الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مفـاتيح النـصر (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مفـاتيح النـصر (1)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصولاً .. واليوم عـن مـفـاتيح النـصر: لـقـد عـزمـت عـلى أن أرسـل إلى قـائـدهـم في صباح الـغـد، أن يـبـعـث إلـينا بعـضاً مـن خـاصة رجـاله، لنتـباحـث مـعهـم في أمـر هـذه الحـرب، وإنـما قـصـدنا مـن ذلك أن نـطـلـعـهـم عـلى ما يـبهـر أعـيـنهـم مـن عـظـمة دولة الـفـرس، في ثـرائها ومـد نيتها وقـوتها وعـظـمتها، وسـيـكـون هـذا الـقـدر هـو وحـده مـن حـربهـم كافـيا، لأن تمـتـلىء قـلـوبـهـم بالـرعـب ويـرتـدوا عـن بـلادنا خـائـبـين خـاسـرين.
فـصاح كل مـن الهـرمـزان وجـالـينـوس: هـذا والله هـو الـرأي وإنا لـنـرجـو أن يـكـون في ذلك ما يـكـفـيـنا حـربـهـم، ومع بـزوغ شـمس الـيـوم التالي، كان يقـف أمام سـعـد بن أبي وقـاص قـائـد جـيش الـمسـلـمـين في مـعـركة القادسية (الـمـدائـن)، رسـول مـن قـبـل رسـتـم يـرجـوه أن يـبـعـث إلـيه بـعـض خاصـته، لـيــتـذاكـر مـعـهـم حـول ما جـاء الـمسـلـمـون مـن أجله.
فـنادى سـعــد بن أبي وقـاص أول جـنـدي لـمحـته عـيناه في معـسكـره، وأمـره أن يـذهـب إلى حـيث يـعـسـكـر جـيـش الـفـرس فـيـلـقى قـائـدهـم رسـتـم لـينـظـر ماذا يـريـد مـن هـذا اللـقـاء، والـتفـت رســول رسـتـم ، فـإذا هـو بـرجـل لا يمـلـؤ شـكـله العـين، لا سـيما إن كانت مـثـل عـين رسـتـم الـذي عـاش مـترفـاً، فـلـباس رسـول قائـد الـمسـلمـين خـرقة لـفـها حـول جسـمه وشـد وسـطـه فـوقـها بحـبـل، وسـلاحه سـيف ربـطـه بطـرف مـن ذلك الحـبـل، ورمـح أمسـكـه بـقـبضة يـده، وركـوبه أي فــرسـه عـارية مـن أي زيـنـة تتـخــذ للـفـرس، حـتى ظـهـر الـفـرس كان عـاريا مـن الـســرج.
إن عـظـمة الـرجـال لا تعـرف باللـباس، وإنـما تعـرف بـمـواقـفهـا وقـت شـدة الـبأس، فـهـذا رسـول قـائـد جـيـش الـمـسـلـمـين، الـذي لـما رآه رسـول رسـتم قـائـد الجـيـش الـفارسي احــقـره، فـمـن يا تـرى هـذا الـرجـل الـذي أخـلـف ظـن رسـول رستـم، وأخـلـف ظـن الجـيش الـفـارسي كـله، لما أبـداه مـن شـجـاعـة وثـقـة بالله.
وكان هـذا الـرجـل هـو (ربـعـي بن عـامـر) واحـداً مـن عـامة الجـنـد في جـيـش سـعـد بن أبي وقـاص، كأي جـنـدي تـراه الـيـوم، لـيست له أي صـفـة أخـرى فـوق ذلك ونـظـر الـرسـول الـفـارسي إلى وجـه سـعــد بن أبي وقـاص، وقـد خـامـره شـك في أن يـكـون هـذا الجـنـدي البـسيـط هـو مـنـدوب قـائـد جـيـش الـمسـلمـين إلى رسـتم.
ثـم سـأله في هـشـة: أهـذا هـو مـنـد وبكـم الـذي سـيقـابـل باسـمكـم قـائـد الجيش؟ فأجـاب سـعـد بن أبي وقـاص بـكل ثـقـة وباقـتضـاب: أجـل وسـيحـدثـكـم عـن كل ما تـريـدون أن تـعـرفـوه فازدادت دهـشـته لهـذا الجـواب، وأذهـلـه أن يكـون جـنـدي بـسيـط كهـذا قـادراً عـلى أن يحـدث قـائـد جـيـوش الـفـرس، حـول جـميـع ما يـريـد أن يـعـرفه مما قـد أتى جـيـش الـمسـلـمـين مـن أجـله، ثـم ازداد دهـشـة وذهـولا عـنـدما رأى الجـنـد الـمسـلـم يسـتـوي عـلى ظهـر فـرسـه، ويـودع قـائـده للمـسير دون أن يـتـلـقى مـنه أي تعـلـيـمات، ودون أن يـذكـره قـائـده بأمـر ما أو يهـتم بتـوصيته بشيء ولاعـن الـمهـمة التي أكـل التحـدث فـيـها.
ومضى كل مـن الجـنـد الـمسلم ورسـول رسـتـم يـؤمـان مـعـسـكـر الـفـرس، وفي الطـريـق كان الجـنـد الـمسـلم يظـل مـادّاً بـصره في اتجـاه خـط مسـتقـيم أمامه، لا ينحـرف به إلى الـيمـين أو إلى الـيسـار، شـأن مـن لا يحـفـل مـن الحـياة كلها إلا بهـدف عـظـيـم يجـثـم أمـامه، فـهـو يـغــذ السـير إلـيه بـكل ثـقـة، وكانت نـظـراته تـدل دلالـة واضحـة عـلى أنـه لا يحـفـل بأي شئ مـن الـزخـرف حـوله: ولا يـلـتفـت إلى معـالـم الأراضي الغـريبة التي يمـر بها، ولا مـظهـر الـرسـول الـفـارسي الـذي يخـب إلى جانبه مـزهـوا بـزيـنـته.
أما هـذا الجـنـدي الـمسـلم، فـقـد ظـل يـشـد مـن زمـام فـرسـه، لـيتخـلـف قـلـيـلاً عـن الجـنـدي الـفـارس يـديـر بـصـره الـمـرة تـلـو الأخـرى في هـيئـته ومـظهـره البسيطين، ثـم يـعـجـب مـن مـلامـح الـعـز والهـيـبة، التي تأبى مـع ذلك إلا أن تـرتسـم جـلـية الأمـر عـلى وجـهه .
وكان تأمـل في حـيرة: ألـيس عـلى هـذا الجـنـدي الـمسكـين أن تـذوب مـنه النفـس تصـاغـراً وخـجـلاً، إذ يجــد نـفـسه بـثـيابه الـمهـلهلة هـذه، إلى جـنـب الـزيـنة التي تشـرق في مـظـهـر رسـول رسـتـم، قـائـد الجـيـوش الـفارسـية، ولـكـن يـا للـعـجـب هـا هـي ذي هـالة العـظـمة، تـزداد مـن حـوله اتسـاعـاً، عـلى حـين لا تغـنـى زينـة الـعـظـيـم الـفارسي عـنه شـيئاً، ولا يـقـاوم بـريـقها شـيـئا مـن هـيبة هـذا الجـنـدي الـمسـلم البسـيـط .
واخـذت هـذه الحـيـرة التي ارتسـم بها شـكل الـقـائــد الـفـارسـي الأنـيـق، تـرغـمه عـلى أن يـظـهـر في مـظـهـر آخـر، كان يـبـدو وهـو يخـب إلى جـانـب الجـنـدي الـمسـلـم الـذي لا يـلـوي عـلى شيء مـن حـوله، ولا يـفـتـأ ينـظـر بـعـين حـادة صـارمـة في الطـريـق الـمسـتـقـيمة التي يتجـه إلـيها ، إنه أشـبه ما يـكـون خـادماً يـسير في قـلـق إلى جـانـب سـيـده.
أما جـميـع إشـاراته وزخـرفـه، فـلـم يـكـن شيء مـن ذلك يـدل إلا عـلى الـمـزيـد مـن هـيبة الجـنـدي المسـلم وعـظـمته، وكأنـما تـعـالت نفـسه عـن الـتعـلـق بـذلك فـتجاوزه مـعـرضاً، وتـرك غـلامـه يمـتـع نـفـسه ويجـمـلها مـنه بـما شـاء، إن كانـت عـن الحـق شـيئاً؟، فالحـق أحـق أن يـتـبـع، وعـلى الـرغـم مـن أن الـقـائــد الـفـارسي، كان تـواقـا لأن يـنـفـد إلى سـبـيـل للحـديث مـع صاحـبه هـذا، فـقـد كانـت الـهـيبة التي تـنـبـعـث عـن عـامة مظـهـره بما في ذلك هـيـئته الـمـتـواضـعـة جـداً، تـمـنـعـه عـن الـوصـول إلى أي مـنـفـذ للـمكالـمة والحـديـث.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى