الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإخلاص روح الطاعات وجوهر العبادات (6)

الإخلاص روح الطاعات وجوهر العبادات (6)

إعداد: مبارك بن عبدالله العامري
وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة، وقال ابن أبي عدي: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله، وكان يعمل خرازًا، يحمل غداءه من عندِهم فيتصدق به في الطريق ويرجع عشيًّا فيفطر معهم.
قصة يوسف ـ عليه السلام:(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف ـ 24) وقصة موسى ـ عليه السلام:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً) (مريم ـ 51).
قال أبو سليمان الداراني: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة، لا يريد بها إلا الله تعالى، وقال بعض السلف: من سلم له في عمره لحظة واحدة خالصة لله تعالى نجا. ولما مات على بن الحسن وجدوه يعول مائة بيت في المدينة.
وقيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا، قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق. وقال رجل التميم الداري ـ رضي الله عنه: ما صلاتك بالليل؟ فغضب غضباً شديداً ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في سرّ أحب إلى من أن أصلي الليل كله، ثم أقصّه على الناس، وقال أيوب السختياني: ما صدق عبد قط فأحب الشهرة، وقال بعض السلف: إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي الخلاء، وقال الحسن: كان الرجل يكون عنده زوار فيقوم من الليل يصلي ولا يعلم به زواره وكانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوتا.قال الفضيل بن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، قال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم يعني كتبه على أن إلا ينسب إلى منه شيء، عن سفيان قال: أخبرتني مرية الربيع بن خثيم قالت: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه، وقال جبير بن نفير: سمعت أبا الدرداء وهو في آخر صلاته وقد فرغ من التشهد يتعوذ بالله من النفاق، فكرر التعوذ منه، فقلت: مالك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟! فقال: دعنا عنك، دعنا عنك، فوالله، أنّ الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الوحدة فيخلع منه، وعن يحي بن أبي كثير قال: تعملوا النية، فإنها ابلغ من العمل”.قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الفيروز بادي لا يخرج شيئاً إلى فقير إلا أحضر النية، ولا يتكلم في مسألة إلا قدم الاستعانة بالله وإخلاص القصد في نصرة الحق دون التزيين والتحسين للخلق. ولا صنف مسألة إلا بعد أن صلى ركعتين فلا حرج أن شاع سمه واشتهرت تصانيفه شرقاً وغرباً، وهذه بركات الإخلاص، ومما أثر عن الفاروق ـ رضي الله عنه ـ انه كتب إلى أبي موسى الأشعري: من خلصت نيته كفاه الله ما بينه وبين الناس، وهذا داود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان له دكان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به، فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به، فإذا جاء العشاء تعشى مع أهله، وكان يقوم الليل أكثر من عشرين سنة ولم تعلم به زوجته .. سبحان الله، انظر كيف ربّوا أنفسهم على الإخلاص، وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة، فهذا زوجته تضاجعه وينام معها ومع ذلك يقوم عشرين سنة أو أكثر ولم تعلم به، أي إخفاء للعمل كهذا، وأي إخلاص كهذا.فأين بعض المسلمين اليوم الذي يحدث بجميع أعماله، ولربما لو قام ليلة من الدهر لعلم به الأقارب والجيران والأصدقاء، أو لو تصدق بصدقة أو أهدى هدية، أو تبرع بمال أو عقار أو غير إني لأعجب من هؤلاء، أهم أكمل إيمانًا وأقوى إخلاصًا من هؤلاء السلف بحيث إن السلف يخفون أعمالهم لضعف إيمانهم، وهؤلاء يظهرونها لكمال الإيمان؟!.
عجبًا ثم عجبًا ـ أخي المسلم ـ إذا أردت أن يحبك الله وأن تنال رضاه فما عليك إلا بصدقات مخفية لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، فضلاً أن يعلمه الناس، وما عليك إلا بركعات إمامها الخشوع، وقائدها الإخلاص، تركعها في ظلمات الليل، بحيث لا يراك إلا الله، ولا يعلم بك أحد. ولهذا فإنّ إخفاء العبادة وتحقيق الإخلاص يحتاج إلى صبر.
إن تربية النفس على مثل هذه الأعمال لهو أبعد لها عن الرياء وأكمل لها في الإخلاص .. اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، واجعلها خالصة لك، صوابًا على سنة رسولك.

إلى الأعلى