السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / من مـلامح التدوينة الشِعرية عند الشيخ محمد بن علي الشرياني (1)

من مـلامح التدوينة الشِعرية عند الشيخ محمد بن علي الشرياني (1)

مقدمة
قيل عن الشِعر إنه ديوان العرب، كونه دوّن تأريخهم ومآثرهم، حتى أنّ بعض المؤرخين صفّه مع الحفَريات الأثرية وكتّاب التأريخ لما قدّمه مِنْ كشفٍ وكشوفاتٍ معرفية وأثَريّة، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء واصفا علاقة العرب مع الشعر: «الذي يُقيّد عليهم مآثرهم، ويُفخّم شأنهم، ويُهوّل على عدوّهم ومن غزاهم، ويُهيّب من فرسانهم، ويُخوّف من كثرة عددهم، ويهابهم به شاعرُ غيرهم …» ، ولهذا كَثُر استخدام مصطلح «الشعر ديوان العرب» من قِبَل النُّقاد. وعُرف لفظ الديوان عند العرب بدلالته المشتركة بين التحليل التسجيل، فجاءتْ مفردةُ الديوانِ بدلالتها المعجميّة مُلمّحَةً إلى أبّهَةِ وفخامةِ الشِعر في الوجدان العربي، حيث توزّعتْ بين المكان والكاتب، والكتاب، فالدِّيوان: “الدَّفتَرُ يكتب فيه أَسماء الجيش وأَهل العطاء، وكذلك هو الكتبَةُ، ومكان الكَتَبة وموظَّفي الدَّولة ديوان الموظَّفين ، والدِّيوانُ كل كتاب والجمع : دواوِينُ ” ، ومن هنا ثبتتْ لكتاب الشِعر دون غيره من الكتبِ المعرفية أنْ يقال ديوانُ شِعر، فلا يقال ديوان نثر، أو تاريخ، الأمر الذي يشير للمكانة الخاصة المتميّزة التي احتلّها الشِعرُ وتدوينه عند العرب، بل وردَتْ المقولة ( الشِعرُ ديوان العربِ ) على لسانِ أبي فراس الحمداني نصّا صريحا يفوحُ منه الفخرُ في قوله:
الشِعر ديوانُ العرَبْ * أبدًا وعنوانُ النسبْ
لم أعْدُ فيه مفاخري * ومديحَ آبائي النُجُبْ
ومقَطَّعَاتٍ ربّما * حلّيْتُ منهنَّ الكُتُبْ
لا في المديحِ ولا الهجاءِ * ولا المجون ولا اللعِبْ

أمّا المدونة فهي إسم مؤنثٌ من اسم المفعول دوّن، وتعني نَصا مُدَوَّنا فِي وثِيقَةٍ، أي مُسَجَّل، مَكْتُوب. ويقال نُصُوصٌ مُدَوَّنَةٌ، وذهبتْ في العُرْفِ إلى كتب الأحاديث والفقهِ، ومثالُها “مدوّنةُ الإمامِ مالك، ومدونة الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ أي مَجْمُوعَةُ الأَحْكَامِ القَانُونِيَّةِ وَالفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَنْظِيمِ الأُسْرَةِ “.
هكذا نعرفُ أنّ ديوان الشعر هو الكتاب الذي يجمع الشاعرُ فيه ما نظم وسال من قريحته من الشِعر، والمدونة هي ما دوّنه الكاتب من نصوص سجّل بها ووثّق علمًا أو حدثًا ما ، ولو جئنا إلى شِعر الشيخ الشرياني رحمه الله المطبوع وغير المطبوع، -وهنا أٌلمّح إلى نصوصٍ ربما لم يحوِها ديوان، أو أبياتٍ شِعرية أعاد الشيخ الشاعر الشرياني كتابتها في ديوانه الذي طُبع في حياته، إنما وُجدتْ في مخطوطاته- فإننا نجدُ في شِعره العديد من التدوينات التي حفظ بها سِجِلّاتِ أحداثٍ معيّنة، وكأنه تقصّد أنْ يكون ديوانه الشِعريّ مدونةً كذلك ، حاله كحال الكثير من ديوان الشعر العربيّ.
وكون الشِعر العربيّ كان مدونة أثار من باب النقد الفنّي السؤال الجدليّ عن ما هي وظيفة الشِعر؟ وتحوّلتْ إجابة هذا السؤال زمنيًا من الطور الظاهري إلى الطور الفلسفي، مرورًا بالطور الجَمالي، وإلى الآن ما تزال إجابة هذا السؤال جدليةً في تطور من طورٍ إلى طور، واختلفتْ مُحَدِّدات وظيفة الشِعر اعتمادًا على كيف يُنظَر إلى الشِعر؟ وماذا يُراد ويُطلَب مِنَ الشِعر؟ ومن هنا فإنّ هذا البحث لا يتقصد النظرة النقدية الفنية لشِعر الشيخ الشرياني، وكيفية توظيفه لشِعره أسلوبيا أو فنيًا بمقدار ما يتطلب قصدًا النظر في فحوى تدوينات الشيخ الشرياني الشِعرية، وإنْ تقاطع لضرورة الشِعر مع الآلية الفنية التي عالج بها الشيخ الشرياني تدويناته الشِعرية.

مدونات الشيخ الشرياني الشِعرية.

الذاتية في الشِعر العربي.
أرى أنّ الشِعر تسنّم قَبْلَ أنْ تُوكَل إليه، -أي كمن وجد نفسه- ، تسنّم وظيفتين، إحداهما ذاتية، والآخرى لا ذاتية أو أخرى أو مجتمعية أو ما يسمّيه بعض النقاد بالموضوعي، وهو في الحالَين يكتبُ مدونتين، مدونة ذاتية، ومدوَّنة لا ذاتية، والشاعر في تدويناته الشِعرية لم يخرج عن هاتين، وفي كثير من الأحيان يكون المزج بين الذاتي واللاذاتي طبيعيًا، كما فعل دريد بن الصمّة في بيته الشهير:
وما أنا إلّا مِنْ غُزيّة إنْ غوتْ * غويتُ، وإنْ ترشد غزية أرشُدِ

وقبل الولوج في كيفية تدوين الشاعر لهاتين المدونتين، فإنه من الواجب تعريف القصد بالذاتية في الشِعر. وقد وجَدْتُ مِنْ ضمن التعاريف الدقيقة الرقيقة لها تعريف أ. عبداللطيف الواري حيث يرى أنّ الذاتية في الشِعر “أمشاج من سيرة الشاعر وأناه الأصلية ضمن الشِّعر نفسه .”
ومِنْ خلال قراءاتي المتعدِدَة إستنتجتُ باختصارٍ بسيط أنّ الذاتية هي جعلُ الذاتِ محور الكتابة، سواءً كان هذه الكتابة شِعرًا ، أو نثرًا وهو الغالب، وهي الحالة التي يُمكنُ أنْ تستطيلَ وتغدو سيرةً ذاتية شِعرية، وتجد الشِعر الذاتي في الشِعر العربي منتشرًا بكثافة عالية، سواءً في أبيات في القصائد، أو ربما قِطَعٍ شِعرية وحتى قصائد كاملة، وتتركز الذاتية في الشِعر في فصائد الحُب والفخر، ورثاء النفس، ومثالها قصيدة بِشر بن عوانة التي يفخر فيها بشجاعته أمام الأسد فيقول:
أَفَاطِمُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَـبْـتٍ * وَقَدْ لاَقى الهِزَبْرُ أَخَاكِ بِشْـرا
إذنْ لَـرَأَيْــــتِ لَـيْثـاً زَارَ لَـيْثـاً * هِــــــزَبْرَاً فارسًا لاقـى هِـزَبْـرَا

ففي هذا المثال نجدُ غياب الذات الأخرى، لولا الحوار السرديّ بينه وبين الأسد، وبروز الأنا والذات، ومثال آخر على التدوينة الذاتية في الشِعر قصيدة مالك بن الريب التي يرثي فيها نفسَهُ :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بجنب الغضا، أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه * وليت الغضا ماشى الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا * مزار ولكن الغضا ليس دانيا

ومن الشِعر الحديث، نجد بعض النقّاد يُصنّف قصيدة نزار قباني في رثاء زوجته بلقيس أنها من ضمن نصوص السير الذاتية ، وكذلك يقول الأستاذ عبداللطيف الراوي إنّ “لماذا تركت الحصان وحيدًا” لمحمود درويش يندرجُ في فن السيرذاتية الشِعرية، وأضيفُ لذلك أنّ جدارية محمود درويش تكون فصلًا أصيلًا في الذاتية الشِعرية التي قد تكون جزءا محوريًا في فن السيرذاتية الشِعرية.
هذه الأمثلة البسيطة توخينا منها تسليط الضوء على مفهوم الذاتية في الشِعر العربي، وهي ظاهرة منتشرة بكثرة، ومنها سنستدرج ونسلّطُ الضوء على مفهوم التدوينة الذاتية في شِعر الشيخ الشرياني.

التدوينة الذاتية عند الشيخ الشرياني:
لا يُعرَف للشعر الإنساني عامة وليس الشِعر العربي فقط تجويده لما يُعرف بفنّ السيرة الذاتية مقابل فنّ النثر، ولعل ذلك يعودُ أولا للخصائص الفنية التي يُتيحها رحابة النثر دون الشِعر، إضافة إلى كون الشِعر فنّ قائم على الخيال واللغة، أكثر من الحقيقة والسرد، كما إنّ أدب السيرة في الأدب العربي القديم كان يتداخل مع أدب التراجم والتاريخ، الأمر الذي يجعل التدوين عن الذات في الأدب العربي فنا غير بذاته، ومع كون الذاتية هي بؤرة كتابة السيرذاتية في فن الشِعر، فإننا نجدُ أنّ الشِعر العربي ثريٌّ جِدًا بما دوّنه الشاعر العربي من نُطف عن أناه ، وإنْ كان ذلك باشتراطاتٍ فنية مغايرة بصورة ما عن تدوين السيرة الذاتية في فنّ السرد، كما أنّ الشاعر المعاصر وقع في حالة “قلقٍ واعٍ” حول تدوينه لسيرته الذاتية شِعرًا، فنجد الشاعر أبي القاسم الشابي يقول عن شِعرهِ:
أنت يا شعر قصةٌ عن حياتي * أنت يا شعر صورةٌ من وجودي
أنت يا شعر -إن فرحتُ أغــ*ــاريدي، وإن غنّت الكآبةُ عودي

