Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

(ولا تمش في الأرض مرحاً)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: قد يقول قائل: أليس كل شئ بقدر الله؟ وآجال الناس مكتوبة؟ وتتعدد الأسباب والموت واحد؟ وأن الأجل إذا جاء لا يقدم ساعة ولا يؤخر؟ وأن الأجل إذا حان والإنسان ضاحك ملئ فيه أو نائم مستغرق في نومه أو صحيح سليم معافى ؟ كل ذلك صحيح وتؤكده النصوص مثل:
قوله تعالى:(ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله)، وقوله:(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها).
ولكن الشرع الذي علمنا أن كل شئ بقدر الله علمنا أيضا احترام سنة الله في الأخذ بالأسباب ونهانا عن إلقاء النفس إلي التهلكة فقال:(ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة)، وعلمنا أن المرض قدر الله ولكنه أمرنا بأخذ الدواء، فالدواء سبب والشفاء من الله، وأمرنا بالسعي علي المعاش فالسعي سبب والرزاق هو الله، وأمرنا بالزواج وهو سبب لإنجاب الذرية والولد، ولكن الزواج سبب وقد يكون كلا الزوجين عقيم، فالنطفة سبب والخالق هو الله.
وروي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إياكم والجلوس على الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا. نتحدث فيها، فقال: إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وهذه حقوق الطريق:
1 ـ غض البصر: فذلك حق لأهل الطريق من المارة والجالسين، تحفظ حرماتهم وعوراتهم، فالنظر بريد الخطايا، وإنك لترى في الطرقات والأسواق من يُرسل بصره ليملأ قلبه فتنة ويزرعه شهوة، وقد يُتبع ذلك بكلمات وإشارات قاتلة للدين والحياء مسقطة للمروءة والعفاف، كما ينبغي على راكب السيارة مراعاة حرمات الناس وعوراتهم أثناء الوقوف عند الإشارات المرورية لقرب السيارات بعضها من بعض، فهذا حق الطريق، وعليه الانتباه لما هو فيه من الطريق حتى لا يهلك ويهلك من معه ومن حوله.
2 ـ كف الأذى: وكف الأذى عن الطريق من أبرز الحقوق. والأذى كلمة جامعة لكل ما يؤذي المسلمين من قول وعمل، يقول (صلى الله عليه وسلم):(لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) وحينما طلب أبو برزة ـ رضي الله عنه ـ من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يعلمه شيئاً ينتفع به قال:(اعزل الأذى عن طريق المسلمين)، وفي خبر آخر:(بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له).
3 ـ الطريق ملك للجميع: وهو من المرافق العامة، للجميع الانتفاع به بما لا يضر الآخرين باتفاق الفقهاء، ومنفعته الأصلية: المرور فيه، فليس ملكا خاصا لأحد.
4 ـ أحزمة الأمان سبب في النجاة والاطمئنان : كلنا موقنون أن السلامة والحفظ هي بيد الله عز وجل (فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين)، ولكن الشرع أمر بأخذ الأسباب والعمل على وفقها لا الاعتماد عليها، وقد ثبت بالتجربة القطعية أن حزام الأمان يخفف من فداحة المصيبة أثناء الحادث ويحمي السائق من هول الاصطدام، ولا ننسى أن هناك أحزمة أخرى للأمان تقي بإذن الله عز وجل من أخطار كثيرة بشرط أن تطبق بصدق عقيدة وقوة يقين، مثل: دعاء الركوب ودعاء السفر وملازمة الأذكار أثناء قيادة السيارات.
والحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في حالات محددة.
رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، كلمة غالية قالها عمر بن عبدالعزيز لابنه حينما علم أنه اشترى خاتماً بألف درهم، فقال له: بع الخاتم وتصدق به علي ألف مسكين واشتر خاتما بدرهم واحد واكتب عليه: رحم الله امرئ عرف قدر نفسه.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) نعم، من تواضع لله رفعه.
أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله) وهذا مصداق الآية:(إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).
نحن نعيش في غيوب مستورة، فلا نعلم ما الذي سيكون بعد لحظة، لعل أحدنا في رأسه آمال لعشرات السنين وبقي في أجله عشر دقائق ويلقى الله، لماذا جعل الله لحظة الموت في الغيب؟ حتى يكون العبد في دوام وكامل اليقظة، فيجدد التوبة ولا يصر علي معصية، فلا يدري أحد متى سيغادر الحياة إلي الدار الآخرة؟ لا يدري هل يموت غريقاً أو حريقاً أو مريضاً؟ علي فراشه بين أهله أم بعيداً غريباً عن أهله ووطنه؟ هل سيأتيه أجله في سيارة أو طائرة أو عبارة؟ لا يدري أحد كيف ستكون الخاتمة، ولكن هناك بشريات لأهل الإيمان الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، أن الله يرزقهم حسن الخاتمة، وقلوب الصالحين معلقة بالخواتيم، روي أحمد والترمذي عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :(إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه).
* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر


تاريخ النشر: 6 أكتوبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/219379

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014