الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الابتزاز السياسي وراء الانسحاب الأميركي من اليونسكو

الابتزاز السياسي وراء الانسحاب الأميركي من اليونسكو

ابراهيم بدوي

إن الأخطاء التي تتحدث عنها واشنطن في بيان انسحابها والذي ساقته هيذر ناورت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، وما زعمت أنه قرار يستند إلى مخاوف بشأن الديون وضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظمة، ومن استمرار ما وصفته بـ”الانحياز ضد إسرائيل”، ما هو إلا بلطجة سياسية تستغل الأموال التي تدفعها واشنطن، حيث تمول أميركا خمس أنشطة المنظمة، لتدفعها بمصطلحات مطاطة حول التعديلات إلى اتخاذ إجراءات تدفع المنظمة لترك دورها الثقافي والتعليمي البنَّاء، والالتزام بتوجيهات واشنطن السياسية التي تنسى دوما وتتناسى الجانب الأخلاقي.

جاء القرار الأميركي الأخير الخاص بالانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ليؤكد أن الإدارة الأميركية الحالية تخطت كافة القواعد الدولية والمواثيق الأممية، ناهيك عن المبادئ الأخلاقية التي طالما أهدرتها الولايات المتحدة في رحلة دفاعها عن كيان الاحتلال الإسرائيلي الإرهابي طوال العقود الماضية، مستخدمة الضغوط السرية تارة، وحق الفيتو تارة أخرى، بسعي دائم ودؤوب يهدف إلى إحلال الكيان الغاصب من أي التزامات قانونية تسعى للضغط عليه لإيقاف نشاطاته المتواصلة طوال 6 عقود بهدف سرقة كامل الحقوق الفلسطينية، ومنع أي تحرك أممي يفرض على هذا الكيان تطبيق أي من القرارات الأممية المتوالية منذ النكبة والتي تقر الحقوق والثوابت الفلسطينية. وإذا كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة قد قامت بهذا الدور بامتياز، فإنها كانت تحرص على ترك مساحة ولو ضيقة من الضغط على كيان دولة الاحتلال، بهدف توازنات ومصالح أميركية أخرى، لكن الإدارة الترامبية تجاوزت تلك المساحة لتتوافق مع رغبة الحكومة الأشد تطرفا في كيان إرهابي غاصب لسرقة ما تبقى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن الانسحاب الأميركي ليس مجرد ما تعودنا عليه من واشنطن من مساندة للكيان الاحتلالي وتهريبه من الاستحقاقات الأخلاقية في أبسط صورها، لكن الخطورة تكمن في إطار تسييس ما لم يكن مسيسا، فالمنظمة الأممية العريقة نأت بنفسها عن قاذورات السياسة، والتزمت الخط الإيجابي الساعي إلى التقريب الثقافي بين بلدان المعمورة، وكانت عنوانا في الالتزام الأخلاقي في قراراتها العديدة التي كانت تسعى دوما إلى الإسهام في إقرار السلام والأمن في العالم عبر التعاون في مجالات التربية، والثقافة، والعلوم، والقضاء على الفقر وتحقيق التنمية المستدامة، وصون التراث العالمي من الكتب والأعمال الفنية والآثار التاريخية، وإقامة حوار بين الثقافات من خلال ميادين عمل اليونسكو، وذلك وفق ما نص عليه ميثاقها الذي جاءت ديباجته لتؤكد (أن الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام).
والمواقف التاريخية والبلدان النامية أفضل دليل على الجهد الذي تبذله تلك المنظمة الكبيرة في صون السلام الدولي عبر بناء العقول، ونشر الثقافة والتعليم، تاركة الدروب الملتوية للساسة، يحاولون فيها إلباس المعتدِي ثوب المعتدَى عليه، وحماية بلطجة القوة، لتكون نواة لإرهاب عاث واستفحل، إرهاب دولي منظم تقوده الدول التي لا تحترم الشق الأخلاقي من القانون الدولي، وتفرض العقوبات على بلدان اتخذت من استقلال الإرادة الوطنية عنوانا، وتغض النظر عن دول أخرى وأنظمة قمعية تمارس الإرهاب جهارا نهارا كما يقولون، وتتخذ سياساتها في الحساب والعقاب، اعتمادا على المصلحة الآنية دون النظر إلى ثوابت أخلاقية، ولعل تدمير العراق وسوريا وفلسطين وليبيا نماذج لتلك السياسة العنجهية، التي تفرض العقوبات على إيران وكوريا الشمالية بمزاعم خطورة برنامجهما النووي، وترفض الإشارة حتى عن البرنامج النووي الإسرائيلي المخالف لكافة المواثيق الدولية.
إن الأخطاء التي تتحدث عنها واشنطن في بيان انسحابها والذي ساقته هيذر ناورت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، وما زعمت أنه قرار يستند إلى مخاوف بشأن الديون وضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظمة، ومن استمرار ما وصفته بـ”الانحياز ضد إسرائيل”، ما هو إلا بلطجة سياسية تستغل الأموال التي تدفعها واشنطن، حيث تمول أميركا خمس أنشطة المنظمة، لتدفعها بمصطلحات مطاطة حول التعديلات إلى اتخاذ إجراءات تدفع المنظمة لترك دورها الثقافي والتعليمي البنَّاء، والالتزام بتوجيهات واشنطن السياسية التي تنسى دوما وتتناسى الجانب الأخلاقي، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تعلن واشنطن انسحابها من المنظمة، فقد استخدمت تلك المساهمة كابتزاز سياسي للتأثير على توجهاتها وقراراتها في عدة قضايا، حينما أصدرت اليونسكو قرارات في غير صالح كيان الاحتلال عام1974م، فجمدت عضويتها مدة عامين، ودفع مساهماتها المالية المنظمة إلى التراجع عن تلك القرارات عام 1976م، كما هددت عام 1983م قبل العودة ثانية عام 2003م، ناهيك عن التهديدات التي أطلقتها عام 2011م بالانسحاب مرة أخرى.
ما تصفه واشنطن بـ”الانحياز” ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي يستند إلى قرارات هامة اتخذتها المؤسسة لحماية التاريخ والتراث الفلسطيني من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، فقرارات لجنة التراث العالمي في “اليونسكو”، حول “بلدة القدس القديمة وأسوارها، التي تجاهلت الضغوط الهائلة التي مارسها كيان الاحتلال على الدول الأعضاء واليونسكو لإفشال القرار، حيث عرفت المنظمة الوضع التاريخي القائم في القدس المحتلة، وأكدت على حقوق الشعب الفلسطيني على مقدساته، لذا فأميركا تمارس هوايتها التاريخية لممارسة مزيد من الضغط على المنظمة، دون تحرك عربي يعوض المنظمة عن الأموال الأميركية، ويدفعها لممارسة دورها وفق القواعد الأخلاقية والقانونية متحررة من ضغوط واشنطن وحلفائها.

إلى الأعلى