الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خرائط العنصريين وسياسات المصالح

خرائط العنصريين وسياسات المصالح

علي عقلة عرسان

” أبو مازن رئيس لشعب آخر يتلخص وجوده في قواه الأمنية التي تنسق مع جيش الاحتلال وتلاحقه بحثاً عن المخطوفين الإسرائيليين بأوامر من السلطة في رام الله، تلك حالة أكثر من مزرية ولا نظير لها في العالم الذي شهد الكثير من أشكال نضال حركات التحرر ولكنه لم يشهد هذا الأنموذج؟!”
ـــــــــــــــــــــــ

قتَل الجيش الصهيوني ستة فلسطينيين واعتقل أكثر من ثلاثمئة على حد قوله بينما يؤكد مكتب نادي الأسير الفلسطيني أن عدد المعتقلين بلغ 529 معتقلاً ـ أسيراً، ومشط العدو الضفة الغربية وما سموه أماكن الإخفاء المحتملة، بما فيها من آبار وحُفَر مياه.. وجعل الرعب يسعى على قدم وساق في مدن الضفة الغربية وقراها، وهو يداهم ويقتل ويهاجم تحت لافتة ادعاء رئيس الوزراء نتنياهو المكتوبة بالدم الفلسطيني التي تقول بصفاقة لا مثيل لها: ” لا توجد لنا أي نية لأن نمس عن عمد بأحد، ولكن قواتنا تتصرف بالشكل اللازم للدفاع عن النفس.”؟! إنهم يقتلون الفلسطينيين بحثاً عن ثلاثة صهاينة اختفوا في غوش عتصيون.. بينما يتصاعد الكلام الإسرائيلي بالتزامن مع تصاعد الوحشية في جيش الاحتلال في أثناء متابعة ما سموه عملية ” عودوا إلى البيت أيها الأخوة”، أما الذين قتلوهم من الفلسطينيين وعددهم ضعف عدد المخطوفين، وكذلك الذين اعتقلوا وهم بالمئات فلا بيوت لهم يعودون إليها ولا عائلات لهم تنتظرهم، لأنهم بنظر الصهيوني العنصري القذر ليسوا من البشر.
أبو مازن رئيس لشعب آخر يتلخص وجوده في قواه الأمنية التي تنسق مع جيش الاحتلال وتلاحقه بحثاً عن المخطوفين الإسرائيليين بأوامر من السلطة في رام الله، تلك حالة أكثر من مزرية ولا نظير لها في العالم الذي شهد الكثير من أشكال نضال حركات التحرر ولكنه لم يشهد هذا الأنموذج؟! إن الهدف التكتيكي المعلن للعملية الإجرامية التي تستمر ليلاً ونهاراً منذ عشرة أيان ونيف اهو إعادة المخطوفين أما الهدف الاستراتيجي الأساس فهو تدمير حماس وكل ما يتصل بها وبالمقاومة من بنى تحتية، والقضاء على وحدة الشعب الفلسطيني وحكومة الوحدة التي رأت النور بعد جهود مضنية، وذلك معلن بصيغة اشتراط على أبي مازن أن يقوم بقك الارتباط مع غزة وحماس وإلا.. وإلا؟! وإلا ماذا يا ترى.. تدمير غزة وبنى مؤسسات كثيرة في الضفة ومعاقبة الشعب الفلسطيني على الوحدة وقتل إرادته، والعودة بأبي مازن وفريقه إلى مفاوضات مطولة يقضم فيها خلالها الإسرائيلي ما تبقى من القدس وأرض الضفة، ويقضي على المقاومة التي يمكن أن ترفع رأسها حتى في قلب مولود فلسطيني يصرخ بمواجهة الحياة ولو بعد خمسين سنة؟! النوايا الإسرائيلية قرارات سياسية وعسكرية تنفذ على الأرض في هذا المجال، والصهيوني لا يخبئ شيئاً، ونجاح أبي مازن في مجرد البقاء يتوقف كما يقول نتنياهو ومن يوعز لهم في مكتبه، يتوقف على” فحص أقواله في السعودية بشكل عملي.. ليس فقط من خلال الأعمال لإعادة الأبناء بل وأيضا في استعداده لتفكيك حكومة الوحدة مع حماس”، هذه أقوال وقرارات المسؤولين الصهاينة بوضوح وبصورة معلنة لا لبس فيها يقولونها له ولسواه، ويذهب بعضهم في قوة الامتحان المنتظر إلى درجة أن الرئيس عباس “.. سيضطر إلى أن يبت أمره إلى أين يتجه هل إلى تنسيق مع إسرائيل أم إلى تنسيق مع أبناء شعبه.”؟! فهل هناك فداحة أو وقاحة أكثر من هذه في طرح خيارات على رئيس دولة أو زعيم شعب أو..؟!
أنا لا أريد مقاربة دور الرئيس الفلسطيني ومواقفه في هذه الأزمة، لا سيما خطابه أمام المؤتمر الإسلامي في جدة، وهو خطاب ينبغي أن يبقى في الذاكرة الفلسطينية والعربية المؤيدة لعروبة فلسطين إلى مدى بعيد .. وأرفض ما تضمنه من إدانة للخاطِفين ووصفه لهم بالإرهابيين، وأتوقف عند هذا الحد لأنني لا أريد أن أنبش ما في الذاكرة ولا أن أخوض في هذا الأمر .. فتلك مهام قام بها فلسطينيون، ومنهم من وجه أسئلة بملء الصوت فقال: ” محمود عباس من أنت؟ أو أبو مازن رئيس لأي شعب؟ وهناك من سماه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، ومن أطلق حكماً أقسى من أي تساؤل مثلما فعلت النائب في الكنيست حنين الزعبي ومعها آخرون.. “.. تلك مواقف أهل البيت الفلسطيني، وأهل مكة أدرى بشعابها.. لكن ما أقاربه هنا أكثر من سواه، بهذه المناسبة وانطلاقاً مما يقوم به جيش الاحتلال على الأرض، بتنسيق أمني تام مع أجهزة السلطة الفلسطينية، هو عمل الصهاينة تحت هذه المظلة ومن خلال هذه العملية على الهدف الرئيسي والمحور الكبير الذي يعملون عليه مع حلفائهم الغربيين، أعني تنفيذ المخطط الموضوع لإعادة تقسيم المنطقة كلها بعد إضعافها وإلحاق الشلل بدولها وإشعال الحرائق فيها وزج أهلها في قتال بعضهم بعضاً بدفع العجلة أو كرة النار المذهبية وجعلها تكرج وكأنها ذاتية الحركة .. وهو المخطط الذي بدأ بغزو العراق وتدميره عام 2003 والتأسيس لتمزيقه بدستور وقوانين وصيغ وخيارات سياسية، وإثارة نعرات قومية وطائفية ومذهبية فيه وانطلاقاً منه لتنتشر في بلدان عربية وإسلامية، ومن ثم القضاء على المقاومة للاحتلال، وتغذية كل ما يتصل بالفتنة “السنية ـ الشيعية” على الخصوص التي يُراد لها أن تستشري وتمزق وتحرق وتقتل وتبيد عرباً ومسلمين، وتعيد تقسيم المنطقة بتفتيتها طائفياً ـ مذهبياً ـ عرقياً.. ابتداء من سوريا والعراق وانتهاء بالخليج والأردن الذي عليه عين الإسرائيلي 24$ في كل يوم.. والسيطرة على ثرواته ولا سيما الطاقة فيه.
في هذا الصدد لاحظ سياسيون وصحفيون صهاينة ملاحظة وجيهة ” فقد تحولت العملية العسكرية من مطاردة مركزة لخاطفي الثلاثة الإسرائيليين إلى معركة واسعة ليس لها هدف، وفي جزء منها تشمل أيضاً مكافحة رموز وطنية.” ونقش آخرون منهم موقف وآراء في جبهة الحدث تقع في صلب الهدف حيث تصب خدمة المخططات الصهيونية القديمة التي يتم العمل عليها الآن بتعاون وثيق بين ” إسرائيل” وحلفائها وأعوانها ومن يهزجون في عرس ليس لهم فيه إلا التعب والخسارات بأنواعها وبعض الغضب، وحدد أولئك الناقشون على جبهة الحدث موقف كيانهم ودوره بشيء من التمني أو التوقع أو الطلب إن صح التعبير، فقال قائلهم: ” إسرائيل مطالبة بأن تواصل الاستعداد لسيناريو انزلاق الأحداث إلى حدودها.. يحتمل أن يكون حان الوقت للاستعداد فكرياً بل وعمليا لنشوء فكرة إعادة تنظيم المنطقة السورية العراقية، وأساسها تفكك الدول القومية القائمة وإقامة دول على أساس طائفي/عرقي: دولة علوية في غرب سوريا، كردستان في شمال العراق وسوريا، دولة سنية في منطقة شمال غرب العراق وشمال شرق سوريا، ودولة شيعية في مركز وجنوب العراق. يحتمل أن تكون خطوط التقسيم الطائفية والعرقية هي الأكثر طبيعية واستقراراً.”