الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (فطرة الله التي فطر الناس عليها)

(فطرة الله التي فطر الناس عليها)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني :
أيها القراء الأعزاء: روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
الإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها شاء أم أبي، فالقلوب المولودة علي الفطرة كالصفحة البيضاء تكتب فيها ما شئت أو كالأرض الخصبة الخالية تزرع فيها ما شئت، فما الذي سنزرعه في قلوب أولادنا؟ ما الذي نسطره في صفحة قلوبهم النقية نقاء الفطرة؟ هذا هو أوجب الحقوق وأولها مساءلة يوم القيامة (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ).
أولادنا لهم علينا حقوق مادية يسألنا الله عنها يوم القيامة من طعام وشراب وكسوة، كما لهم علينا حقوق إيمانية هي أولي وأوجب من حقوق الطعام والشراب، أوجب حقوق الولد أن تعلمه أن له ربا يجب أن يُطاع أمره، وأن له نبيا هو له قدوة وإماما تجب عليه طاعته والاهتداء بسنته وهديه، ويعلمه تعظيم القرآن وعمارة المساجد وحب الصالحين وتوقير العلماء والكبار وكل ذي شيبة في الإسلام، وهذه وصية لقمان لولده:(ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور)، علم ولدك كيف يمشي وكيف يتكلم وكيف يتعامل مع الناس، هذه كلها حقوق أبنائنا علينا فهل وفينا بها؟، وعن سمرة بن جندب قال:(لقد كنت على عهد رَسُول اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أن ههنا رجالاً هم أسن مني) ـ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أم مريم زوجة عمران كانت لا تلد فرأت يوما طائرا يطعم صغاره فتحركت فيها عاطفة الأمومة وأحبت أن يكون لها ولد ، فأخبرت زوجها عمران فقال لها: إذا دعوت الله يستجب لك ، فحملت من يومها وما لبث عمران أن مات ، ولما تحقق حملها نذرت أن تجعل ما في بطنها متفرغا لخدمة بيت المقدس في طاعة الله:(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم).
ولم تكن تعلم أنها تحمل أنثي، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثي والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثي أي في خدمة بيت المقدس فقد كان كل من فيه رجال، فكيف ستكون أنثي بين الرجال؟ كان عند الصالحين عفة وكرامة ويخافون علي أعراضهم كنور عيونهم، ولكن الأم الصالحة حينما وضعت وليدتها علمتنا ثلاثة أشياء هامة، وهذه نصيحة للأمهات الحوامل في صحة النية في مولودها الذي تحمله قبل أن تري عيناه الدنيا، وتعليم لنا في الغاية من الإنجاب والذرية :
ـ حسن التسمية واختيار الاسم الحسن فهذا من حق الولد علي أبيه، (وإني سميتها مريم) ومريم تعني المرأة الصالحة أو العابدة .
ـ الدعاء لها بالحفاظة من الشيطان وهو سبب كل معصية وبلاء، فلم تطلب الاستعاذة من المرض أو الفقر وإنما عوذتها بالله من الشيطان الرجيم:(وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)، ولم تقل من المرض الأليم أو الفقر الشديد، وأدخلت في الدعاء ذريتها مع ابنتها، أي فقه وأي فهم كان لهذه الأم التقية الصالحة؟ وهذا درس للأمهات والجدات الصالحات، فكم من قادة وعلماء وأئمة قادوا هذه الأمة إلي كل خير وفتح عظيم كان وراء نجاحهم أمهات صالحات قانتات عابدات.
ـ أحسنت النية في هذه المولودة قبل ولادتها فنذرت هذا المولود لطاعة الله:(إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم)، محرراً أي: فارغاً من كل عمل إلا من طاعة الله .
قصص القرآن هو قصص الحق الذي يعلمنا النية في إنجاب الذرية، ويعلمنا كيفية الدعاء لها بالخير، ويعلمنا سنن الهدي التي يُنشئون عليها ليعرفوا حق ربهم وحق آبائهم وغاية وجودهم في الحياة
في الحكمة: ولدك ريحانتك سبعاً تشمه وتضمه، وخادمك سبعاً يسعى في حوائجك، ووزيرك سبعاً تنتصر به وتعتمد عليه وتستأنس برأيه يجب أن يراعي في كل مرحلة سنية زمنية آدابها في السنة، فمن حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) نتعلم كيف نزرع لنجني أعظم حصاد وأطيب ثمار، فالولد غرس أبيه، والأبوان يجنيان ثمرة غرسهما إذا كان الغرس صحيحا وعلي أصول راسخة متينة .
نرى في السنة مراعاة ثلاثة أمور هامة في التعامل مع الأبناء :
أولاً ـ الرحمة: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أرحم الناس بالصبيان والصغار، وإذا سمع بكاء الطفل خفف الصلاة رحمة بأمه وشفقة عليه، ومرة صلي فأطال السجود حتي ظن الصحابة أنه قبض، فقال لهم إن ابني هذا وأشار إلي الحسن أو الحسين قد اعتلي ظهري فكرهت أن أرفع قبل أن يقوم، وروى النسائي عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ، ففقده النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: ما لي لا أرى فلاناً؟ قالوا يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي (صلى الله عليه وسلم) فسأله عن بنيه فأخبره أنه هلك ، فعزَّاه عليه، ثم قال: يا فلان أيما كان أحبَّ اليك أن تُمتع به عمرك أولا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إليَّ، قال:(فذلك لك).
كان أولاد عمر ـ رضي الله عنه ـ يلعبون علي بطنه وهو مستلق علي ظهره فدخل عليه أحد عماله فكأنه استنكر ما رأى، فقال له عمر: وكيف أنت مع أهلك وولدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إذا دخلت بيتي سكت الناطق، فقال له: اعتزل عنا، إذا كنت لا ترحم بأهلك وولدك فكيف ترحم بأمة محمد؟ .. لله درك يا عمر ـ رضي الله عنك وأرضاك.
* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى