Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

من بلاغة القرآن الكريم

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
كلُّ ما في القرآن الكريم معجز: حروفه، وكلماته، وجمله، وعباراته، وصوره، ومقاطعه، وأخيلته، وعندما نقرأ نجد البلاغة تقطر من هنا، وترشح من هناك، وتطالعنا هنالك، وكلما قرأنا كشف الله لنا عن جليل قوله، وكريم لفظه، وواسع عطائه، وعظيم مَنِّه، وهنا يقول القرآن الكريم:)لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(، ونقف عند عطاءات كل حرف، ونعتبق شذا كل معنى، ونتفيأ ظلال كل دلالة، فاللام واقعة في جواب قسم مقدر، أي:(وعزتي وجلالي لقد كان لكم ..) وهي (أي اللام) تفيد التأكيد، وتثبت المعنى في القلب، و(قد) حرف تحقيق تفيد ترسيخ المعنى في النفس، و(قد) إذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق، نقول: (قد أفلح المؤمنون) أي: تحقق فلاحهم، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي: قد حصل، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ..) وقد كان، فالحرف (قد) يفيد التحقيق ، والفعل (كان) يفيد حصول الفعل في زمن مضى، فأسوته (صلى الله عليه وسلم) محققة، وقدوته من قديم الأزل ثابتة كائنة، واجتباء واصطفاء الله له حاصلٌ منذ خلق ومن ثم فقد قال الله تعالى:(لقد كان لكم) فهذا الاقتداء مقدَّرٌ في علم الله، وكائن في مشيئته يوم خلق السموات والأرض لأن الله لا زمن يحويه، ولا مكان يقيِّده، وهو خالق الزمان والمكان، ثم إن قوله:(لكم) اللام فيه للملكية، فكلُّ من يتبع الرسول ويتخذه أسوة هذا الاتباع هو مكسب له، فاللام للاكتساب، وتحصيل الخير: و(لكم) أي لمجموعكم ولشخوصكم، فكل فرد أو مجموعة أو أسرة أو قبيلة أو أمة أو مجتمع أخذ بسنته، ومضى على طريقته كان له أسوة، وكَسَبَ خيراً كثيراً، والفرد والمجموع كاسبٌ، وجامع لكل الخير إنْ قدَّم الشرط، وهو اتخاذه أسوة، وجعله مناط قدوة، وقوله:(في رسول الله) تركيب إضافي بدأ بكلمة (في) التي تفيد الظرفية، أي: في كلِّ ما ترك لنا من سنة قولية أو فعلية، عملية أو تقريرية، (في) تفيد الظاهر والباطن، الحياة العامة والخاصة، سواء كان تعاملاً مع الناس أو انفراداً، قياماً لليل، أو صوماً للنهار، بيعاً أو شراء، ضحكاً أو بكاء، فرحاً أو حزناً، سفراً أو إقامة، حرباً أو سلماً، حباً أو بغضاً، خصاماً أو صلحاً، قعوداً أو وقوفاً، صمتاً أو كلاماً، كل ذلك فيه خير كثير، وفضل كبير، ولا بد من معايشة السنة وإدراكها وفهمها لفظاً ومعنى حتى نحقق الظرفية في شخصه الشريف، كأننا في تعمقنا وفهمنا وإدراكنا لها نكون قد انظرفنا فيها، وعشنا فيها، ودخلنا حتى لا يرانا الرائي، أو ينظرنا الناظر، فكأننا ظُرِفْنا، فلم نعد نُرَى، فيتحقق فينا الظرفية بمعناها الشكلي، كما تحققت فينا بمعناها العملي السلوكي، فكل ما في الرسول، وفعله، وقوله: هو لنا محل أسوة، ومناط قدوة، والإضافة هنا:(رسول الله) للتشريف، فهو رسول من الله، أو مرسل من عند الله، ولم يقل القرآن:(رسوله أو رسول ربه) وإنما أضافها إلى الاسم الأعظم الذي هو:(الله) الذي لا سَمِيَّ له، وهو اسم الجلالة (الله)، وهو اسم جامع لكل صفات الجمال والجلال والكمال، ولتطمئن النفس كلَّ الاطمئنان إلى أنه رسول من رب العالمين، مالك الكون، وصاحب الأمر