الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف .. الأسكندر وملامح الحقبة الجديدة

أصداف .. الأسكندر وملامح الحقبة الجديدة

وليد الزبيدي

كان استيلاء الأسكندر على بابل قد تم بعد معركة (كوكة ملة) قرب أربيل الشهيرة مع ملك الفرس (دارا الثالث) وبعد أن سيطر على بابل، استأنف الأسكندر مسيره نحو بلاد فارس لمطاردة (دارا) فافتتحها ثم فتح بلاد ماذي وظل يطارد (دارا) حتى وجده قتيلاً في جوار بلخ، وبموت (دارا الثالث) انقرضت دولة الفرس فورثتها اليونان ووضعت يدها على كل ما كانت تملكه من البلاد والمستعمرات، وبعد رجوع الاسكندر من الهند توفي في بابل سنة 323 ق.م وبموته اقتسم قواده تلك الامبراطورية المترامية الاطراف، فكان العراق وسوريا ضمن البلاد التي وقعت في حصة القائد سلوقس.(د.احمد سوسة ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق ص158).
ومن أهم ما قام به سلوقس الذي جلس على عرش مملكته نقل حاضرة بابل الى مدينة جديدة (سلوقية) وقد أنشأها على الضفة اليمنى من دجلة في ارض المدائن، وتعرف اطلالها اليوم ” تل عمر” وهو يقع مقابل سلمان باك طاق كسرى وصارت هذه المدينة مركزاً مهماً لليهود، وحازوا على مكانة كبيرة لدى الحكام السلوقيين وكانوا يسكنون المدن الكبيرة، ولهم مدنهم الخاصة بهم، ويروي يوسفوس أن الملك انطيوخس الثالث الملقب بالكبير (223-187ق.م) نقل من بابل ومن بين النهرين الفي أسرة يهودية مع أجهزتها الحربية إلى ليديا وفريجيا في آسيا الصغرى، لتأسيس حامية هناك موالية لحكم السلوقيين في تلك البلاد لتساهم في قمع حركات السكان ضد الحكم السلوقي.
تمتع اليهود في أيام حكم السلوقيين بحقوق المواطنة المساوية لتلك التي لليونانيين، وعنهم اخذ اليهود التقويم السنوي الذي استخدموه، وتجندوا في قوة الحراسة، كما وجدت كتائب خاصة باليهود في الجيش السلوقي.
تعد فترة حكم الفرثيين للعراق(139ق.م-226ب.م) فترة مهمة بالنسبة لليهود العراقيين، فقد اتخذوا (سلوقية) التي كانت عاصمة للسلوقيين والتي مر ذكرها والواقعة على بعد 30 كم تقريباً جنوب شرقي بغداد عاصمة شتوية لهم، وقلنا إن اليهود قد سكنوها وكانت مركزاً ” مهماً لهم ” ويذكر يوسف غنيمة انه قد كان لليهود في المملكة الفرثية ما يضاهي ذلك الاستقلال والحكم الذاتي، ففي المدن التي كانت فيها طائفة كبيرة منهم كان لهم استقلال بلدي، وحق انتخاب قضاة، وحارة خصوصية لسكناهم، هذا كان شأنهم في بابل، وسلوقية وطيسفون.
اما في المدن التي كان يسكنها اليهود فقد كان لهم من الاستقلال ما كان للمدن اليونانية بدون فرق، وكانوا يقومون بأمور دينهم وشعائر مذهبهم بكل حرية (نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق ص69) وكان في عهد الفرثيين امان واطمئنان لليهود، الذين تمتعوا بكل حقوق المواطنة، وبما ان هدف معركة الفرثيين الاساسية كان ضد الرومان فقد رأوا في اليهود حليفاً مخلصاً، يمكن الاعتماد عليه، ووجدت طائفة يهودية مهمة في عاصمتهم طيسفون، وكانت مدينة نهر دعا الواقعة في شمال البلاد كلها مأهولة باليهود. وحسب التقاليد استقر هناك المهاجرون الاوائل الذين هاجروا مع يهوياكين، وبنوا فيها كنيساً سمي (صقيل وجليس) من حجارة وتراب جاءوا بها من بيت المقدس، وهنا أقام كبار الطائفة اليهودية وفيها جمعت كل العملات والهبات التي منحت لابناء الجالية في بابل بقربان جماعي لتلبية احتياجات مدينة القدس، ومما يميز هذه الفترة هو انشاء ايشيبة يهودية في العراق (وهي المدرسة الدينية اليهودية يدرس فيها التوراة والتلمود).

إلى الأعلى