الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ذكرى الوحدة الألمانية.. ودروس ثقافية وسياسية

ذكرى الوحدة الألمانية.. ودروس ثقافية وسياسية

علي عقلة عرسان

إن منطق الحياة يشير إلى استمرار التقدم والتغيير والتحول، ولكن منطق الحياة يشير أيضا، إلى ثبات ما هو سليم ومنطقي وأصيل وراسخ عبر التاريخ، ويشكل الهوية. إن صراع الأجيال من حقائق الحياة، وربما كان لا يأخذ طابعا جديا في مجالات الكتَّاب، ولكنه موجود بدرجات مختلفة، ولا يجوز أن نهمله، كما لا يجوز أن نضخِّمه.

قبل أربعة أيام، بدأت احتفالات ألمانيا الاتحادية بالذكرى العشرين لتوحيد شطري البلاد، بعد أربعة عقود من التقسيم المفروض، نتيجة لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، على النازية. توحدت ألمانيا “شرقية وغربية”، في دولة واحدة يوم الثالث من أكتوبر ١٩٩٠، بعد أن تم هدم جدار برلين قبل سنتين من ذلك التاريخ “١٩٨٩”، وكان للمستشار هلموت كول جهد كبير في ذلك الإنجاز، ذكرته المستشارة ميركل في خطابها بهذه المناسبة، إذ قالت بهذا الشأن: “إن كول كان دائما “يروج لحق أمتنا في الوحدة، فيما ارتضى آخرون بتقسيم بلادنا”، “إنني أصف ألمانيا الشرقية السابقة، بكل وضوح، بأنها دولة استبدادية، أمكن التغلب عليها بشكل سلمي، من قبل “أشخاص شجعان”.
جاء في إعلان إنشاء الجمهورية: “لقد نشأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 1949 على الخريطة دولة ألمانية شعارها وإلى الأبد، لا الحرب بل صيانة السلام، ولا الكراهية بل الصداقة بين الشعوب. وهنالك لأول مرة في التاريخ، دولة ألمانية، يعلن شعبُنا وبكل سريرة نقية، وأمام العالم، مناصرته لها.” وقد رُفِع فيها شعار: “لا يجوز أن تنطلق أبدا حربٌ عالمية جديدة، من الأرض الألمانية”. وفي انطباع سجله توماس مان عام ١٩٥٢ قال: “لدي انطباع بأن جمهورية ألمانيا الديمقراطية، تبدي الاحترام والتقدير الكبيرين للفكر إذا لم يكن معاديا”. وأضيف إلى ذلك: “أنها اليوم تفتح صدرها للحرية، وتتسع لرأي المعارضين، وتناقش الفكر المعادي”.
في كثير من الأماكن والمواقع والأزمان، لا تحتلف الآراء والأحكام، باحتلاف المفاهيم فقط، بل بالانتماءات الأيديولوجية، واستنادا إلى الموضوعية، والحكم على الممارسات بمنهجية علمية.
في افتتاح دورة أعمال المؤتمر العاشر للكتاب في برلين الشرقية، عاصمة ألمانيا الديمقراطية، حدد إيريش هو نيكر، الأمين العام للحزب رئيس الدولة، في كلمته أمام المؤتمر ١٦/١٢/١٩٨٧ بعض معالم توجه راسخ في عمق التكوين والتوجه الألماني، من وجهة نظره، حيث قال: “لا يوجد بديل مقبول عن التعايش السلمي بين دول ذات أنظمة اجتماعية متباينة، ويستنتج من ذلك أنه ينبغي استبدال المجابهة، بتعاون قائم على قاعدة عريضة. وهذا ما ينطبق أيضا على العلاقات مع جمهورية ألمانيا الاتحادية. ونحن على يقين من أنه على طريق كهذه فقط، يتم بناء الدار المشتركة “أوروبا”. دار سلمية لجيرة حسنة، بين دول اشتراكية ورأسمالية(…) دار لا تشكل فيها المجابهة، بل التعاون بين دول ذات أنظمة اجتماعية متباينة، القانونَ الأساس لنهج كل بلد، ولقيادة كل حزب ودولة”.. هذا المنطق حل، أو حاول أن يحل، محل منطق آخر تجاوزته المعطيات المعاصرة في تلك الفترة، ويشكل مدخلا أكثر واقعية في السياسة الدولية، وفي العلاقات الاجتماعية والثقافية، بين الدول والشعوب والثقافات، فكيف بين دول، أو دوليتن، لشعب واحد ذي لغة واحدة وثقافة واحدة؟!
في ذلك المؤتمر، المؤتمر العاشر للكتاب، ظهر لي جيلان من الكتاب:
ـ جيل يعيش، بعد رحلة الحرب وما قبلها، يعيش للمرة الثانية رحلة ما بعد الحرب. وهو جيل له رؤية: فقد تعذّب وتشرّد وانتُهك ضميره، وتعرت روحه وجُرِّحَت على أكثر من شفرة سيف. ولقد رأيت كثيرين منهم، واستمعت، من فوق منصة مؤتمرات دولية، اعترافات وإدانات للذات، صادرة عن ضمير يفيض بالمعاناة، وشخصية تريد أن تتحمَّل وزرَ الآخرين وذنوبَهم.
- وجيل الشباب الجديد، الذي ينظر إلى جيل الكبار، على أنهم انتهوا، أدوا أدوارهم، وما عليهم إلا أن يتواروا، وأن يخلوا الساحة للنشء الذي يتفتَّح في أفق ومناخ آخرين، “مختلفين”. وهو جيل بعيد عن الشعور بالمعاناة، لم يذق طعم ويلات الحرب.. ربما شاهد بقايا الأحياء المهدَّمة، ولكن الآباء وفروا له طفولة أقل قسوة، وحياة أكثر لياقة بالإنسان، وها هو يتنفَّس هواءً مغايرا لذاك الذي تنفسه الآباء.. جيل له أحلام وآمال وتطلعات، ويعيش في ظروف مختلفة نسبيا، يريد أن يحقق ذاته، وأن يتجاوز قيودا، يشعر بوجودها.. ولذا فهو يتململ، ويريد أن يغير، وربما أن يحطم أشياء كثيرة. وتغريه أحيانا النظرة من بوابة “براندنبرج” إلى برلين الغربية، ويصمد أمام إغراءات الإعلام الآخر وسمومه، ذاك الذي يحاصره، ولكنه يحلم كثيرا بالطيران فوق سور برلين.
ولكن هل يمكن القفز فوق الواقع، وفوق حقائق العصر؟! هذا ما يحاول أن يلقِّنه الكبارُ للشباب، وهذا أيضا ما يحاول أن يتحدى به الشبابُ الكبارَ، ويقدمونه لهم، على أنه تفسيرٌ جديد، ورؤيةٌ جديدة، فرضتها حقائق العصر ومعطياته، ولا بد من القفز فوق تاريخ وتجارب مُرَّة، ثبتها الماضي في ذهن الكبار، “حتى لا نبقى أساراها”. فلمن يُكتَب النصر في هذه المعركة، التي لا تدور في ألمانيا الديمقراطية وحسب، وإن كان لها هناك خصوصية وظروف مغايرة لما في سواها؟!
إن منطق الحياة يشير إلى استمرار التقدم والتغيير والتحول، ولكن منطق الحياة يشير أيضا، إلى ثبات ما هو سليم ومنطقي وأصيل وراسخ عبر التاريخ، ويشكل الهوية. إن صراع الأجيال من حقائق الحياة، وربما كان لا يأخذ طابعا جديا في مجالات الكتَّاب، ولكنه موجود بدرجات مختلفة، ولا يجوز أن نهمله، كما لا يجوز أن نضخِّمه.
في زحمة ذلك التشابك الفكري، كان السؤال الذي طرحه كاتب ألماني على نفسه وعلى سواه، قصيرا ومحددا: “أين يوجد الوطن الألماني”؟! وإذ كان يهدف إلى إثارة غبار الجغرافية والتاريخ، فقد تلمست إلى ذلك الأفق، طريقا يتصل بالأدب.. أو بالثقافة على شيء من التوسع والتعميم.
طرحت سؤالي الذي أثار خلافا في الرأي آنذاك، بين أربعة من الكتاب، طرحته في لقاء حميم، ببيت اتحاد الكتاب البرلينيين، وكان بين أولئك المختلفين: الشاعر فولكر براون، ود. جيزيلا كرافت، والناقد بنديكت.. وسأكتفي باستعادة بعض التنويعات، على وتر السؤال:
ـ هل هناك شخصية ثقافية عامة، وشخصية أدبية خاصة، للأدب المكتوب باللغة الألمانية الواحدة، في الألمانيتين؟!
ـ هل يمكن أن يتم تقاسم غوته وشيللر وبريشت، بيتهوفن وباخ، وأن يتجلى ذلك في مورّثات مختلفة؟!
ـ وإذا كان الحديث ممكنا عن نظامين سياسيين واقتصاديين مختلفين، فهل يمكن الحديث عن أدبين مختلفين تماما، لأمة واحدة، تكتب بلغة واحدة؟!
إن هناك عالمين منفصلين، بل متناحرين، حتى لا أقول متناقضين، ولدا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن بالنسبة للألماني الذي يطرح موضوع “الأَلْمَنَة” بين الجانبين، في الفترات الأخيرة، كيف يتعامل مع الإرث الثقافي للعالمين الثقافيين المُنضووين في لغة، والمستندين إلى غوته وشيلر، وبتهوفن وباخ؟! وكيف سينظر إلى الوطن الألماني، مع وجود: نيتشه وكانت وماركس وإنجلز في الوطن الألماني أيضا؟!
إن السؤال بريء تماما من طرفي، وقد طرحته بنوع من التنويع على وتر الحوار، ولكن جوهره العام، وربما الغائم، يُطرح في جو العلنية والديمقراطية، الذي كان يتفتَّح، ويطُرِح بإيجاز، وربما على استحياء تام، أو يبقى بين الدم والعصب، تحسّبا واتقاءً!! وحين طرحته للخوار، في ذلك الجو الحميم، كان في ذهني ما وقفت أمامه بشيء من الحيرة. كان ذلك عندما بدأنا الإعداد لإصدار عدد خاص، عن الأدب المكتوب باللغة الألمانية، في مجلة الآداب الأجنبية التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب، لا سيما في الألمانيتين” الغربية والشرقية، الاتحادية والديمقراطية”، وفي النمسا والمنطقة الناطقة بالألمانية من سويسرا. آنذاك، اعترَضَ الألمان الديمقراطيون، على نشر أدب لكتّابهم في عدد واحد مع الكتاب الألمان الاتحاديين، لأنهم يرون أن الثقافة في كل من البلدين مختلفة عن الأخرى، ولا مجال للّقاء؟! وكان أن نشرنا ملفا خاصا عن الأدب في ألمانيا الديمقراطية في عدد سابق من المجلة، وقد أشرت في تقديمي لذلك الملف، إلى حوار لي جرى مع كتاب في برلين الشرقية، حول موضوع وحدة الثقافة الألمانية، وكان رأيهم في اتجاهين: فريق يؤيد وحدة الثقافة، وآخر لا يؤيد ذلك، ويرى أن الاختلاف السياسي والاختلاف في نظام الحكم، أقاما أسس ثقافة مختلفة بين الألمانيتين، إضافة إلى الأيديولوجيا.
من وجهة نظري، كنت أرى أن الأرضية الثقافية العامة، لا سيما في مناهلها الرئيسة، هي أرضية مشتركة، نهل منها الجميع، ونبتت عليها فروع الثقافة في ألمانيا: غوته وشيللر، كانْت وشوبنهاور، وهيجل، وفيخته، وهِسّه، بتهوفن وشومان، وغير أولئك كثير، حتى كارل ماركس نفسه. وأنه لا يمكن أن يخترق مدى اللغة وحمولتها التاريخية ومدلولاتها معطى سياسيُّ، إلى حد أن يغيّرها، ويستنبت على جذعها ما ليس من تكوينها، وما لا تقبله جذورها.. مع الاعتراف بإمكانية أن تتم تفاعلات تسفر عن إضافات، وأن تتضَّح سمات تلهم مبدعين، وتغني التجربة الثقافية، وتزيد من انتشارها، أو أن تنبت فطورا على جسمها، تعيش على ذلك الجسم وتتعايش، ربما تتنافر، وتنظر بقعا بلون مختلف على الجسم، قد يرى البعض أنها تشوهه، لكنها لن تقتلَه.
مرت شهور، على ذلك الذي كان.. واستيقظ العالم على حدث هز الدنيا وأدهش الناس: الألمان الديمقراطيون يهدمون جدار برلين، ورئيسا الدولتين الألمانيتين يخطبان من على منصة واحدة، بمناسبة إعادة فتح بوابة براندنبرج بالاتجاهين، والجماهير تطالب بوحدة ألمانيا، والشعب في الديمقراطية يتسرب في عروق الاتحادية “الغربية”، من حدود الدول الأخرى، ثم من برلين ذاتها.
ويسرع سفراءُ الدول الأربع: أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا، التي كانت قد تقاسمت ألمانيا والعاصمة برلين.. يسرعون إلى الاجتماع في برلين، لبحث أمور المدينة المقسَّمة، رمز البلد المقسم وغنيمة الحرب العالمية الثانية. ويسارع رؤساء تلك الدول لتذكير الألمان بالحدود، وبجغرافية التقسيم التي دخلت التاريخ، وأصبحت هي جغرافية أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يكن الألمان، غربيون وشرقيون، هم الذين توقفوا عند هذا المُعطى التقسيمي العابر في تاريخهم، ولم تقف ثقافة لهم، أو معطى ثقافي من أي نوع في ثقافتهم، ليعلن وجود شعبين لا يلتقيان.. كانت العفوية القومية، والمشاعر الواحدة، هي التي تتحرك على مساحة تلك الأرض، ولم تمنع أيةُ حواجز سياسية واجتماعية وثقافية، اشتراكية أو شيوعية أو رأسمالية أو سواها.. لم تمنع تدفق الألمان عبر عروق ألمانيا من الشرق ومن الغرب، وفي الاتجاهات جميعا، ليعود الجسم الألماني واحدا بعد التقسيم.
هواجس، بعضُ هواجس، كانت ترفع رؤوسها من آن لآخر، عند بعض الأشخاص، على شكل أسئلة أو تساؤلات:
النزعة النازية، هل ماتت لدى هذا الشعب، وهل هي موجودة عند البعض منه، وهل يمكن أن تعود؟! هل هي في العمق الثقافي، أي في التكوين العميق، أم هي عابرة ملتصقة بنظام سياسي، وبأشخاص وضعوا شعبا في تيار نفسي وعسكري وسياسي محدد، خلال فترة من الزمن.. ومن ثمْ تم استيعاب دروس تلك الفترة وعظاتها، وتم تجاوزها؟!
ـ الجانب الاقتصادي، وإمكانية العيش بدخل محدود، نتيجة لتفاوت قيمة العملة بين البلدين، ومردود ذلك على الناس.. إن الشرقي لا يمكن أن يشتري شيئا بدخله المحدود، من الغربية، وستكون هناك حاجة، وربما جوع، إذا ما تمت العودة إلى النظام الرأسمالي.
مثل هذه الهواجس والمخاوف ارتفعت في فضاء نفوس الألمان، أو بالأحرى بعض الألمان، وبعض المتتبعين لهذا الحدث.. وارتفعت كذلك في فضاء الإعلام، وخامَرت أسئلتُها نفوسا وعقولا، وشغَلتها، ولكن الشعور بالمسؤولية التاريخية والأخلاقية والقومية، وفيض الحرية المُشرق، ونَسَغ الجذور الفياض، اكتسح كل كوابيس المادة، وأسئلة العقل. وحَمَلت الغربيُّ الشرقيَّة، إذ لا فرق، فالبيت واحد. وحين يُخيَّر الإنسان بين الأنظمة والأيديولوجيات والسياسات من جهة، وبين الانتماء والحرية من جهة أخرى، فإنه يختار ذاته والحرية، لأن ذاته لا تنفصل عن حريته، ولأن الحرية هي الأساس في تكوين الإنسان وفي حياته، وهي جوهر وجوده وتطلعاته.. أما الأنظمة: الرأسمالية، أو الشيوعية، أو الاشتراكية، أو المختَلَطة، أو.. أو.. فليست أكثر من سُبُل، أو من جداول وسواقٍ وأنهار، إلى بحر الحرية الزاخر. إنها أنظمة “سياسة، واقتصاد، وعمل، وإنتاج، واجتماع”، قد تصلح بها الحياة، وقد لا تصلح للحياة.. ولكن من القطعيِّ المسَلَّم به، أن الحياة لا تتوقف على أيٍّ منها، وأن والشعب، أي شعب، يتمسك بنظام، أي نظام، ويحرص عليه، بمقدار ما يلبي ذلك النظام احتياجاته، ويؤمن وجوده، ويحقق مستوى متقدما لإنسانيته، على ألا يسلبه حريته، ولا التطلع نحو أفق مفتوح على الطموح البشري المشروع، بثقة وأمل وقيم حاكِمَةٍ.
إن العقائد، والفلسفات، والأحزاب، والأيديولوجيات، والأنظمة، والسياسات.. إلخ، أتت أو وُضِعت أو أُبدِعت.. لتكون في خدمة الإنسان والحياة، لا ليكون الإنسان في خدمتها على حساب وجوده وسعادته وحريته وكرامته ومقومات وجوده، وعلى حساب القيم الروحية، والحياتية ذاتها، وحينما لا تصلح حال المجتمع والفرد، في ظل أيٍّ من النظريَّات والأنظمة، فإنه يُعاد النظرُ بها، لا بالإنسان. وهذا ما ثبتت صحته، وفَرضَ حتميَّته، بالرغم من التشدق بالحتميات والجدليات المادية وغير المادية، الطالعة والنازلة، الدائرية والحلزونية.. وبالعِلْمِيَّات العصمويَّة المطلقة، التي لم يثبت صلاحُها، ولا ثبتت لها صلة وطيدة بعلم مستقر.
تلك تجربة شعب، تصب في تجارب الشعوب، لتجعل نهر الحياة الحرة، ينتصر على السدود والقيود. وقد توقفت عند هذا الحدث، الذِّكرى، وتوخيت استقراءه… لكي أشير إلى أن اللغة، بدلالاتها وحمولتها الروحية والفكرية والإبداعية والعاطفية ـ الحياتيَّة، تُكوّن أهم مقومات الهوية لأمة، حيث تكتنز التراث والموروث والتاريخ، وتشكل روح الشخصية الثقافية وعصبها، وتدفع باتجاه الحياة والبقاء والتجدد والفرادة.. ومن ثمّ.. فاللغة، والعقيدة/الدين، والثقافة بمفهومها الأشمل.. هي المقومات الرئيسة، وجوهر تكوين الشخصية والخصوصية القومية لأمة.
وإذا ما غَفا الشعور بذلك، وتراجع الاهتمام به يوما، أو حُمِلَ على تلك المقومات بحَملات، وقدٍّمت عليها مقومات واعتبارات وخيارات.. فإن ذلك لا يعني موتها، من جهة، ولا إمكانية الاستعاضة عنها من أجل البقاء والنهوض، من جهة أخرى.. فذاك الجذر القوي العميق الحي، كفيل بتثبيت الوجود، ومدِّه بنسَغ الحياة، وبكل ما يكفل البقاء والنَّماء والتجدد.

إلى الأعلى