع السلطان قابوس الكبير

الحَمْدُ للهِ الَّذي خَلَقَ الإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ، وَهَداهُ الصِّراطَ المُسْـتَقيمَ، أَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ بِمَا هُوَ لَهُ أَهلٌ مِنَ الحَمْدِ وَأُثْني عَلَيْهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ مِنْ جَميعِ الذُّنوبِ وَأَتوبُ إِلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، فَطَرَنَا عَلَى الفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ، وَبَيَّنَ لَنا العَقيدَةَ النَّقِيَّةَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسولُهُ، خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ اللهَ وَاتَّقاهُ، صلى الله عليه وسلم وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سارَ عَلى نَهْجِهِ وَاهْتَدى بِهَدْيِهِ وَتَرَسَّمَ خُطاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَهِيَ العَاصِمُ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَالمُنْقِذُ مِنْ كُلِّ ضَلالَةٍ، ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” ، وَاعْـلَموا – نَوَّرَكُمُ اللهُ – أَنَّ اللهَ فَطَرَ الإِنْسانَ عَلَى الفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ وَالحَنيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَأَمَرَهُ بِإِقامَةِ وَجْهِهِ لِلدِّينِ الْحَقِّ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ” فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ” ، فَالإِنْسَانُ يَخْرُجُ إِلَى هَذِهِ الحَيَاةِ نَقِيَّ القَلْبِ ذَا صَفْحَةٍ بَيْضاءَ نَاصِعَةٍ، إِنْ لاقَتِ البِيْـئَةَ الصَّالِحَةَ وَالإِرْشَادَ الحَسَنَ بَقِيَتْ عَلَى نَقَائِهَا وَصَفَائِهَا، وَإِنْ لَعِبَتْ بِهَا الأَهْـوَاءُ وَالأَفْكَارُ الشَّاذَةُ انْحَرَفَتْ عَنْ طَرِيقِهَا، وَاخْتَـلَّتْ مَوَازِينُ عَقِيدَتِهَا، وَمِنْ هُنَا كَانَ بَعْثُ الرُّسِلِ مُذَكِّرِينَ وَمُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ” وَلِذا كَانَ أَسَاسُ رِسَالَتِهِمُ الدَّعْوَةَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالحِفَاظَ عَلَى العَقَائِدِ مِنْ أَيِّ أَفْكَارٍ تُخَلْخِلُهَا، أَوْ تُزَلْزِلُ مَكَانَتَهَا فِي القُلُوبِ؛ وَلَقَدْ مَكَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُرَسِّخُ العَقيدَةَ السَّـلِيمَةَ، وَيَبْـنِي التَّصَوُّراتِ الْمُتَّزِنَةَ، لِخَطَرِ مَكَانَتِها وَلِكَوْنِ الأَعْمَالِ مُنْطَلِقَةً مِنْهَا، فَالسُّـلُوكُ قَائِمٌ عَلَى العَقائِدِ وَالأَفْكَارِ، فَإِذَا حَافَظَ الفِكْرُ عَلَى نَقَائِهِ، كَانَ السُّـلُوكُ تَبَعًا لَهُ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ أَخْطَرَ انْحِرَافٍ عَنِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَعَقيدَةِ التَّوحيدِ النَّقِيَّةِ، الإِلْحادُ وَإِنْكارُ وُجُودِ الخَالِقِ العَظِيمِ؛ لِما فِيهِ مِنِ انْتِكاسٍ لِلْفِطْرَةِ رَأْسًا عَلى عَقِبٍ، وَتَنَكُّرٍ لِلْمُبْدِئِ الحَكِيمِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ ظُلْمٍ لِلنَّفْسِ عَظِيمٍ، كَمَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ لُقْمانَ لابْنِهِ: ” يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ” فَإِذَا انْتَكَسَتْ فِطْرَةُ الإِنْسانِ، وَخَلَعَ أَثْوَابَ الإِيمَانِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ سَاتِرٌ يَقِيهِ الشُّرُورَ وَالفِتَنَ، وَلا يُؤمَنُ جَانِبُهُ وَتَعَامُلُهُ مِنَ الانْحِرافِ، وَالإنْسانُ السَّوِيُّ لا يَنْتَقِلُ مِنَ الإِيمَانِ إِلَى الإِلْحَادِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، إِنَّمَا هِيَ مَرَاحِلُ يَمُرُّ بِهَا، وَدَرَكَاتٌ يَنْحَدِرُ فِيهَا، وَلِلإِلْحَادِ عَادَةً مَسْـلَكَانِ، مَسْـلَكُ الشُّبُهَاتِ وَمَسْـلَكُ الشَّهَواتِ، حَيْثُ يَفْتَحُ المَرْءُ لِنَفْسِهِ أَبْوَابَ الفِتَنِ وَالشُبُهَاتِ، وَيُطْلِقُ لِفِكْرِهِ العِنَانَ لِيَسْبَحَ فِي سَيِّئِ التَّصَوُّرَاتِ وَالخَيَالاتِ، وَمِنْ هُنَا أَمَرَ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِضَبْطِ الفُؤَادِ، وَجَعَلَ الإِنْسَانَ مَسْؤُولاً عَنْ فِكْرِهِ وَجَنَانِهِ، وَمَا يُحَقِّقُهُ مِنْ تَصَوُّرَاتٍ فِي فُؤَادِهِ وَوِجْدَانِهِ: ” إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا “، كَمَا حَذَّرَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مِنْ إِطْلاقِ الفِكْرِ فِي الخَالِقِ العَظِيمِ، وَالسَّمَاحِ للشَّيْطَانِ أَنْ يَلِجَ إِلى عَقِيدَةِ المُؤمِنِ فَيُخَلْخِلَ بُنْيَانَهَا: فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ، فَإِنَّ فِتْنَةَ كُلِّ أُمَّةٍ بَعْدَ نَبِيِّهَا تَفْكِيرُهَا فِي الخَالِقِ، وَكَذَلِكَ فِتْنَةُ أُمَّـتِي بَعْدِي))، فَيَتَشَرَّبُ الشُّبُهَاتِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَيُشَكِّكُ فِي شَرَائِعِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ، بَلْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ؛ لِيَخْلَعَ رِبْقَةَ التَّوحِيدِ مِنْ عُنُقِهِ، وَيُنْكِرَ رَبًّا أَوْجَدَهُ مِنْ عَدَمٍ، وَشَرَعَ لَهُ مَا يُصْلِحُهُ فِي حَالِهِ وَمَآلِهِ، أَوْ يَنْغَمِسَ فِي بِحَارِ المَلَذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، فَيَلِجَ أَبْوَابَهَا، وَيَسْـتَهْـتِرَ بِحُرُمَاتِهَا، حَتَّى إِذَا صَارَ فِي عُمْقٍ عَمِيقٍ، ضَاقَتْ بِهِ نَفْسُهُ، وَضَاقَتْ بِهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، فَاعْـتَرَضَ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، وَرَأَى بِبَصِيرَتِهِ الَّتِي أَعْـمَتْهَا الأَهْوَاءُ وَالمَلَذَّاتُ أَنَّ الدِّينَ قَيْدٌ ثَقِيلٌ، وَالخَالِقَ لا وُجُودَ لَهُ، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْـتَانٌ عَظِيمٌ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ تَبَنِّيَ المُعْـتَقَدَاتِ الفَاسِدَةِ خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَمَآلٌ فِي الآخِرَةِ أَلِيمٌ، ذَلِكَ أَنَّ نَشْرَهَا فِي أَوْسَاطِ المُجتَمَعِ المُسلِمِ شَرٌّ مُستَطِيرٌ، إِذِ المُلْحِدُ بِذَاتِهِ مَسْؤُولٌ عَنْ نَفْسِهِ وَمَا يَعْـتَقِدُهُ، وَاللهُ مُحَاسِبُهُ عَلَى مَا انتَهَجَهُ وَاقْتَرَفَهُ، أَمَّا إِذَا عَمَدَ إِلَى بَثِّ التَّشْكِيكَاتِ العَقَدِيَّةِ، وَنَشْرِ الأَفْـكَارِ الإِلْحَادِيَّةِ فَهَذَا أَمْـرٌ يُضِرُّ بِالجَمِيعِ، فَالعَقِيدَةُ مَدَارُ السُّـلُوكِ، وَالإِيمَانُ مَنْبَعُ الأَعْـمَالِ، فَإِذَا تَخَلْخَلَتْ عَقَائِدُ المُجْـتَمَعِ، وَاهتَزَّتْ ثَوَابِتُهُمْ؛ ضَاعَتْ سُلُوكِيَّاتُهُمْ، فَكَانَ ضَيَاعُ الهُوِيَّةِ، وَغِيَابُ الضَّمَائِرِ وَذَهَابُ المُقَدَّسَاتِ، وَانتِشَارُ الجَرِيمَةِ، وَاختِلالُ الأَمْنِ، وَضَيَاعُ الشَّعَائِرِ وَالعِبَادَاتِ، وَتَدَهْوُرُ العَلاقَاتِ، وَكُلُّهَا مَصَائِبُ وَآثَامٌ يَحْـمِلُهَا مَنْ يَعْمِدُ إِلَى نَشْرِ فِكْرِهِ العَقِيمِ وَإِلْحَادِهِ السَّـقِيمِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ آثَامِ تَابِعِيهِ شَيْـئًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ” لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ” ، وَكَمَا جَاءَ فِي السُّـنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: ((وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيْـئًا))، وَمِنْ هُنَا كَانَ عَلَى المُجْـتَمَعِ أَنْ يَقِفَ وَقْفَةً حَازِمَةً ضِدَّ كُلِّ مَنْ يُحَاوِلُ نَشْرَ شُبْهَةٍ دِينِيَّةٍ تُخَلْخِلُ الفِكْرَ الإِسْلامِيَّ النَّقِيَّ، أَوْ تُشَكِّكُ فِي الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ وَالتَّعَالِيمِ القُرآنِيَّةِ، فَإِنَّنَا فِي مُجْـتَمَعٍ مُؤْمِنٍ بِحَمْدِ اللهِ، وَوَاجِبٌ عَلَيْـنَا