الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / رياح الانفصال والتفتت تضرب العالم من شرقه إلى غربه
رياح الانفصال والتفتت تضرب العالم من شرقه إلى غربه

رياح الانفصال والتفتت تضرب العالم من شرقه إلى غربه

أيمن حسين
مراسل الوطن

مقدمة:
يشهد العالم موجة من حركات الانفصال التي تضرب دولاً مختلفة، فبعد الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان العراق، واستقلال أربيل والسليمانية، بالإضافة إلى كركوك، نجد فيروس الانفصال يضرب إقليم كتالونيا الإسباني والذي يرغب مسؤولوه الانفصال عن الوطن الأم لتفقد إسبانيا 15% من أراضيها، حيث نظم الانفصاليون إضرابا عاما وسط بوادر انقسام خطيرة بين الإسبان في ظل مخاوف من امتداد النزعات الانفصالية إلى دول أوروبية أخرى، خاصة وأنه تواترت أخبار عن إجراء استفتاء اليكتروني على انفصال إقليم فينيتو وعاصمته فينيسيا عن إيطاليا.

فترة التحرر من الاستعمار:
في منتصف القرن الماضي طفت على سطح أحداث العالم دعوات للتحرر والاستقلال نتيجة لسيطرة واستعمار بعض الدول الكبرى للدول الضعيفة واستغلال ثرواتها، وتشكلت كيانات وحركات تعالت أصواتها ومطالبها في وجه المستعمرين وانتظمت مجموعات مسلحة للتصدي للمحتلين، وتوافر لها الدعم السياسي والمادي والعسكري، وكان أبرز قادتها بمنطقة الشرق الأوسط الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وتحقق التحرر والاستقلال لدول عربية وإفريقية ومنها الجزائر وليبيا واليمن بعيدا عن التبعية الأجنبية.
وساد العالم بعدها التوجه لمعالجة قضايا حل النزاعات بالطرق السلمية وحقوق الإنسان وإرساء ممارسة الحريات العامة وأنظمة الحكم الديمقراطي، والتعددية الحزبية وعدم التدخل في شئون الدول الأخرى.

//مخططات تفتيت البلدان:
في بداية القرن الحالي، كان هناك ظهور جديد للماضي بشكل مغاير تتبناه أحزاب وتكتلات عرقية ودينية وسياسية وأحدثها لغوية بمناطق جغرافية داخل أوطانها وتدعمها مخططات دولية معادية للمطالبة بالانفصال عن كياناتها الكبيرة والقوية وحدث الانفجار المدوي بتفكيك دول الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا.
وتدرجت الظاهرة وانتقلت لمختلف الدول بمسميات الحكم الذاتي أو الاستقلال الإقليمي كبداية للانفصال استنادا لما أطلق عليه استفتاء تقرير المصير، وتتابعت نماذج الظاهرة حاليا، وكان أبرزها ما دعت إليه في أميركا وحدها عشر ولايات منها واشنطن وتكساس وكاليفورنيا وفيرمونت وألاسكا وهاواي ونيفادا وأوريجون، وفي فرنسا جزيرة كورسيكا، وبريطانيا فيها اسكتلندا، وألمانيا فيها بافاريا، وايطاليا فيها “فنيتو”، وبلجيكا فيها “فلاندرز”، أما إسبانيا فبدأت في إقليم الباسك ويتصدر المشهد الدامي حاليا استفتاء انفصال كاتالونيا .
وفي الكاميرون اندلعت احتجاجات واحتفالات بمنطقتي «ساوث ويست» «ونورث ويست» الناطقتين بالانجليزية بعد إعلانها الاستقلال، واستولي المتظاهرون على مراكز الشرطة وهاجموا مؤسسات الحكومة ومزقوا أعلام الكاميرون ورفعوا أعلام دولتهم المسماة «امبازونيا»، وفي نيجيريا طالبت حركة «شعوب بيافرا الأصلية» بإقامة دولة مستقلة.
وانشغلت المنطقة العربية بأزمة استفتاء «كردستان» لانفصالها عن العراق الذي احتلته أميركا بتحالف دولي عسكري عام 2003 وحتى الآن يواجه بحرب شرسة تنظيم مسلح يسمى «داعش» ويجري سباق الوساطات من الجانبين العربي والغربي لاحتواء المشكلة وتداعياتها وما أثار الغرابة قول وزير خارجية أميركا أن بلاده تؤيد العراق الموحد في الوقت الذي تلقي فيه إدارته بثقلها خلف مساعي أكراد سوريا لتأسيس كيانا مستقلا عن الدولة السورية تحت مسمى الإدارة الذاتية.
وإزاء ذلك أصبحت دعوات الانفصال للتحرر والاستقلال ثم للتمرد والعصيان وأصبحت نموذجا جديدا لعودة الحرب الباردة بين القوى الكبرى في ظل عجز دور المجتمع الدولي في تقرير وسائل لكيفية مواجهتها خاصة في ظل تسارع وتيرة تطورات الأحداث.

//النموذج الإسباني:
يتزامن هذا مع تصويت أكثر من 90% من مواطني إقليم كتالونيا لصالح الاستقلال عن إسبانيا، تجدر الإشارة إلى أن هذه القضية ليست الوحيدة من نوعها التي تواجهها دول القارة العجوز، ويبدو أن عددا من الدول الأوروبية تواجه خطر التقسيم بسبب الحركات الانفصالية التي قد تحصل على زخم جديد في ظل نجاح استفتاء كتالونيا وصارت هناك نزاعات أكبر للتيارات الانفصالية في القارة العجوز.
ولا تقتصر الحركات الانفصالية التي تواجهها حكومة مدريد على إقليم كتالونيا وحده فهناك تيارات تطالب باستقلال أقاليمها في مناطق أخرى من إسبانيا أكبرها في إقليم الباسك في الشمال، وتختلف مواقف أكبر الأحزاب القومية الباسكية بشأن مستقبل الشعب وهو أحد أقدم شعوب القارة العجوز إذ تطالب بعض هذه الأحزاب بتوسيع الحكم الذاتي داخل الدولة الإسبانية بينما تحارب الأخرى الأكثر راديكالية من أجل إقامة دولة باسكية مستقلة.
وتأسست أقوى المنظمات الباسكية “إيتا” في عام 1959 بعد انشقاقها عن الحزب القومي الباسكي كمنظمة مقاومة لسلطة الجنرال فرانثيسكو فرانكو وتهدف إلى إقامة دولة اشتراكية باسكية. ولجأت “إيتا”منذ تأسيسها خلافا للحزب القومي لاستخدام أساليب القوة في صراعها واستطاعت عام 1973 اغتيال خلف فرانكو في مقعد رئيس الحكومة لويس كاريرو بلانكو غير أن عمليات كهذه لم تتوقف بعد تنحي القوى الداعمة لفرانكو عن السلطة واستمرت خلال العقود الموالية بالرغم من حصول الباسكيين على أوسع حكم ذاتي. وبالرغم من سلسلة اتفاقات هشة توصلت إليها الحكومة الإسبانية مع “إيتا” لم تنته هذه الاتفاقات إلا بالفشل وما زالت التفجيرات تدوي من حين إلى آخر في مختلف مناطق اسبانيا حتى بداية العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين.

//متمردو بلجيكا:
إلى جانب إسبانيا تتصدر بلجيكا بالرغم من صغر أراضيها قائمة الدول الأوروبية التي تعاني من الخلافات الداخلية إذ تتعايش فيها قوميتان كبيرتان هما الفلامنديون الناطقون باللغة الهولندية(58% من تعداد سكان يلجيكا) والوالونيون الناطقون بالفرنسية (32%) فضلا عن قومية ثالثة ناطقة بالألمانية. وكان تاريخ بلجيكا منذ إقامة الدولة في عام 1830 مليئا بالخلافات وسوء التفاهم بين القوميات الكبرى وذلك بالتزامن مع خلافات دينية بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. وتأسس في فلاندريا في عام 1979 حزب “التكتل الفلاندري”خلفه الحالي حزب المصلحة الفلاندرية يطالب بانفصال الإقليم وإقامة دولة فلاندرية مستقلة وتمكن مؤيدو الاستقلال من إحراز نجاحات واضحة في الانتخابات البلدية والتشريعية بالرغم من محاولات الحكومة الحد من نفوذهم مما جعل منهم قوة مؤثرة في الرقعة السياسية داخل بلجيكا.

//حركات انفصالية في المملكة المتحدة:
على مدى عقود طويلة لا تزال الحكومة البريطانية تحاول التصدي لحركات انفصالية في المناطق التي سيطرت عليها إنجلترا طوال تاريخها وبلغت هذه العملية ذروتها في منتصف القرن العشرين مما أدى إلى تفكك الإمبراطورية البريطانية واستقلال مستعمراتها السابقة. غير أنه حتى في الأيام الراهنة تواجه حكومة لندن الخطر المستمر لتقليص أراضيها في ظل أنشطة حركات انفصالية في إيرلندا الشمالية وويلز وجبل طارق وبطبيعة الحال تجدر الإشارة إلى أن اسكتلندا كانت قاب قوسين من تحقيق حلم الاستقلال أثناء الاستفتاء الذي أجري في 2014 لكن 55% من مواطنيها فضلوا البقاء داخل أراضي المملكة غير أن الدعوات إلى تنظيم استفتاء جديد تتكرر لا سيما بعد قرار لندن بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

//استفتاءات فينيتو في إيطاليا:
نظم في إقليم فينيتو الإيطالية في عام 2014 استفتاء لم يعترف به رسميا وصوت فيه 89% من سكان المنطقة بنعم لصالح الانفصال عن باقي أراضي البلاد مصرين على أنهم لا يرغبون في تحمل الأعباء بمساعدة المناطق المتخلفة اقتصاديا من البلاد علما بأن فينيتو تعتبر بين أهم المناطق السياحية في إيطاليا بفضل جمال لؤلؤتها مدينة البندقية.

//أوكرانيا تتمزق:
وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ظهرت في الخارطة الأوروبية دولتان جديدتان معلنتان من طرف واحد هما جمهوريتا دونيتسك ولوجانسك الشعبيتان في جنوب شرق أوكرانيا واللتان رفض سكانهما انقلابا في كييف بداية عام 2014 وتخوضان صراعا ضد الجيش الأوكراني من أجل استقلالهما.

//عودة إلى الوراء:
وتبدو الحركات الانفصالية في أوروبا أنها تمثل عملية معقدة لها جذور سياسية واقتصادية ومنهجية عميقة تعود إلى قرون ماضية ويرى فيها البعض تهديدا بالعودة إلى القرون الوسطى حين كانت القارة العجوز منقسمة إلى مئات الدول القزمية بينما يرحب بها آخرون كحراك نحو تحقيق الشعوب لحريتها غير أنه يبدو أن هذه العملية مهما كانت تداعياتها قد تغير جذريا صورة أوروبا في القرن الحادي والعشرين.
من خلال هذا العرض نستخلص أن هناك مؤامرات تنفذها قوى متحكمة في مقاليد الأمور في العالم، لتفريغ البلدان الكبرى من قوتها بتفتيتها إلى دويلات تعود بالعالم إلى العصور الوسطي، فنموذج كردستان وكذلك كتالونيا نماذج صارخة لكن النار تبدو تحت الرماد حيث تحاول العديد من الأقاليم والولايات في العديد من دول العالم الانفصال والتمرد وإعلان الاستقلال عبر استفتاء أو مظاهرات حتى لو كان الاستقلال من طرف واحد.

إلى الأعلى