الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (3 ـ 8)

طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام (3 ـ 8)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(طرق الاثبات المعاصرة .. فقه العدالة فى الاسلام) دراسة فى البصمة الوراثية وبصمات الأصابع والعين والصوت والدم والرائحة والإثبات الالكترونى وموقف الفقه الاسلامى منها) للاستاذ الدكتور أحمد هندي ـ أستاذ قانون المرافعات وعميد كلية الحقوق جامعة الاسكندرية السابق.
يقول الباحث: ومن أهم مجالات الاستفادة من البصمة الوراثية المجال الجنائى وتحديد الهوية (فى مجال الطب الشرعي) فيمكن الاستعانة بها للكشف عن الجرائم وإدانة المتهم وكذلك فى تحديد هوية الشخص خاصة الموتى فى حالات الكوارث الجماعية وتحديد هويات الاسرى والمفقودين الذين طال عهدهم وربما تغيرت ملامح وجوههم، وكذلك فى تحديد هويات الاطفال التائهين أو المخطوفين وفاقدي الذاكرة والمجانين، وأيضاً فى حالات المشاكل المتعلقة بالجنسية والتعرف على منتحلي شخصيات الآخرين.
وقال: وبالإضافة إلى مجال الطب الشرعي، فإن البصمة الوراثية يعمل بها فى اثبات النسب فى الحالات الآتية: حالة الولادة من فراشين، حالة التنازع على شخص مجهول النسب، عند الشك فى الحمل بعد الزواج اقل من ستة أشهر، وعند الشك فى شخصية مدعى الانتساب إلى شخص آخر لا يقره ولا ينكره، وحيث يلحق شخص طفلاً لقيطاً أو ضائعاً لنفسه ثم يظهر أهله ومعهم الأدلة، وعند الاشتباه فى اختلاط المواليد بالمستشفيات، وعند الاشتباه فى حالة أطفال الانابيب، وعند اختلاط الأطفال فى الحروب والكوارث، وأخيراً لمنع الوصول إلى اللعان.
موضحاً بأنه أما من ناحية مدى شرعية الاثبات بالبصمة أو الشفرة الوراثية، فلاشك أن هذه وسيلة حديثة لم تعرف إلا عام 1987 فى الولايات المتحدة وأول دولة عربية استخدمتها هى الامارات وهذه الطريقة الحديثة من طرق الاثبات لا تتصادم مع الشريعة الاسلامية، بل هى تتوافق معها، لأن الشريعة تدعو دائما إلى الاخذ بالعلم وأسبابه وتحرص على أن يحصل كل صاحب حق على حقه بالطرق المشروعة تحقيقا للعدالة، ومن أهم مقاصد الشريعة حفظ المال، والعقل والنفس والنسل والدين. وفى الأخذ بهذه الوسائل المتطورة فى الاثبات حفظ لكل هذه المقاصد الضرورية، ولقد اوضح القرآن الكريم أن المولود هو نتاج الزوجين، حيث يقول تعالى:(انا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) التى هى عبارة عن اختلاط من ماء الرجل (الحيوان المنوي) وماء المرأة (البويضة) فكل خلية من خلايا الجسم لها دور، كما أثبت العلم الحديث، فخلايا الرجل تحتوى على الجسيمات (XY). والحيوانات المنوية نوعان: نوع يحمل كروموسومات الذكورة (Y) والنوع الثانى يحمل كروموسومات الأنوثة (X)، فإذا كان الحيوان المنوى يحمل الكروموسوم (X) التقى البويضة التى تحمل كروموسوم (Y) كان المولود انثى بإذن الله أى أن نوع الحيوان المنوى (الذى يحمله الرجل) هو الذى يحدد نوع المولود، وكل ذلك من آيات الله التى يوضحها لعباده (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ..) أي: أن الله يوضح لعباده ما الانسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والاخلاط والهيئات العجيبة، على ما ذهب ابن كثير، وهذا ينطبق على الشفرة الوراثية وغيرها من طرق الاثبات التى قد يستحدثها العلم، حيث يتطور العلم تطوراً مذهلاً (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).
وقال: لقد تعددت آراء علماء الفقه الاسلامي المعاصرين حول التكييف الشرعي للبصمة الوراثية بين ثلاثة آراء، الرأي الأول: يذهب إلى أن البصمة الوراثية قرينة قطعية، والرأي الثاني: أن البصمة الوراثية قرينة ظنية لا ترقى للقرائن القطعية لأنها عرضة للخطأ ، فهى ليست من البينات المعتبرة شرعاً فى اثبات النسب بل هى قرينة تخضع لتقدير المحكمة، أما القول الثالث فهو وسط بين هذين الرأيين، حيث يرى البعض أنها قرينة شبه قطعية للإثبات إذ أنها تدل على المطلوب مع احتمال خطأ نادر جداً فيلزم الأخذ بها فى اثبات النسب لأنها شبه قطعية، وبينما يرى البعض الآخر أنها قرينة قوية جداً، فيجوز العمل بها حيث أنها تزيد قوة عن القيافة فتكون البصمة الوراثية من باب أولى مثبتة للنسب أو نافيته وهى تقدم على الشهادة، بينما يرى ثالث انها تعد من قبيل القرائن أو الدلائل أو الامارات (دليل ناقص) يقتصر تأثيره على عقيدة القاضى على مجرد انشاء احتمال أو شرط وجود موضوع الدليل.
مشيراً الى أنه في كل الأحوال فإنه عند اجراء تحليل البصمة الوراثية ـ فى مجال النسب ـ يجب توافر مجموعة من الشروط من الناحية الشرعية: يشترط فيمن يتولى اجراء التحليل الشروط التى يتطلبها الفقهاء فى القائف وهى الاسلام والعدالة وان يكون خبيراً مؤهلاً وقد اشتهر عنه الاصابة، فالإسلام شرط لان قول القائم بتحليل البصمة يتضمن خبراً أو حكماً أو شهادة بناء على اختلافهم فيمن يقوم بالتحليل (القائف) هل هو حكم أو شاهد أم مخير أم مفتي، ولا نرى اشتراط الاسلام فيمن يتولى اجراء التحليل، لأننا نرى أن مركز القائم بالتحليل أقرب للخبير منه للشاهد، نوع من الخبرة الفنية التكنولوجية التى تغلب فيها عمل الآلة على جهد البشر، البصمة الوراثية طريقة حديثة افرزها العلم المتطور، وتتم من خلال أجهزة علمية ذات تقنية عالية، يشترط فيمن يستخدمها الخبرة والدقة، وكذلك فى المختبر الذى يتولى تحليل البصمة الوراثية، فإذا ثبت عدم دقة أو عدم امانة أو عدالة القائم بالتحليل، بالطرق العلمية، فإن التحليل يفقد شرط من شروطه، كما يشترط كذلك فيمن يتولى اجراء التحليل خلوه من موانع الشهادة المعروفة، كما يشترط أيضاً أن يكون اكثر من واحد لأنها شهادة على قول بعض أهل العلم ولا يقبل فى الحقوق أقل من شاهدين، وأن تكون أوامر التحاليل البيولوجية للبصمة الوراثية بناء على أوامر من القضاء أو من له سلطة ولى الأمر حتى يقفل باب التلاعب أو اتباع الاهواء الظنية عند ضعاف النفوس.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى