الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (7)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (7)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن مـراقـبة النفـس: ولـئن كان في الحـديث ضـعـف مـن حـيـث السـنـد، فإن مـما يـقـويه أن رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) كان يـثني عـلى كـثير مـن الصحابة في وجـوههـم، كثنائه عـلى أبي بـكـر الـصـديـق وعـمـر بن الخـطاب وعـثـمان وعـلي بن أبي طالب، ومعـاذ بن جـبـل، وجـابر بن عـبـدالله وأسـامة بن زيـد، وكل ذلك ثابت في الصحـيح، ولعـله ما أثنى عـليهـم إلا لأنهـم كانـوا أهـلا للـثـنـاء وكانـوا مـن هـذا الـفـريـق.
أما إن كـنت مـن الـفـريـق الثاني: وأسـأل الله لي ولـك الـعـفـو والـعـافـية، فـإن ثـناء الـناس عـليـك سـيرسخ في ذهـنك ما تـدعـيه لـنفسـك، مـن الـمـزايا والكمالات الكـثيرة وإن في ذلك مـن الـفـتنة ما قـد يجـر عـلـيـك أخـطـر الآفـات، ولـعـله (صلى الله عـلـيه وسـلم) إنـما عـنـى هـذا الـفـريـق الثاني، عـنـد ما قـال لأحـد أصحـابه، وقـد سـمـعـه يمـدح رجـلا عـنـده:(ويحـك قـطـعـت عـنـق صاحـبك، لـو سـمعـها ما أفـلح)، مـعـناه لـو سـمع مـدحـك له، لـصـدق مـدحـك واعـتقـد أن ذلك هـو حـقـيـقـته، فـيعـتقـد الصلاح والاســتقـامة والـبـراءة لـنفـسه مـن كل عـيـب.
رواه الشـيخان مـن حـديث أبي بـكـرة، وتـمـته:(إن كان أحـدكـم لابـد مادحـاً أخـاه فـليـقـل أحـسب فـلاناً، ولا أزكي عـلى الله أحـداً، حـسبه الله إن كان يـرى أنه كـذلك).
وهـذا هـو شـأن عـبـاد الله الصالحين دائمـاً، مهـما مـدحـوا عـلى ألسـنة الناس، فإن الـمـدح لا يـزيـدهـم إلا شـعـوراً بالضآلة والـذل لله عـز وجـل، ولا يـذكـرهـم الـثناء إلا بمـزيـد فـضـل الله عـليهـم، بـل إنـهـم لا يـجـدون الـمـدح والـثـناء منـصرفا في حـقـيقـته إلا إلى الله تعالى، إذ هــو صاحـب الـفـضل كله وهـو وحـده المـمـدوح بـصفات الكـمـال الـمـطـلـق لا غـيره.
في أعـمالها وما جـبلت عـليه مـن حـب الـثـناء والـمـدح، وقــد رووا في تـرجـمـة أبي زيـد الـبسـطامي، أنه كان إذا رأى الناس ازدحـمـوا عـليه في مجـلسه وقـد شـدهـم إلـيه حـبه والثـقـة بـصلاحـه أقـبـل إلى الله يـقـول:(اللهـم إنـك تعـلـم أنـهـم يـقـصدـونـك أنـت، ولـكـنـهـم وجــدوني عـنـدك)، أي: يـقـصـدون بمـدحـهـم ذلك أنت الـمتـفـضل عـلي بـتـلك الـفـواضـل.
فـهـذه حـال العــقـلاء مـن الـناس، الـذيـن أكـرمـهـم الله بـعـونه وتـوفـيـقه أن نالـوا تلك الـدرجـة والـمحـبة والـمـدح مـن الناس، ولـذلك فـما غـاب عـن باله كل ما فـيها مـن مـوجـبات الـمـدح والـقـدح، ولـم يـدله شـعـوره إلا عـلى مـوجـود واحـد هـو الله وحـده، فـما ذا عـسى أن يـؤثـر فـيه الاطـراء والـمـدح، ومـاذا عـسى أن يـفـعـل به الانـتـقـاص والـقـدح، وهـو لا يـشـعـر مـن ذاته بأي شيء ذي بال مـما قـالـوه؟.
وإنـما كـل ما يـعـلـمه مـن حـال نـفـسه أنه عـنـد الله، وأن كل ما فـيه فـهـو مـن الله فإذا مـدحـه الـمـادحـون فالـممـدوح في الحـقـيـقة هـو الله، وإذا أقـبـل إلـيه الـزائـرون، فإن الـمـزور في الحـقـيـقة هـو الله.
وأصحاب هـذه الـدرجـة الـباسـقة مـن الـتـوحيـد والخـوف مـن الله، فـهـم يـعـاملـون الناس مـن واقـع إيمـانهـم الـكامـل، ويـتـعـامـلـون دائـماً مـع الـنـاس في حـقـيـقة الأمـر حسـب ما تكـنـه مـقاصـدهـم وضـمائـرهـم، فـهـم يـرون الـناس ويتـعـامـلـون مـعهـم تعـامـل الأخ لأخـيه المسـلم، قال تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجـرات ـ 10).
مفـاتيح النصر: قال رسـتـم للخاصة مـن أعـوانه، وقـد هـدأ الليل ورنـق الـنـوم في أعـين الـعـامة مـن جـنـده، لـيس الـرأي عـنـدي في دفـع هـؤلاء العـرب عـن بـلادنا: الـقـتال والحـرب ولـولا أن الشـاه (يـزد جـرد) أصـر عـلى أمـره لطـاولتهـم الأمـد، ولكـفـيت دولة الـفـرس مـؤونـة الحـرب مـعـهـم، فـسأله الهـر مـزان في تعـجـب، وأي سـبيـل هــذا الـذي سـيـكـفـينا شـرهـم غـير سـبـيل التأديب بالـقـتل؟، لا يـبـدو أن أي سـبـيـل أخـرى غـير هـذه سـتريح رأس العـالم مـن ضجـيجهـم ومـن غـرورهـم واعـتـداد بأنـفـسهـم.
فأجـابه رسـتم في لهـجـة تتصـنـع التـبـصر والـهـدوء، لـقـد كان فـيما ورثـنـاه عـن آبـائـنا مـن حـكـم، أن الشـجـاعـة نـوعـان: أما إحـداهـما: فـشـجاعة الجاهـل بـضعـفه المـغـتر بطـول ظـله، فـتـلك هي شـجـاعـة الـعـنـز إذ تـتـنطـع للـفـيـل مـعـتـدة بـقـوتهـا، وأما أخـراهـما: فـشـجـاعة الـمتمـكـن مـن أمـره الخـبير بـعـزمه، فـتلك هي شـجاعة الـفـيـل إذ تمـر مـن جـنـب خـرطـومه العـنـز، فـيحـرك خـطـومه فـيـرمي بها في مهاوي الـردى فـيخـلـف ظـنها تصرف الـفـيـل نحـوها.
ولـقـد كان هـؤلاء الـعـرب الـبـداة شـاعـريـن فـيمـا مـضى بأمـرهـم، متـبصـرين بـعـجـزهـم وفـقـرهـم، لا تـمـتـد أعـيـنهـم إلى ما ورارء خـيامهـم، حـتى إذا خـرج فـيهـم ذاك الــذي خـدعـهـم بـضـلال الـقـول، وأسـكـرهـم بسـحـر الـبـلاغـة، يـقصـد بـذلك الـرسـول محمد بن عـبـدالله (صلى الله عـليه وسـلم)، خـدعـوا عـن حـقـيـقـتهـم، ونسـوا ضـعـفهـم وفـقـرهـم، وانـتهـى أمـرهـم إلى مـثـل ما انتهـى إلـيه أمـر الـعــنز إذ قـامت لـتناطـح الـفـيـل، فـسـعـوا إلـينا تحـدوهـم غـشـية تلك الـسكـرة، يحـسـبـون أن أمة الـفـرس قـد تبتـلـعـها خـيامهـم السـود، وأن حضـارة كـسرى قـد تكـسـفها هـمجية الصحـراء.
فـقال الهـرمـزان: هـذا صحـيح، ولـكـن هـل تـرى مـن سـبـيـل إلى ازالة سـكـرتهـم هـذه غـير سـبـيـل الحـرب والـقـتال؟، قال رسـتم: نعـم إن السـبيل أن نبصرهـم بحـقـيقـتهـم عـن طـريـق تنـبـيهـهـم إلى حـقـيـقـتـنا التي لا تـطـاول ولا تـقـاوم، إن هـؤلاء لـم يجـدوا ولـم يـعـرفـوا في كل أطـوار حـياتهـم، صـورة الـغـنى والسـلطان، ومـن ثـم فـهـم لـم يـدركـوا بـعــد خـطـورة الـفـقـر والانحـطـاط، وحـينما يـتـاح لهـم أن يمـلـؤوا أعـيـنهـم بالـترف والنـعـيـم اللــذين نحـن نسـبح فـيهـما، وأن يـفـتـحـوا أبـصارهـم عـلى الـمـدنيـة العـظيـمة التي نـتقـلـب في جـنباتها، سـيرجـعـون إلى أنـفـسهـم وقـد أشـفـقـوا عـليهـا لـما هي فـيه مـن مسـكـنة وفـقـر، وسـتـرتـد إلـيهـم أبـصارهـم كـليـلة حسـرى وقـد أدركـوا، أن مـدنيـة الــذهـب والـد يـبـاح لا تحـارب بحـجـارة الصـحـراء وخـيـامهـا.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى