الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / انتعاش نزعات الانفصال .. وإضعاف الدول

انتعاش نزعات الانفصال .. وإضعاف الدول

علي بدوان

”إنَّ ما جرى في كتالونيا “لم يكن صاعقة في سماء صافية”، بل جاء في سياقات من التحولات الجارية في أكثر من مكان في الغرب الأوروبي، مع صعود تيارات اليمين الشعبوية ذات النزعات القومية، كما هو ليس ببعيد عن سعي واشنطن الدائم، وخصوصا منذ إدارة الرئيس جورج بوش الأب، لإضعاف الأوروبيين ومجموعة الاتحاد بشكل عام.”

في الواقع الأوروبي الحالي، شكّل الاستفتاء الأخير للمواطنين في إقليم كتالونيا الإسباني، والمُتعلق بالدعوة للانفصال عن الدولة المركزية وبالتالي الاستقلال، شكّل أكبر تحدٍّ للدولة الإسبانية الموحدة منذ رحيل الدكتاتور العسكري الإسباني فرانشيسكو فرانكو في العام 1975، والذي كان قد حَكَمَ إسبانيا بيدٍ من حديد، وحافظ على وحدتها الجغرافية والسياسية. كما شكّل في الوقت نفسه تحديا لمجموعة الاتحاد الأوروبي التي وجدت نفسها الآن أمام اعتمال داخلي في بلد أساسي من بلدان الاتحاد، في الوقت الذي ما زال فيه الموضوع المتعلق بخروج بريطانيا من مجموع الاتحاد يجرجر نفسه بتداعيات مستمرة، وقد تحتاج لعدة سنوات للخروج منها.
استفتاء في كردستان العراق، واستفتاء في إقليم كتالونيا شمال إسبانيا، والهدف هو السير على طريق الانفصال والاستقلال التام. حدثان يُشيران بوضوح مُتزايد لنزعة الانفصال القومي … وحتى الإثني، في أكثر من بلد في العالم يضم ضمن مكوناته تعددية قومية (كردستان العراق، واسكتلندا في بريطانيا، وكتالونيا الإسبانية في مثالنا الراهن…)، وتعددية إثنية.
إنَّ حركة الانفصال في إقليم كتالونيا الإسباني، ليست طارئة أو جديدة في الحدث الإسباني، لكنها استفاقت الآن من سباتها مع انتعاش نزعات الانفصال في أكثر من مكان في العالم، فبدأ التصعيد بين إقليم كتالونيا والحكومة الإسبانية يتزايد على ضوء إصرار حكومة الإقليم على إعلان الانفصال عن إسبانيا بعد نتائج الاستفتاء الأخير، على الرغم من كل الإجراءات التي تلوّح بها مدريد لمنع الإقليم من اتخاذ هذه الخطوة الانفصالية.
استفتاء إقليم كتالونيا الإسباني، وكما يخشى الكثيرين في القارة الأوروبية، يُشكّل الآن أسبقية أمام اعتمالات قومية قد تتمدد لأكثر من بلد أوروبي، أولها في الحالة الأسكتلندية، فالبرلمان الأسكتلندي الذي يُسيطر عليه الحزب المنادي بالاستقلال عن المملكة المتحدة (بريطانيا) بارك استفتاء كتالونيا بوضوح لا لبس فيه، منسجما مع تطلعات الناس في أسكتلندا “المهووسين” بالانفصال عن التاج البريطاني منذ عدة عقود.
إنَّ ما جرى في كتالونيا “لم يَكُن صاعقة في سماء صافية”، بل جاء في سياقات من التحولات الجارية في أكثر من مكان في الغرب الأوروبي، مع صعود تيارات اليمين الشعبوية ذات النزعات القومية، كما هو ليس ببعيد عن سعيِ واشنطن الدائم، وخصوصا منذ إدارة الرئيس جورج بوش الأب، لإضعاف الأوروبيين ومجموعة الاتحاد بشكل عام، وجعلها تابعا ذيليا لسياسات واشنطن في العالم، وذلك بالرغم من تصريحات الرئيس دونالد ترامب الذي قال بأن “انفصال كتالونيا عن إسبانيا عمل غبي”. فواشنطن ساندت وما زالت الخروج البريطاني من مجموعة الاتحاد الأوروبي، وتسعى لإضعاف الأوروبيين واحتوائهم واستخدامهم في اللعبة الكونية الأميركية كممولين فقط، فالأوروبيون، وقارة أوروبا عموما هي “القارة العجوز” على حد تعبير وزير الدفاع الأميركي السبق دونالد رامسفيلد. كما أن روسيا غير بعيدة عن التأثير عن مسارات تلك الأحداث الدائرة في القارة الأوروبية ومنها الحدث الكتالوني، حتى أنَّ صحيفة (الموندو) الإسبانية كانت قد نَشَرَت مؤخرا تقريرا ورد فيه أن “الماكينة الروسية ضاعفت من قوة عملها في الساعات التي سبقت الاستفتاء في كتالونيا من أجل تعميق الانشقاق في إسبانيا والاتحاد الأوروبي”. بل وعززت الصحيفة ادّعاءها بحجة “تزايد نشاط المستخدمين المرتبطين بالكرملن وبوتين على شبكة تويتر” وهو ما يذكّرنا بالاتهامات التي وجّهت إلى موسكو بالوقوف خلف أحداث غربية مفصلية عدّة، مثل استفتاء (البريكست)، وفوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية.
إنَّ انفصال إقليم كتالونيا بشكل تام عن إسبانيا، وكما تشي كل المؤشرات، لا يزال غير مُرجّح مائة بالمائة، بالرغم من الصوت العالي لزعيم الإقليم (بيغديمونت) وإصراره على الانفصال، وإقدامه بالإعلان عن ذلك، فالعوائق ما زالت موجودة، وعلى الأقل لأن نسبة المشاركين في الاستفتاء من المجموع العام للسكان متدنية، وهو ما يضعف العملية كلها، حيث شارك بها نحو (40%) فقط من سكّان ومواطني الإقليم في الاستفتاء، فأيّدَ (90%) منهم الانفصال. بينما حصل المعسكر الرافض للانفصال على نسبة (7.9%) من الأصوات. ولكن باتت المشاعر الانفصالية تحتفظ بزخمها الخاص بها. بمعنى أن أكثر من نصف السكان (60%) لم يشاركوا بالاستفتاء، لكن ثقافة الانفصال باتت موجودة بزخم نسبي لكنه مرتفع، بالرغم من وجود أصوات كتالونية معارضة للانفصال وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الكتالوني، وهو حزب وحدوي يعارض الحركة الانفصالية، وقد تقدّم بطلبِ “أمر حماية” إلى المحكمة الاتحادية على أساس أن إعلان الاستقلال والانفصال الكتالوني “سيخالف الدستور ويدمر حقوق النواب”.
ويعتقد المراقبون أنه في حال ذهب زعيم إقليم كتالونيا (بيغديمونت) كما وقع باتجاه إعلان الاستقلال والانفصال التام عن مدريد بالفعل، فإن مدريد قد تَردُّ بتعليق الوضع الحالي للإقليم الذي يتمتّع بالحكم الذاتي منذ عام 1978، وسيتم فرض حكم مُباشر من العاصمة. وهناك خيار آخر قد تلجأ إليه مدريد، وهو المادة 155 من الدستور، والتي يُمكن بموجبها حلّ برلمان كتالونيا وإجراء انتخابات محلية، إلا أن استخدام هذه المادة يتطلّب دعما برلمانيا واسعا، وهو ما لن يتمكّن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي من الحصول عليه على الأرجح.
ومن المؤكد أن مجموعة الاتحاد الأوروبي لا يمكن لها أن تغض النظر أو تغمض عينيها عن نتائج الحدث الكتالوني، حيث يُقدّر لتلك الخطوة حال تواصلت على طريق الانفصال أن تكون لها عواقب لا تحصى. فمن شأن استقلال كتالونيا أن تعاني إسبانيا وكتالونيا اقتصاديا إذا وصلتا إلى انفصال بدون اتفاق، حيث تعطي كتالونيا نحو (19%) من الناتج الإجمالي لإسبانيا و(16%) من سكانها، وهي في الوقت نفسه أحد أهم المحركات الاقتصادية في إسبانيا، إذ إنها تشكل حوالي خُمس الاقتصاد الإسباني. وفي حال انفصلت كتالونيا عن إسبانيا فإنه يُقدّر لها أيضا أن تطلب رسميا من الاتحاد الأوروبي معاودة الانتسابِ إليه، وهو أمر قد تُعيقه إسبانيا وتقف في وجهه.

إلى الأعلى