الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات من دفتر الأحوال.. (8)

كلمات من دفتر الأحوال.. (8)

كاظم الموسوي

رغم تقادم الزمن، وتباعد المسافات، ما زلت أشم رائحة الوردة والنعناع، وأتخيل صورة الحديقة، والسفرات، ووجوه العاملين في الطريق بمحبة ومودة واعتزاز.. فهل ستعود تلك الأيام؟! التقيت ببعضهم في فصائل الأنصار أيامها، وبعدها في المنافي العديدة، لكن في المنافي دروبا كثيرة. منهم من أكمل دراسته وعمل بشهاداته، ومنهم من واصل العمل الصحفي في المؤسسات الإعلامية، وأبرزها الفلسطينية، أيام انفتاحها الإعلامي وانتشارها وتنافسها الفصائلي..

في جريدة “طريق الشعب” بعنوانها البارز، وبمانشيتها العريض بالحبر الأحمر، برئاسة تحرير الرفيق عبدالرزاق الصافي (أبو مخلص) عضو المكتب السياسي. انغمرت في شؤون السياسة كتابة وتحليلا وعرضا صحفيا، (واظبتُ على كتابة رأي وتحليل سياسي على العمود الأول من الصفحة الثانية باستمرار بتوقيع؛ أبو بشير) ولم أنقطع عن الأدب اهتماما وفعلا، حيث نشرت الشعر والنقد والقراءة الثقافية في الجريدة والصحافة العراقية والعربية المختصة، إلا أن الورشة اليومية، وجدية الإسهام في صحيفة شيوعية تشغل الكاتب، وتضمه إلى ماكينة الإنتاج الآلية، وواجباتها على حساب الزمن، والمهمات والنشاطات الأخرى. وتثير كعادة عربية أو عراقية النشاطات المتميزة “حسد” أو “غيرة” بعض من العاملين أو المشاركين في العمل الصحفي أو الثقافي عموما، ويتجاوز بعض منهم حدوده ومحدوديته في مثل هذا الجانب أو الزاوية. ولكن العمل الدؤوب والجدية في الأداء وحتى الحماس في القناعة بما كنت أكلف أو أقوم به، يجعلني لا أعير لها بالا كبيرا، ونلت تقديرا وشكرا من المسؤولين عن العمل، رئاسة وهيئة التحرير، على ما بادرت به أو أنتجت عمليا وملموسا لا سيما حين تولي مهمة سكرتير التحرير، عند غيابه سفرا بمهمة أو بإجازة اعتيادية، خلاف “الناعقين”!
ساعات العمل مثل دوام الدوائر الحكومية، لكن الكثيرين لم يحسبوا لها أو تعاملوا بها، خلاف بعض من توظف شعورا ومسلكا و”نضالا”، ولم يتقاعد في عمله. وقد كانت التضحية والإيثار سيدة الموقف، والالتزام والمسؤولية الجماعية والفردية في كل المجالات، من العمل في لسان الحزب إلى الهيئة الحزبية والاجتماعية.
مع وصول لفات/ رزم الأوراق القادمة من وكالات الأنباء كانت لقاءات الصباح اليومية تنفيذا للبرامج وتوزيعا للمهمات والتكليفات. اختص أبو خالد بالشؤون الدولية وأنا بالعربية. وكان المرحوم أبو علي يصلنا متأخرا كعادته، تفوح منه رائحة التعب والسهر يسأل عن مهمته ويحمل حصته التي أعدها له أبو خالد ويعود إلى خمارته ليرتوي بكسر خماريته، عند بار سينما النصر، وبعد فترة الغداء يعود حاملا تعليقا سياسيا، يثير استغراب غير العارفين به، في قوة سبكه ولغته، مغزاه، وهو في تلك الحالة من السكر والمعاناة والسياسة والشعر والمرأة.