حِمَايَةُ الأَجْـيَالِ وَسَدُّ مَنَابِعِ الأَفْـكَارِ الإِلْحَادِيَّةِ وَطُرُقِهَا قَبْـلَ أَنْ نَجِدَ مِنْ فِتْيَانِنَا وَفَتَيَاتِنَا – أَجَارَنَا الله- مَنْ يَرْمِي بِثَوَابِتِهِ وَمُعْـتَقَدَاتِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَيَنْسَلِخُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ دِينِهِ؛ لِيَكْفُرَ بِرَبِّهِ – وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَاحرِصُوا عَلَى عَقَائِدِكُم وَثَوَابِتِكُمْ حِرْصَكُمْ عَلَى أَغْـلَى مَا لَدَيْكُمْ؛ فَفُقْدَانُ الإِيمَانِ طَرِيقُ الشَّقَاءِ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الحَمْدُ للهِ خَلَقَ الثَّقَـلَيْنِ، وَهَدَاهُمُ النَّجْدَيْنِ، وَفَتَحَ لَهُمْ سُبُلَ الطَّرِيقَيْنِ، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أَوْجَبَ حِمَايَةَ الرَّعِيَّةِ مِنْ سُبُلِ الضَّلالِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
لا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا يَشْهَدُهُ العَالَمُ مِنْ ثَوْرَةٍ فِي المَعْـلُومَاتِ وَطَفْرَةٍ إِلكْـتُرُونِيَّةٍ هَائِلَةٍ؛ حَتَّى أَصْـبَحَ إِيصَالُ الأَفْكَارِ وَالوُصُولُ إِلَيْهَا مُيَسَّرًا، فَفِكْرَةُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ يَرْمِي بِهَا صَاحِبُهَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجتِمَاعِيِّ، تَصِلُ إِلَى عَالَمٍ كَبِيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ وَلَرُبَّمَا كَانَتْ سَبَبًا فِي هِدَايَتِهِمْ أَوْ إِضْلالِهِمْ، الأَمْرُ الَّذِي صَارَتْ فِيهِ خُطُورَةُ الكَلِمَةِ وَنَشْرِهَا مُضَاعَفَةً أَضْعَافًا كَثِيرَةً، لِيَحْـمِلَ صَاحِبُ كَلِمَةِ الخَيْرِ عَظِيمَ الثَّوَابِ، وَيَتَحَمَّـلَ الدَّاعِي إِلَى الضَّلالَةِ آثَامًا عِظَامًا، وَلَرُبَّمَا كَانَ مُسْـتَهْـتِرًا بِالخَطَرِ، وَغَيْرَ مُدْرِكٍ لِعَظِيمِ الضَّرَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الهَدْيِ النَّبَوِيِّ الخَالِدِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ))، فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْـتَغِلُّ هَذِهِ الوَسَائِلَ فِي نَشْرِ الشُّبَهِ العَقَدِيَّةِ وَالتَّشْكِيكِ فِي الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ وَالشَّرَائِعِ الدِّينِيَّةِ، أَلا مَا أَعْـظَمَ إِثْمَهُمْ وَمَا أَنْكَى خَطَرَهُمْ عَلَى مُجْـتَمَعِهِمْ! مِنْ هُنَا وَجَبَ الحَذَرُ وَالتَّحْـذِيرُ مِنَ الاستِهَانَةِ بِمَا يُنْشَرُ فِي هَذِهِ الوَسَائِلِ، وَمَا يُطَالِعُهُ أَبْـنَاؤُنَا وَبَنَاتُنَا مِنَ الأَفْـكَارِ، وَمَا يَرتَادُونَهُ مِنَ المَوَاقِعِ، وَمَا قَدْ يُتَابِعُونَهُ مِنْ ذَوِي الضَّلالاتِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، فَاللهُ نَهَى فِي كِتَابِهِ عَنِ الجُلُوسِ إِلَى الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللهِ، فَكَيْفَ بِالسَّيْرِ خَلْفَ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ شُبُهَاتِ الكُفْرِ وَالأَفْكَارِ الإِلْحَادِيَّةِ؟
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَحَصِّـنُوا النَّاشِئَةَ وَالأَجْـيَالَ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِمْ بِالعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَاغرِسُوا فِيهِمْ مَعَانِيَ الإِيمَانِ بِاللهِ، ثُمَّ وَجِّهُوهُمْ فِي اختِيَارَاتِهِمْ وَمُتَابَعَاتِهِمْ، وَلا تَسْـمَحُوا لأَهْـلِ الإِضْلالِ وَالإِفْسَادِ أَنْ يُخَلْخِلُوا عَقَائِدَهُمْ، وَيَهْـدِمُوا أَفْكَارَهُمْ؛ حَتَّى لا يَضِيعَ سُلُوكُ المُجْـتَمَعِ وَقِيَمُهُ وَأَمْـنُهُ وَاستِقْرَارُهُ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ”


تاريخ النشر: 6 أكتوبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/219375

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014