والنهي، فيطمئنوا على ما جاء به وعلى سنته، ويمضوا للعمل بها، والسير وفق منهجها، وعلى خطاها، وقوله عزوجل:(أسوة حسنة) أسوة أي قدوة من التأسي، والآسي هو الطبيب، وهو مأخوذ من الفعل أسا يأسو الجراح، أي طبَّبها، وعالجها حتى تشفى، وتعود قوية فتية، فالرسول أسوة، وسيرته تشفي، وسنته تعالج النفس من كلِّ أوجاعها، وأوصابها، وأتعابها، ومشاكلها، وأمراضها، ووساوسها، ومنغصاتها، وآلامها، وتحقق لها آمالها، ومن يتتبع خُطا الرسول الكريم لا يمرض، ولا يتعب، ولا يتألم لأنه معه الشفاء التام، والعلاج النافع لآلام البشرية كلها، وكلمة:(حسنة) صفة مشبهة، أي أن الحسن فيها ثابت، مستقر، دائم، لا ينقطع، فالأسوة فيه هي الحسن كله، واستمرار الجمال كله، واستدامة السلامة على طول الدوام، وتنكير: (أسوة)، و(حسنة) لتشمل كلَّ ألوان التأسي، وكلَّ أصناف الحسن، وكل أطياف وأنواع الكمال الإنساني بكل ما فيه من أصناف وأطياف، فهو أسوة حسنة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، وما تشتمل عليه من دلالات ومفاهيم وقيم وأخلاق وآداب.
ولكن الآية هنا وضعت ثلاثة شروط لتحقيق ذلك :خلاصته: أن الشرط الأول: (لمن كان يرجو الله، واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً، فهو أسوة حسنة، نعم، ولكن لكل من كان يرجو الله) أي يرجو رحمته، ويعمل بشرعه، ودينه، وتعاليمه، وضوابط ما أنزله على رسوله ، فإذا كان كذلك فقد حقق الشرط الأول بأن يرجو ربه منذ نعومة أظافره، ومنذ أدرك معنى الأسوة، واستدام الرجاء؛ لأن الفعل المضارع (يرجو) يفيد الاستمرار، فرجاؤه لله مستمر، ثابت، دائم، والذي يرجو الله صباحَ مساءَ، وليلَ نهارَ يكون على ذكر دائم منه، لا ينساه، ويعمل بمقتضى رحمته، ووفق هداه، فهو دائم الطاعة، متواصل العبادة بكل أنواعها: ذكراً، وصوماً، ودعاء، وصلاة، وزكاة، وصلة رحم، وفعلَ كلِّ ما من شأنه استمرار رجاء الله، واستدامة ثوابه وفضله، والشرط الثاني:(واليومَ الآخر)، ومعنى ذلك أنه يجعل الآخرة هي همه، وشغله، وهي كلُّ فكره وشاغلة قلبه، ومالئة عقله، يفكِّر في منازلها، ويخشى خطورتها، ويعلم كل ما يجري فيها، وأنه يلجأ إلى ربه كلما عايشها، وبكت نفسه من هولها ومنازلها هلعاً، وارتج فؤاده خوفاً، وفزعاً، وارتعدت فرائصه وجلاً، وفَرَقاً، وفي الحقيقة، فإن تصوُّر اليوم الآخر مرعبٌ بكل أحداثه، بدءًا من انكدار نجوم، وتكوير الشمس، وتسجير وتفجير البحار، وانفتاح السماء أبواباً، وتسيير الجبال كالعهن المنفوش، وانتهاء بالحساب، والوقوف بين يدي الله، وكل شيء بين يدي الله يرتعد، ويسلم إجلالا وفَرَقًا، والشرط الثالث:(وذكر الله كثيرا) أي ذكرا كثيرا ، ففيه حذف، أو إيجاز بالحذف، فإذا استجمع المسلم كلَّ تلك الشروط نال الحظوظ، وحصَّلَ الجائزة الكبيرة بأن يكون رسول الله أسوته، ونبيُّ الله قدوته ، فينال رضا الله، ومحبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نسأل الله أن يرزقنا جميل الاتساء به، وجليل الاقتداء بسنته، وأن يجعلنا له ذكَّارين، له شكارين، ولليوم الآخر ذاكرين، غير ناسين، وعاملين غير كسالى، ولا مفتونين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 6 أكتوبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/219380

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014