وقبل أن يدخل الزميل “زكور” القسم تكون زقزقة جرس دراجته قد أعلنت وصوله. ويسرع إلى طاولته، ليكسر جدية المكتب وحاجز الصمت بفاتحته المعهودة، “أي… اكو الله” ويرددها لكل من يفتح الباب، خاصة من أعضاء “هتج” الذين يرتاح لهم! وقبل أن يودعنا يترك لنا مساهمته، تعليقا أو تحليلا سياسيا لمواضيع ذات اهتمام أو لأحداث بارزة، بأسلوبه المتميز، ولغته الهادئة، وخطه الواضح، ويسرع بدراجته للعمل الثاني.
يأتي الزميل عبدالإله من عمله الأول، بعد الغداء، تصحبه حقيبته اليدوية الحافلة بالأوراق والملفات ليسطر ترجمة لما يختاره منها بالتشاور خلال سويعات. ويتعامل مع المواد حسب الأهمية والقيمة، والحدث والإضاءة لها.
في نهاية كل أسبوع يجرد كل قسم في قسيمة تثمين المشاركة في تحرير الصفحة وإنتاجيتها، كنت منتجا ومتفرغا بالكامل، وفي الساعات الأخيرة للعمل قبل العطلة الأسبوعية يبدأ التفكير والتشاور بجدول تنشيط خلالها، وبرنامج أو فقرة ترفيه بعيدا عن الجدية المهيمنة، وتكليف من ينفذ ذلك، إذا تم الاتفاق، أو ترك الأمر لكل منا ومشاريعه.
أجد كل صباح على طاولتي في القسم وردة جوري بكاس ماء. ولأنها فقط على مكتبي أثارت تعليقات، ولم تسلم من غمزات، ربما من الغيرة، وكنت فرحا بها رغم أني لم أعرف مقدمت(ها) ومراميها، “افتراضا”، حيث كانت تبعث الجمال في غرفة السياسة ورجالها “الخشنين”، ولو السياسة “فن”، ولها أيضا رموزها وإشاراتها، والعاقل يفهم!
ومع الرائحة الزكية للزهرة الصباحية، وهيل الشاي الذي يتسابق فتية طيبون، رفاق شباب، على توزيعه بأوقات معلومة، و”متاعب” الأرشيف والإدارة والمطبعة، وغيرها، كانت رائحة النعناع طاغية في أكثر وجبات الغداء، التي كنا نتناولها في حديقة الجريدة الخلفية، التي تعدها الإدارة بمشاركة رمزية من المحررين، وبمودة عائلية لأسرة التحرير. (وكانت تساعد بها إضافة إلى عملها الأساس في الجريدة المرأة المضحية أم جاسم).
كان عدد من الرفاق المساهمين في تحرير الجريدة من المناضلين المعروفين، وكنت على صلة بهم، وكلما حملوا إلى الجريدة مواد للنشر، كنت التقيهم، مرة في داخل مقر الجريدة على عجل، وأخرى خارجها في مقاه قريبة من المبنى، أتذكر باعتزاز الراحل غضبان السعد، ومقالاته أو دراساته المطولة، وأبو مازن وترجماته الغزيرة، وآخرين لهم الرحمة الواسعة والذكر الطيب.
علقت على الجدار خلف مكتبي رسوما للرسام الفلسطيني الشهيد ناجي العلي، وأتذكر أبرزها عن الرجل الذي يسقط عقاله على صدره بعد خروجه من التواليت، وكنت معجبا بهذا الرجل الجريء في كل أعماله، وهو ينشرها في صحف عدة، أبرزها الخليجية، التي كانت ليبرالية أكثر من غيرها، أيام زمان، رغم واقع الحال. وكنت كثيرا ما أدخل في نقاشات حول هذا الرسم مع غير قليل من الزوار أو العاملين في الجريدة، وكان ردي أنها مهمتنا أن نضع العقال في محله على الرأس ببناء وعي جديد وثقافة جديدة وشحن الناس بقوة وإقناع بالتغيير والثورة ومستقبل أفضل وأجمل مما نعيش أو نسكت عليه الآن. كان حنظلة الفلسطيني رائدا في قراءة الأوضاع وتطوراتها في الوطن العربي.
الحياة في صحيفة طريق الشعب لم تكن كلها ماكينة عمل إعلامي وسياسي، فهناك لقاءات اجتماعية وعائلية نهاية كل أسبوع، وبداية الشهر، وسفرات القسم والجريدة الجماعية، كلها محطات استراحة، فيها ذكريات أيضا، ولها معان! من بين تلك السفرات، سفرة إلى جزيرة أم الخنازير، على سفينة صغيرة، وكان عريف السفرة والحفل، الزميل الكاتب عبدالمنعم الأعسم، (أبو حارث)، وكان يردد جملا محددة، أصبحت محفوظتنا المتداولة حتى بعد تلك السفرة التاريخية. وكانت فرقة (العتابي) الموسيقية، مديرة القسم الفني في كل السفرة وكذلك في الاحتفالات الأخرى.
رغم تقادم الزمن، وتباعد المسافات، ما زلت أشم رائحة الوردة والنعناع، وأتخيل صورة الحديقة، والسفرات، ووجوه العاملين في الطريق بمحبة ومودة واعتزاز.. فهل ستعود تلك الأيام؟! التقيت ببعضهم في فصائل الأنصار أيامها، وبعدها في المنافي العديدة، لكن في المنافي دروبا كثيرة. منهم من أكمل دراسته وعمل بشهاداته، ومنهم من واصل العمل الصحفي في المؤسسات الإعلامية، وأبرزها الفلسطينية، أيام انفتاحها الإعلامي وانتشارها وتنافسها الفصائلي، وتدرج في درجات الرقي الوظيفي والمالي والعناوين الإدارية أو الإعلامية المؤشر لها، ومنهم من أغرقته المنافي في لجتها وترتيباتها، وتلك سنة الحياة.
كانت طريق الشعب مدرسة، تعلّم فيها كل من دخلها عاملا ومتفرغا في صفحاتها، وعاش متاعب العمل في صحيفة سياسية في ظروف غير سياسية، بمعناها الطبيعي.
وآخر الأمر لا بد من القول إن ما كتبته لمناسبة ملف عن “طريق الشعب” عام 1994، وأعيد نشره مع إضافات له، احتفاء ورسالة ذكرى وتذكير في كلمات من دفتر الأحوال، لا بد من الإشارة إلى أن بعض الأسماء التي وردت رحل عنا وافتقدناه، وهم من المذكورين في الحلقتين: شمران الياسري، هاشم الطعان، خالد السلام، عبداللطيف الراوي، رشدي العامل، يوسف الصائغ، سعود الناصري، رجاء الزنبوري، حميد بخش، ماجد عبدالرضا، عبدالوهاب طاهر، ناصر عبود، هندال جادر، السياب، الملائكة، أم الجاسم، وأخيرا صادق البلادي، وربما غيرهم، أعتذر لهم، خاصة الجنود المجهولين في العمل الإعلامي أو الإداري أو ما يرتبط بهما من أعمال ليست بسيطة أو سهلة في تلك الأيام، وأدعو بالرحمة للجميع.
سألت صديقي إذا يتذكر اسما لرفيق رحل ولم أذكره، كعادته أخذ يردد شعرا للإمام علي:
تُؤَمِّلُ في الدُّنْيا طويلا ولا تدري *** إِذا حَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعْيشُ إلى الفَجْرِ
فكم مِنْ صَحِيْحٍ مَاتَ مِنْ غَير عِلَّةٍ *** وَكَمْ مِنَ عَلِيْلٍ عَاشَ دهرا إلى دَهْرِ
وَكَمْ مِنْ فَتىً يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِنا *** وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْوَ لاَ يَدْرِي
للاطلاع على الحلقات الأخرى، تراجع المدونة على الرابط التالي:

http://kadhimmousawi.blogspot.co.uk

إلى الأعلى