.. هذا بعض ما نقشوه على صفحات وجوههم باستبشار، وفي هذا الإطار يرى الصهاينة الخطر المحدق بالأردن، وأعينهم لا ترتفع عن الأردن، وهم يرون أنه في خطر وأنه” يحتاج إلى سند عسكري استراتيجي واضح، وأن السند الاستراتيجي والعسكري الوحيد العملي له هو “إسرائيل”.. ويأتي هذا في الوقت الذي أبدت فيه المملكة العربية السعودية قلقها على الأردن واستعدادها لإرسال قواتها لحمايته من التفكك على يدي التنظيمات المسلحة وعلى رأسها داعش التنظيم الذي خرجت مسيرات مؤيدة له في “معان” جنوب الأردن، ورُفعت راياته هناك على حدود السعودية مع الأردن.. فهل في ضوء توجه الصهاينة نحو هذا السيناريو يمكن أن نقراً الأحداث ونفهم التصعيد بوصف ذلك إشارة لبداية التنفيذ أعطتها واشنطن للعمل على نطاق أوسع بعد خطاب الرئيس أوباما في وست بوينت أقرر بأن “التهديد الأساس اليوم لا يأتي من القيادة المركزية للقاعدة، بل من شركاء القاعدة المتطرفين والمتناثرين”، واقترح “تخصيص مصادر لتدريب وبناء قدرات الدول المشاركة في خط الجبهة في مواجهة المتطرفين الجهاديين.”، ونفضَ يده من معارضة سورية معتدلة تسقط النظام، ورأى في ذلك ” فنتازيا” لا أكثر، وبعد دعم لها ودعم ومواقف من أجلها ومواقف؟! ألا تأتي الهجمات الإسرائيلية بطائرات F 16 على تسعة أهداف للجيش العربي السوري في الجولان ورمي بعضها بالصواريخ، وأدى الهجوم إلى سقوط أربعة شهداء وجرح تسعة، إضافة إلى إلحاق أضرار كبيرة بالمواقع والمعدات، وذلك رداً على انفجار سيارة قرب القنيطرة المحتلة قتل فيه فتى عربي وجرح أبوه المقاول مع الجيش الإسرائيلي، حيث حمَّلت إسرائيل الجيش العربي السوري المسؤولية عن الانفجار، وهي تعلم أنه يخوض معارك مع المسلحين في المنطقة وأن الانفجار الذي حدث مجهول المصدر.. ومن الملاحظ بوضوح أن الرد استفزازي وبسلاح نوعي وهو أكبر من الحدث بكثير، ولا شك في أنه يحمل في طياته إشارة للمسلحين تقول: نحن هنا.. نحن معكم.؟!.. وكل ذلك يتزامن تقريباً مع التخطيط الأميركي ـ الفرنسي لإرسال طائرات مقاتلة وجنود بأعداد محدودة إلى العراق، وتأكيد الوزير كيري للمالكي يوم الاثنين 23/6/ 2014، بعد أن وعده المالكي بحكومة جديدة في بغداد نهاية يونيو الجاري، تأكيده على “.. إن واشنطن مستعدة لتجسيد مُحاربة الإرهاب في العراق ميدانياً، وفق اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع بغداد، لاسيما التعاون الأمني والتسليحي.” ويأتي بعد توسع داعش في الشمال والغرب، وبعد سيطرة ثوار العراق المتعاونين معها، من أبناء العشائر وغيرهم، على” مصفاة بيجي النفطية في محافظة صلاح الدين بشكل تام”، والسيطرة على معبري الوليد والقائم على الحدود السورية وعلى معبر طريبيل على الحدود الأردنية.؟!
الأمور الداخلية في المنطقة تأخذ منحى تصعيدياً من جهة والتدخل الدولي أصبح على الأبواب من جهة أخرى، وحرب “الأخوة” ضد ” الأخوة ” لا تبدو في طريقها إلى الانتهاء، والحكام محكومون بداء ” الانتصار لأنفسهم وتثبيت طغيانهم” على الأوطان وبالأوطان، مهما كلف ذلك من ضحايا ودمر من عمران وأسس من أحقاد وضغائن، ورجال الدين المسلمين بمجامعهم، وفرادى وجماعات إلا من رحم ربك، ينتقلون من فتاوى التكفير إلى إعلان النفير ودق طبول الحرب، وحين تتهاطل عليهم المصائب مع شلالات الدم يفكرون باستئناف حوار التقريب بين المذاهب لأن الحرب ليست الحل، لكن بعد أن تحاوروا لعقود من الزمن من دون أن يتقاربوا، ويغرقون في الكلام بعد أن يغرقوا الكثير من المسلمين في دماء حروب المذاهب ويزجوهم في “الانتصار لخليفة من الخلفاء الراشدين” الذين لا يمكن أن يروا في التحريض على الفتن، والاقتتال بين المسلمين، أي رشد ولا أي نوع من النصر لأي منهم على الآخر هذا إذا افترض أصحاب العقول المريضة أنهم في حرب فيما بينهم، ولا يقر أي عقل أن في اقتتال المسلمين اليوم باسمهم أو لإنصافهم وللانتصاف لأحدهم.. بل ليس في ذلك إلا ضياع المسلمين دنيا وآخرة، ودمار بلدانهم، ونصى لأعدائهم عليهم، وتشويه لصورة المسلم ولفهمه للإسلام وممارساته باسم الله والإسلام. وفي رأيي أنه يصيب مركز الهدف كل من يقول بأن هذا ضد العرب والعروبة، وضد الإسلام والمسلمين، ويدخل في باب المؤامرة عليهم جميعاً.. وقد قال سياسيون ومفكرون وعلماء دين ومفكرون عرباً ومسلمين شيئاً من ذلك لكن بقي كلامهم في الهواء، وينطبق ذلك على وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف الذي أصاب الهدف وأخفق في التشخيص أو التوصيف حين قال:” إنّ الأحداث الأخيرة في العراق “ليست حرباً بين الشيعة والسنة”، بل إنّ ما يحدث هو “مؤامرة أجنبية تهدف للحيلولة دون الظهور القوي للعالم الإسلامي في ساحة التطورات الإقليمية والدولية.. وأنه علی الدول الإسلامية المؤثرة أن تنظر بوعي ورؤية استراتيجية إلى تطورات الأحداث، وأن تمنع التفرقة المثارة من قبل أعداء العالم الإسلامي بين الطوائف الإسلامية”. لقد بدأت بعض العداوات الدولية تتحول إلى تعاون، أو إلى ترحيب بالتنسيق والتعاون على أرضية ما يجري في بلاد المسلمين، لا سيما بين الولايات المتحدة وروسيا وبينها وبين إيران، واتفقت الدولتان الأعظم على محاربة ” الإرهاب”.. ولكن أي إرهاب ؟! وكل أولئك لا يتفق على تعريف للإرهاب ولا على موقف موحد منه، ومن يحاربه هنا بينما يستثمر فيه ويدعمه هناك.. ذلك لأن المصالح ـ والسياسات مصالح ـ تحدد المفاهيم والمعايير وتقرر الأحكام وتقيم العلاقات وتنشئ الخلافات والعدوات وحتى الحروب، والمصالح لا أخلاق لها ولا ضمير ولا دين، وصاحبها قُلَّب، ويمكن تشبيهها بالإرهاب الخالص الذي لا دين ولا وطن ولا هوية ولا خُلق له.. فهو الإرهاب لتحقيق أهداف الإرهابيين سواء أكانوا دولاً أم تنظيمات أم أفراداً.. ولكن الاستثمار في الإرهاب من جانب دول وقوى وتنظيمات و.. و.. تجعل بعضه حراماً وبعضه حلالاً، حسب القوة والنفوذ والهيمنة.. ومن هنا تأتي صعوبة الاتفاق والحسم.. فالإرهاب الذي يُقضى عليه هنا يفرِّخ ويكبر هناك، والمقاومات المشروعة للشعوب دفاعاً عن النفس والأرض والحق والكرامة والوجود ذاته تشوهها السياسات والمصالح والتحالفات وأنواع القوة فتدخلها في باب من أبواب الإرهاب بينما تخرجها سياسات وقوى وتحالفات مضادة من دياجيره وظلماته.. وتبقى الأمور سجالاً بين كرٍّ وفرّ، وهي كذلك في مجلس الأمن الدولي مذ وُجد.. وهكذا يأكل العالم دائماً من أطباق السياسات والمصالح المسمومة، ويدفع فقراؤه وبسطاؤه وجهّاله والأنقياء فيه الثمن الفادح لتلك المصالح والسياسات.. وتستمر الحياة موت على موت، ومعاناة بعد معاناة.. ولات دون مناص لحي يعيش بين الذئاب في غابات السياسة والمصالح، لا سيما حين تحكمهما عنصرية بغيضة كتلك التي عليها الإسرائيليون، ومن يدعم إرهابهم من شركائهم في العنصرية والإرهاب من الأميركيين في الولايات المتحدة.

إلى الأعلى