الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / صندوق النقد الدولي

صندوق النقد الدولي

سعود بن علي الحارثي

في تونس على سبيل المثال صرحت وزيرة المالية في هذا البلد العربي قبل عدة أشهر بأن الحكومة (تخطط لتسريح ما لا يقل عن 10 آلاف موظف في القطاع العام بشكل اختياري في 2017م)، وذلك في إطار (التزامات تونس أمام صندوق النقد الدولي بإجراء إصلاحات اقتصادية واسعة في البلاد عن طريق التشجيع على التقاعد المبكر وبرامج التسريح الطوعي) ودراسة (بيع حصص في 3 بنوك عامة في إطار خطط لإصلاح القطاع المصرفي يطالب بها الصندوق)، مع العلم أن الصندوق جمد صرف جزء من قرض مخصص لتونس بقيمة 350 مليون دولار، كان مقررا دفعه (في ديسمبر الماضي، بسبب تباطؤ الإصلاحات).

قرأت العديد من المقالات والدراسات وتابعت تحليلات وآراء بعض الخبراء المتخصصين بشأن سياسات صندوق الدولي وآثارها السيئة على اقتصادات العالم، ودورها في تحويل الكثير من دوله التي تضطر إلى تطبيق برامجه لمعالجة أزماتها المالية والاقتصادية إلى (ضعضعة الاستقرار السياسي والاجتماعي)، كون أنها تسعى إلى إضعاف دور الحكومات في الشأن الاقتصادي في الدرجة الأولى، بمعنى تقييد و(تحجيم قدرتها عن الصرف)، لتخفيض نسبة الإنفاق الحكومي ومعالجة عجز الموازنات السنوية وهو ما يؤدي بالأخص إلى تأثر شريحة ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة من المواطنين، وهي الشريحة الأهم لنشاط السوق بصفتها تمثل القوة الشرائية الأكبر في أي مجتمع. فتخفيض نسبة الإنفاق الحكومي ستتجه تأثيراتها مباشرة إلى رفع الدعم عن المواد الأساسية مثل البنزين، الغاز، الخبز، الكهرباء، والمياه، التي ستعمل على (زيادة المعاناة الاجتماعية). وفي المقابل فإن عمليات التمويل والقروض التي يقدمها الصندوق تهدف في المقام الأول إلى (خدمة طبقة أصدقائهم المستثمرين)، لذلك تصبح (ضارة في حالات كثيرة)، كما يرى هؤلاء الكتاب والمحللون. الكتاب الصادر عن سلسلة (عالم المعرفة) في أبريل 2016م، بعنوان (صندوق النقد الدولي، قوة عظمى في الساحة العالمية) تأليف (أرنست فولف) قدم رؤية شاملة عن سياسات الصندوق مدعومة بالأرقام والقراءات والنماذج التي تعزز رأي وتوجهات الكاتب، وتضمن مسحا لعشرات الدول التي وقعت فريسة لبراثن سياساته المتمثلة في رفع الضرائب وخفض الإنفاق والتقشف، وتقديم المزيد من القروض التي لم تؤدِّ ـ وفقا للنتائج التي عرضها الكتاب ـ إلى تحسن اقتصاد الدول المتأزمة، وإنما إلى المزيد من الفقر والتهميش والأمراض المميتة، واتساع مساحة الفجوات بين الأغنياء والفقراء، وتراجع حقوق ورواتب الموظفين، وارتفاع الأسعار وانتشار الجريمة والفساد وتجارة المخدرات والمسكرات وتضاعف نسبة البطالة وتهريب رؤوس الأموال، وارتفاع تكلفة الصحة والتعليم وتراجع جودة الخدمات والمخرجات، ومن ثم نشوء الاضطرابات السياسية والصراعات واختلال الأمن وانهيار أسس الدولة واقتصادها. وأشار الكاتب إلى أن تفكك دول مثل الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا كان سببا طبيعيا لسياسات الصندوق الذي لم يكن أكثر من أداة ينفذ سياسات الولايات المتحدة الأميركية لتدمير الأنظمة السياسية المعادية لها عبر (استدراجها للوقوع في فخ المديونية) من خلال منحها لقروض (عالية المخاطر) وتمكين (الرأسمالية المالية الدولية لأن تحصل منها على تنازلات، ما كانت ستقدم عليها أبدا في ظل ظروف عادية). وعزز مؤلف الكتاب رؤيته بنماذج أكدت على أن الدول التي تمكنت من تحقيق نجاحات اقتصادية مهمة ونمو اقتصادي متواصل، واستطاعت تنويع مواردها ومعالجة أزماتها المالية هي تلك التي لم تخضع لسياسات صندوق النقد الدولي وقدم أمثلة (الصين وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونج…). وخلص الكتاب بعد عرضه التاريخي لمسيرة وسياسات صندوق النقد الدولي إلى أن تدخله يأتي فقط عندما تعجز الدول المدينة من تسديد ديونها إلى المصارف الغربية، وذلك بتقديم القروض لهذه الدول وفق شروط صارمة ورقابة مشددة وتوجيه لا رجعة فيه بتبني القيم الليبرالية. بمعنى أن صندوق النقد الدولي يقوم في حقيقة الأمر بدور الحامي والضامن والمدافع عن ديون المصارف الغربية في الوقت الذي يردد فيه شعارات معلنة بأنه يدافع عن الدول الفقيرة، ويسعى إلى مساعدتها وضمان عدم انهيار اقتصادها عبر تقديم القروض إليها (لمعالجة العجز المؤقت في موازين مدفوعاتها)، والعمل على (استقرار أسعار الصرف)، في مقابل تنفيذها لتوصياته حول (الخطوات التي تتخذها لتحسين وضع ميزان مدفوعاتها). ضمن أرنست فولف كتابه، عرضا تاريخيا لأبرز الكوارث المالية والانهيارات الاقتصادية التي أصابت الكثير من دول العالم، والتي تنتهي جميعها بالارتماء في أحضان صندوق النقد الدولي الذي يمارس الضغوط عليها لتبني الأفكار والمبادئ الليبرالية، وكأنه (فرقة مطافئ تمارس عملها على مستوى العالم أجمع وأخذ يكره بلدا بعد آخر على الانصياع لبرنامج التكيف الهيكلي المعد من قبله). تليها مضاربات يقودها أغنياء ومليارديرات الغرب في أسواق الأسهم والعقار، بغية الاستفادة من الفرص المتوافرة التي تنتهي عادة بهروب رؤوس الأموال، خفض سعر العملة، وعندما تعجز هذه الدول عن سداد ديونها حينها يتدخل صندوق النقد الدولي ليمارس سيطرته ونفوذه وسياساته. هل كانت آراء الكاتب ورؤيته متحاملة وعدائية تجاه صندوق النقد الدولي؟ وهل يمكن أن نصف اتهاماته بالموضوعية والواقعية؟ وهل تعكس النماذج التي قدمها حقيقة سياسات الصندوق؟ وهل تتعارض هذه السياسات والبرامج مع النصوص القانونية واللوائح التي تحكم وتنظم عمله والأسس والمعايير الرقابية التي تضمن استعادته لأموال أعضائه التي تمثل اشتراكاتهم أساس موارده، وتضمن في المقابل تحقيق الإصلاح الاقتصادي والمالي وتوظيف القروض في تعزيز الموارد والبنى التحتية؟ هل يأتي تدخل الصندوق بمبادرة منه أو بطلب من الدول العاجزة التي يعاني اقتصادها من أزمات ومشاكل؟ وهل الخطأ في سياسات الصندوق أم في هذه الدول التي نخرها الفساد وأهدرت الفرص والطاقات والإمكانات المتوافرة وفشلت في خلق اقتصاد قوي متعدد الموارد؟ يقول الكاتب الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيجلتش، بأن (لوائح الصندوق الدولي تشترط عدم ممارسة ضغوط على الدول المقترضة لإجبارها على تبني سياسات لا علاقة بها بالمشكلة الاقتصادية)، ولكن (تلك البنود يتم اختراقها في كثيرٍ من الأوقات). الكتاب يستحق أن يتم تدريسه في كليات الاقتصاد، وأن يطلع عليه كبار المسؤولين والمشرفين على القطاعات الاقتصادية في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها السلطنة اليوم بسبب انخفاض أسعار النفط التي انقضى عليها حوالي السنتين ومواصلة الحكومة معالجة عجوزات الموازنة بالاقتراض المتواصل والسحب من صناديق الاحتياطي، وفرض المزيد من الضرائب واتباع سياسات التقشف التي تكتوي بها شرائح ذوي الدخل المتوسط والمحدود، واستمرار تراجع التصنيف الائتماني، والاستفادة من المعلومات والقراءات التي تضمنها والعمل سريعا وفق آليات وخطط عمل واقعية تضمن رفع كفاءة القطاعات الاقتصادية وتعزيز الموارد وإصلاح البيئة الاستثمارية والتشريعات والقوانين والجهاز الإداري للدولة. فالمواطن بات يشعر بالخوف والتوجس كلما قدم الطلب من خبراء ومستشاري الصندوق الدولي أو بادر الصندوق من تلقاء نفسه بدراسة الإجراءات المتبعة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، ففي تونس على سبيل المثال صرحت وزيرة المالية في هذا البلد العربي قبل عدة أشهر بأن الحكومة (تخطط لتسريح ما لا يقل عن 10 آلاف موظف في القطاع العام بشكل اختياري في 2017م)، وذلك في إطار (التزامات تونس أمام صندوق النقد الدولي بإجراء إصلاحات اقتصادية واسعة في البلاد عن طريق التشجيع على التقاعد المبكر وبرامج التسريح الطوعي) ودراسة (بيع حصص في 3 بنوك عامة في إطار خطط لإصلاح القطاع المصرفي يطالب بها الصندوق)، مع العلم أن الصندوق جمد صرف جزء من قرض مخصص لتونس بقيمة 350 مليون دولار، كان مقررا دفعه (في ديسمبر الماضي، بسبب تباطؤ الإصلاحات). فهل المسؤولون عن التخطيط وإدارة المؤسسات الاقتصادية وقيادة سياسات التنويع على وعي كامل بمخاطر إدارة الأزمة الاقتصادية ونتائج وآثار معالجة تبعاتها من خلال الاقتراض والسحب من صندوق الاحتياط والتفكير في مزيد من الضرائب والتقشف…؟

saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى