الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: الحِفَاظُ عَلَى الـمَالِ العَامِّ
خطبة الجمعة: الحِفَاظُ عَلَى الـمَالِ العَامِّ

خطبة الجمعة: الحِفَاظُ عَلَى الـمَالِ العَامِّ

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنَا فِي الأَرْضِ مُسْـتَخْلَفِينَ، وَعَلَى مَا خَوَّلَنَا مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ مُؤْتَمَنِينَ، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ وَأَنْ نَعْبُدَهُ مَعَ العَابِدِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ المُبِينِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ رَبِّهِ حَتَّى أَتَاهُ اليَقِينُ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مِمَّا أَنْعَمَهُ المَوْلَى عَلَيْـكُمْ نِعْمَةَ المَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ضَرُورَةً مِنْ ضَرُورَاتِ وُجُودِ الإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، إِذْ هُوَ عَصَبُهَا، وَبِهِ قِوَامُهَا وَصَلاحُهَا، وَلأَهَمِّـيَّتِهِ أَنْزَلَ اللهُ آيَاتٍ كَرِيمَةً تُنَظِّمُ تَصَرُّفَ المَرْءِ بِاعتِبَارِهِ مُسْـتَخْـلَفًا فِيهِ: ” آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ” ، هَذَا وَإِنَّ المَالَ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَاصٍّ يَتَمَلَّكُهُ الفَرْدُ بِطُرُقِ التَّمَلُّكِ المَعْرُوفَةِ شَرْعًا، مِنْ بَيْعٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَعَامٍّ قَدِ اشتَرَكَ النَّاسُ فِي مَنْفَعَتِهِ جَمِيعًا، لا يَخُصُّ وَاحِدًا بِعَيْـنِهِ، فَكُلُّ مَا أَقَلَّتْهُ أَرْضُ الوَطَنِ وَأَظَـلَّتْهُ سَمَاؤُهُ، مِمَّا خَصَّصَتْهُ الدَّوْلَةُ لِلْمَنْفَعَةِ العَامَّةِ، هُوَ مَالٌ عَامٌّ، يَتَقَاسَمُ النَّاسُ جَمِيعًا مَنْفَعَتَهُ، وَلا يَصِحُّ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ أَنْ يَعْـتَدِيَ عَلَيْهِ أَيُّ فَرْدٍ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الاعتِدَاءِ، أَلا فَلْيَتَّقِ اللهَ أُنَاسٌ لا يَرْعَوونَ عَنِ الاعتِدَاءِ عَلَى الأَمْوَالِ العَامَّةِ، إِمَّا جَهْلاً أَوْ تَجَاهُلاً، وَلْيُدْرِكُوا تَمَامًا أَنَّهُمْ إِنْ أَفْـلَتُوا مِنْ رِقَابَةِ البَشَرِ فَأَيْنَ مَهْرَبُهُمْ مِنْ رَبِّ البَشَرِ، الَّذِي لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، يَقُولُ الحَقُّ تَعَالَى:  وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  .
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
وَرَدَ عَنْ خَيْرِ البَرِيَّةِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ النَّارُ))، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ((إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ))، وَهُوَ كَافٍ فِي بَيَانِ حُرْمَةِ الاعتِدَاءِ عَلَى الأَمْوَالِ عَامَّتِهَا وَخَاصَّـتِهَا عَلَى سَوَاءٍ، وَوَقَعَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً أَهْـدَى إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غُلامًا يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَبَيْـنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطَّ رَحْلاً لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَصَابَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الجَنَّةُ، فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم : ((كَلا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْـلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا))، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لأَنَّهُ اعتَدَى عَلَى مَالٍ عَامٍّ لَمْ تَقَعْ بِهِ القِسْـمَةُ، فَكَانَ مِنَ الخَاسِرِينَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ مَا سَلَفَ لَهُ مِنْ عَمَلٍ، وَهَذَا العَمَلُ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَيَاتَهُ هُوَ الغُلُولُ الَّذِي حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: ” وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ” ، وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُ النَّاسِ ذَلِكَ البَيَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، والشِّراكُ سَيْرُ النَّعْلِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ((شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ))، وَأَعْـظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ذَلِكُمُ البَيَانُ المُجَلْجِلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي التَّحْـذِيرِ مِنَ الغُلُولِ عِنْدَمَا قَالَ: ((رُدُّوا الخَيْطَ وَالمِخْيَطَ وَإِيَّاكُمْ وَالغُلُولَ فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْـلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)).
أَيُّهَا المُسْـلِمُونَ:
حَسْبُ امْرِئٍ مَظْـلَمَةً أَنْ يَعْـتَدِيَ عَلَى الأَمْوَالِ العَامَّةِ كَتَغْيِيرِهِ لِعَلامَاتِ الأَرْضِ، وَقَدْ وَرَدَ: “لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ”، وَمَنَارُ الأَرْضِ: العَلامَاتُ الَّتِي تُمَيِّزُ أَرَاضِيَ النَّاسِ وَتُحَدِّدُهَا، وَغَصْبُ الأَرَضِ مِمَّا جَاءَ فِيهِ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ، فَقَدْ وَرَدَ: “مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْـئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ”؛ إِنَّ ذَلِكَ الَّذِي لا يُبَالِي بِضَمِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضٍ قَدْ تَكُونُ مَوقُوفَةً لِمَسْجِدٍ أَوْ وَقْـفًا لِمَدْرَسَةٍ فَيَضُمُّهَا إِلَى أَرْضِهِ؛ بِأَيِّ حُجَّةٍ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى وَقَدِ اعتَدَى عَلَى مَالٍ عَامٍّ؟ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْـتَأْجِرُ جُزْءًا مِنْ أَرْضِ بَيْتِ المَالِ لِمَشْرُوعٍ مِنْ مَشَارِيعِهِ ثُمَّ لا يُسَدِّدُ أُجْرَتَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى دَفْعِ مَا عَلَيْهِ أَلا يُحِسُّ بِأَنَّهُ مُعْـتَدٍ عَلَى حَقٍّ عَامٍّ؟ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْـتَأْجِرُ أَرْضًا مِنْ بَيْتِ المَالِ ثُمَّ يَبْـنِي فِيهَا الأَبْـنِيَةَ بِلا إِذْنٍ مِنَ الجِهَةِ الرَّاعِيَةِ لِبَيْتِ المَالِ، حَتَّى يَجْعَلَهَا أَمَامَ الأَمْرِ الوَاقِعِ، وَيَسْهُلَ عَلَيْهِ المُطَالَبَةُ بِتَمَلُّكِهَا، أَيْنَ هُوَ مِنَ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَمُرَاعَاةِ القَانُونِ وَالنِّظَامِ؟ وَذَلِكَ الَّذِي تَجْـتَمِعُ لَدَيْهِ أَمْوَالُ الأَفْلاجِ لِحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا فَيُبَذِّرُهَا فِي غَيْرِ مَا صُرِفَتْ لأَجْـلِهِ، أَمَا أَدْرَكَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الظُّلْمِ؟ وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ وَذَلِكَ القَائِمُ عَلَى الأَوقَافِ فَلا يَصْرِفُ مَا اجتَمَعَ لَهَا مِنْ أَمْوَالٍ فِي وُجُوهِهَا، أَيْنَ هُوَ مِنْ قَولِ الرَّبِّ العَظِيمِ: ” فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ” ، وَذَلِكَ الَّذِي يُحْدِثُ فِي طَرِيقِ المُسلِمِينَ – وَلَوْ كَانَ أَمَامَ مَنْزِلِهِ – مَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ، فَيُوقِعُ عَلَيْهِمُ الضَّرَرَ، مَا جَوَابُهُ إِنْ سُئِلَ يَوْمَ القِيَامَةِ: “لِمَ أَوقَعْتَ الضَّرَرَ بِالمَارَّةِ، وَالإِسْلامُ يَقُولُ لَكَ: لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ؟ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْـتَخْدِمُ أَجْهِزَةَ العَمَلِ لأَغْرَاضِهِ الخَاصَّةِ، أَيْنَ هُوَ مِنْ تَعْظِيمِ الأَمَانَةِ، وَالتَّحْـذِيرِ مِنَ الخِيَانَةِ؟ وَذَلِكَ الَّذِي يُجَامِلُ فِي إِرْسَاءِ المُنَاقَصَاتِ، وَتَوقِيعِ العَطَاءَاتِ، أَيْنَ هُوَ مِنْ مُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَاطِّلاعِهِ عَلَى دَخِيلَةِ سِرِّهِ؟ وَذَلِكَ الَّذِي لا يَسْعَى لِسَدَادِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونٍ استَدَانَهَا مِنْ جِهَاتٍ مُمَوِّلَةٍ، وَمِنْ مَصَارِفَ مُقْرِضَةٍ، أَيْنَ هُوَ مِنْ قَوْلِ هَادِي الأُمَمِ وَمَاحِي الظُّلَمِ صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ))، وَذَلِكَ الَّذِي يَتَحَايَلُ عَلَى عَدَّادَاتِ شَرِكَاتِ الكَهْرَبَاءِ وَالمِيَاهِ فَيَسْعَى لإِيقَافِهَا أَوْ لِتَغْيِيرِ بَيَانَاتِهَا، أَيْنَ هُوَ مِنْ نَهْيِ رَسُولِنَا العَظِيمِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الغِشِّ وَالتَّزْوِيرِ: ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)). وَمِمَّا يَلْحَقُ بِصُوَرِ التَّعَدِّي عَلَى المَالِ العَامِّ – يَا عِبَادَ اللهِ – البِنَاءُ فِي الأَودِيَةِ المَارَّةِ فِي البُلْدَانِ، ما قَدْ يُحَوِّلُ مَجَارِيَ السُّيُولِ عَنْ حَالِهَا، فَقَدْ يَرْجِعُ السَّيْـلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَدَثِ إِلَى بُيُوتِ النَّاسِ فَتَلْحَقُهُمُ المَضَرَّةُ. وَالضَّرَرُ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُزَالَ، وَمِنَ الإِهْمَالِ الَّذِي قَدْ تَلْحَقُ العُقُوبَةُ صَاحِبَهُ تَرْكُ الدَّوابِّ سائِبةً في الأَحْيَاءِ وَالمَسَاكِنِ، فَإِنْ أَكَلَتْ شَيْـئًا مِنْ زُرُوعِ النَّاسِ أَوْ ثِمَارِهِمْ، أَوْ أَضَرَّتْ بِمَرْكَبَاتِهِمْ فَهُوَ آثِمٌ، وَلِمَا أَتْـلَفَتْهُ ضَامِنٌ.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، الَّذِي إِلَيْهِ المَرْجِعُ وَالمَآبُ، وَبِيَدِهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، يُحْصِي عَلَى الإِنْسَانِ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ: ” إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ” .
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَمَرَ بِحِفْظِ الأَمْوَالِ، وَحَذَّرَ مِنَ الاعْـتِدَاءِ عَلَيْهَا بِالسَّرِقَةِ وَضُرُوبِ الاحتِيَالِ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ المَالَ قِوَامَ الحَيَاةِ، وَوَعَدَ مَنْ أَدَّى حَقَّهُ فِيهِ بِالفَوْزِ وَالنَّجَاةِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ الأَمْوَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ يَثْقُلُ وَيَتَعَاظَمُ إِذَا كَانَ المَالِكُ لِذَلِكَ المَالِ هُوَ المُجْـتَمَعَ بِأَسْرِهِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ إِبْرَاءُ الذِّمَّـةِ بِضَمَانِ مَا أُتْـلِفَ أَوِ اختُلِسَ مِنَ المَالِ العَامِّ، فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ حَقُّ اليَتَامَى وَالأَوقَافِ وَمَنْ لا يَمْلِكُ أَمْرَهُ مِنَ النَّاسِ، وَلا يُبِيحُ الوَاحِدُ لِنَفْسِهِ بِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي المَالِ العَامِّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ مُخْـتَلِسًا أَوْ سَارِقًا، فَإِنَّمَا يُقَدِّرُ لَكَ حَقَّكَ فِي ذَلِكَ المَالِ الجَهَةُ الرَّاعِيَةُ لِحِفْظِ المَالِ العَامِّ. وَالقَائِمُونَ عَلَى حِفْظِ المَالِ العَامِّ هُمُ المُطَالَبُونَ بِوَضْعِهِ فِي مَوَاضِعِهِ، فَإِنْ جَارُوا فِي عَمَلِهِمْ فَاللهُ تَعَالَى حَسِيبُهُمْ، وَالقَانُونُ عَلَى خُطَى الشَّرِيعَةِ جَرَّمَ فِعْـلَهُمْ، وَهَا هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَبَرَّأُ مِنْ كُلِّ عَامِلٍ استَعْمَلَهُ فَخَانَ فِي عَمَلِهِ وَلَمْ يَنْصَحْ للهِ تَعَالَى فِيهِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم استَعْمَلَ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ قَالَ: “هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي”، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: ((مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ))، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)). وَحَسْبُ كُلِّ مَسْؤُولٍ أَوْ مُوَظَّفٍ هَذَا الحَدِيثُ يَضَعُهُ أَمَامَ نَاظِرَيْهِ، وَلَقَدْ وَرَدَ فِي قَانُونِ حِمَايَةِ المَالِ العَامِّ: “أَنَّ لِلأَمْوَالِ العَامَّةِ حُرْمَتَهَا، وَيَجِبُ المُحَافَظَةُ عَلَيْهَا، وَلا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ إِلاَّ وَفْقًا لأَحْكَامِ القَانُونِ، وَلا الحَجْزُ عَلَيْهَا وَلا التَّعَدِّي عَلَيْهَا، كَمَا لا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا أَوْ كَسْبُ أَيِّ حَقٍّ عَيْـنِيٍّ عَلَيْهَا بِالتَّقَادُمِ”، كَمَا وَرَدَتِ العُقُوبَاتُ الَّتِي تَلْحَقُ المَسْؤُولَ الَّذِي استَغَلَّ المَالَ العَامَّ فِي مَصَالِحِهِ الخَاصَّةِ، بِمُصَادَرَةِ مَا اكتَسَبَهُ وَإِعفَائِهِ مِنْ مَنْصِبِهِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ -، وَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي الحِفَاظِ عَلَى الأَمْوَالِ العَامَّةِ، وَاحرِصُوا عَلَى الخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ الفَانِيَةِ مِنْ دُونِ أَنْ تَحْمِلُوا مَعَكُمْ تَبِعَةً مِنَ التَّبِعَاتِ، تَحَلَّلُوا اليَوْمَ مِنَ المَظَالِمِ قَبْـلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَجِدُونَ فِيهِ مَنْ يَقْبَلُ مِنْكُمْ فِدْيَةً وَلا وَسَاطَةً وَلا شَفَاعَةَ شَافِعِينَ ” مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ” ” وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ”
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: ” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ”

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ “.

إلى الأعلى