الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: من يصدق التاريخ؟!

باختصار: من يصدق التاريخ؟!

زهير ماجد

كان والدي يقص عليَّ وأنا طفل بعضا من التواريخ التي قرأها أو تلك التي عاشها في زمانه، أكتشف اليوم أنها لم تكن خيالية كما هي عند البعض، أو إضافة “بهارات” عليها عندما يحب المؤرخ تاريخا محددا.
ثمة فرق كبير بين زمن عشت تفاصيله ورأيت صوره وأشخاصه، وبين ما تقرأه في بعيد السنين، بل أكاد أقول، إنه أمام عيوننا تجري أحيانا عملية تزييف وقائع معاشة، فكيف بذاك التاريخ الذي مر على معابر كثيرة من الشعوب منهم من أزاد وأضاف أو منهم من حرف زمنهم لو من قام بالتغيير الكامل، حتى وصلت إلينا عكس ما كانت عليه.
كثيرون شككوا بالتاريخ القديم، ومع ذلك مرت علينا جمله وأحداثه وصدقناها في مرحلة عمرية لا أعتقد أنها تؤثر الآن فينا. فهل يمكن كشخص عاش حرب أكتوبر التي يحتفل بذكراها اليوم أن يستند إلى كتابات عنها لا تلحظ الصدقية مثلا. لكن أجيالا صعدت إلى مسرح الحياة لم تعش تلك الحرب سوف تنطلي عليها كل ما ستقرأه أو تسمعه من الآباء والأجداد .. من المؤسف أن الكثير من شعبنا ما زال يعتمد على القصص الشفهية التي لا تستند في بعضها أو أكثرها إلى حقائق مرحلتها.
عشنا زمنا كأنه أزمان بالنظر لكثرة أحداثه، وعشنا شخصيات عالمية قد لا يأتي زمن شبيه به، لا أذكر منذ طفولتي إلا الأحداث داخل أقطار أمتي أو خارجها، أذكر مثلا أني تفوهت بكلمة سياسية وأنا عمري عشر سنوات تقريبا نلت عليها قصاصا من والدي لأنها تظهر حقيقة ما يدور داخل عائلتنا من مواقف سياسية.
لا بد من الاعتراف أن العالم يتغير، أما مسرح الشرق الأوسط فهو قلب تغيره وأكثره نشاطا في التغيير والتعبير عن آفاق مستقبلية لهذا التغيير أو ذاك.. أذكر أني كنت مسافرا ذات مرة وصادف قربي أستاذ إيراني في جامعة طهران كما قدم نفسه، وحين تحدثنا من قبيل تقطيع الوقت، فاجأني بأنه قارئ نهم لأوضاع منطقتنا، وتحديدا لعالمنا العربي بتفاصيل لم أستطع اللحاق به نظرا لكمها، حتى كانت المفاجأة حين قال لي، أنتم العرب تنسون تواريخكم، ما قبل هو المؤسس للحاضر الذي هو المستقبل حكما.
من هنا يأتي السؤال الوجيه حول من سيكتب تاريخ هذه المرحلة التي نعيشها بكافة تفاصيلها .. من المؤكد أنه سيكون هنالك أكثر من تاريخ ستقرأه الأجيال القادمة، وكل يتفق مع وجهة نظر معينة، إلى الحد الذي يمكن القول بوجود متناقضات حتمية.. فمن يصدق التاريخ، من يقبل ما في الكتب الكثيرة عن المنطقة العربية، ونحن نرى على سبيل المثال لا الحصر، كيف يزوّر الإسرائيلي مفهوم النكبة الفلسطينية، وكيف يزور أيضا كل ما له علاقة بفلسطين إلى حد المآكل؟
لا علم إلا بالتاريخ كما يقول كارل ماركس، ومع ذلك يتعرض هذا العلم في بعضه إلى الذاتية، وكما يقال، فإن المنتصر هو من يكتبه، أما المهزوم فيكاد أن يمحى من على خريطة الأرض، أن ينسى تماما، فلا يذكر غير القادة، كأنما هم من صنعوا وفعلوا وماتوا من أجل قضايا وطنهم وبلادهم .. وسابقا أعجبتني فكرة أحدهم وهو يقول إن الفراعنة الذين بنوا الحضارة هم الشعب الفرعوني، فيما لا نسمع اليوم سوى أسماء طنانة لقادتهم فقط.

إلى الأعلى