وعلى أساس جوهر هذه الفكرة، اكتفى كثير من الشعراء بالشعر، ولم يكتبوا سيرهم الذاتية، فالشعر يُغنّي، والقصيدة جزء من سيرة، يقول محمود درويش «ما يَعْني القارئ في سيرتي مكتوب في القصائد، وهناك قول مفاده أن كل قصيدة غنائية هي قصيدة أوتوبيوغرافية أو سيرة ذاتية “.
إذن يجدُ الشاعرُ في نفْسِهِ أنّ تدوينه عن ذاته يكون حكاية عن الآخر ، كون الشاعر يتقمص الوجودَ في حال الانثيال الشِعري، وهي الحالة التي تتقاطع فيها الذاتي مع الآخر، يقول الشاعر والناقد الأدبي الأمريكي “ت. س. إليوت” “أظن أن أول مهمة من مهمات الشعر هي على وجه اليقين: إثارة المتعة، ولكن للشعر دائمًا هدفًا أبعد من الهدف الخاص أو المعيَّن، وهو أن الشعر يحاول دائماً إيصال تجربة جديدة ما، أو إلقاء ضوء جديد على شيء مألوف، أو التعبير عن شيء بيدنا ولم نستطع أن نصفه في كلمات، ما من شأنه أن يُغني وعينا، ويرهف حساسياتنا وليس بشعر على الإطلاق ما لا يثير في الإنسان هذين الأمرين ” .
ونجدُ أنّ شِعر الشيخ الشرياني في كثير مِنَ الأحيانِ كان يدوّن الشخصي في المجتمعي، والمجتمعي في الشخصي، ربما دون وعي لفصلٍ بينهما –إذا كان لذلك ضرورة، فسنجدُ في شِعره، التدوينة المجتمعية – ومعظمها مناسبات وطنية – ، كما سنجدُ المدونة الشخصية، التي ربما أراد وتقصّد من خلالها تدوين تأريخَهُ الشخصي، وأنا ألفتُ النظر عمدًا أنني أقولُ “الشِعر المجتمعي للشيخ الشرياني وليس الشِعر الاجتماعي” لسببين فارِقَين في نظري، الأول أنّ الشرياني لم يخصص شِعره للقضايا الاجتماعية، وإنْ وُجدت مشاركاتٍ له في ذلك، بل معظم نصوصه كانت وطنية ويصيغُها صياغة وطنية، الأمر الثاني أنّ موقف الشاعر في مجتمعه هو الرضا والثناء والنصح والإرشاد، ولم يكن محتَجًا ، إلّا ما ندر، “مثال قصيدته في الردّ على مَنْ سمّى دجاج نزوى” ، التي كانت منطلقة من غيرته على مدينته الأثيرة نزوى، التي رسّخت نشأته وكينونته وهويته الدينية العميقة، وهنا نتذكر أنه كان قاضيًا شرعيًا، إضافةً إلى أنّ ما يمكن أنْ يقال عنه احتجاج جاء مغلفا بالنصح، مثال ذلك أبياته في مَنْ حلَق اللحية، ورسالته في الحضّ على منع الخمور، بل إنّ الشيخ الشرياني في نصوصه المبكرة، لم يعالج القضايا السياسية الواقعية في بداية عهد جلالة السلطان إلّا بِلُغةِ الشاكرين.
وقد دوّن الشيخ الشرياني بعضًا من أحداث حياتهِ تدوينًا شِعريا تُشبه مقتطفاتٍ من السيرة الذاتية، ونستشهد بستة نصوص خصّ بها الشيخ الشرياني خمسة أحداثٍ من حياته ليدوّنها شِعريا، وهي سيرة حياته الأولى، وعنوان النص (مِن ذكريات الحياة الأولى) وقصيدة (ذكريات) والتي وجّهها لعائلته، ملمِّحًا فيها لأسماء أفرادها، وقصيدتين عن رحلته إلى الحج، ورابعًا قصيدته “الغرابة من لغة قوم”، وأخيرًا قصيدته حين زُجّ به في الحبس، والتي يمكن تصنيفها مِن أدب السجون، وسنكتفي في هذا البحث، بإيراد ثلاثة نصوصٍ وإلقاء الضوء كدلالة على التدوينة الذاتية للشاعر.
في قصيدة ( مِنْ ذكريات الحياة الأولى) التي رسم لنا فيها خريطة حياته الأولى، واختصرها لنا بثلاث محطات فقط، يبدو أنها محطاتِ استقرارِهِ وهواه، ذكر فيها نشأته في بهلا، ثم ذهابه لنزوى حتى استقراره في منح، وبدأها بذكر وطنه عمان طالبًا منها العفو عن تقصيرهِ والاعتراف به ، ليذهب منها في تخلص بارع إلى الحديثِ عن نشأتهِ بداية في ولاية بهلا وتعلّمُهُ فيها، واشتغالُه فيها بالتعليم فيقول:
عُمان الخير أهديها سلاما * وتهديني جلالا واحتراما
وأمنحها اعترافي في قصوري * وتمنحني رضاءً وابتساما
ولي بِعُمان حُبٌّ أريحيُّ * ولي فيها مقامٌ لن يُساما
ولي بِعُمان مُرتبعٌ عريقٌ * ولي بعمان مجدٌ لن يُضاما
وبهلا أنجبتني علّمتني * وبهلا قد بلغتُ بها الفطاما
وفيها قد ختمتُ كلام ربّي * وفيها قمتُ بالتعليم عاما
وفيها قد قرأتُ النحو أيضًا * وفيها الفقه أوليتُ اهتماما

ثم يذهب لاستذكار أشياخِهِ فيها وعلى رأسهم العلّامة الشيخ أبو زيد الريامي، الذي يبدو أنّ الشيخ الشرياني كان يكنّ له حبًا خالصا، وتقدير عظيمًا حتى وصفه بِـ(صحابيّ كريمٌ) ويصفُ علاقتهما بِـ(روحينٍ بِجسمِ) بل لم يذكر غيره من مشائخه الذين علموه بالاسم الصريح، بل اكتفى بوصفه إياهم بـ(أشياخٍ غطارفةٍ) ثم رحيله عن بهلا موطنه الأصلي بوفاة شيخه أبي زيد الريامي، فيقول:
ولي علّامة الفقهاءِ شيخٌ * ولا ينساهُ مَنْ صلّى وصاما
أبو زيد صحابيٌّ كريمٌ * له في الزهدِ تاجٌ لن يُراما
وكنتُ وكان رُوحينٍ بِجسمٍ * ونور صفائنا يمحو الظلاما
وأشياخٍ غطارفةٍ لديهِ * “يذودوا” عن حياضهم الرغاما
لهم حلقات علم أسستْها * رعاية شيخهم، فغدوا كراما
وعشنا عندهم ولنا مقامٌ * يفوق النجمَ عزًّا واحتراما
إلى أنْ قدّر المولى علينا * بفرقته، وقد وافى الحِماما
عليه رضا المهيمنِ ما تجلّتْ * شموسُ الحقّ بدءًا واختتاما

ثم يأتي إلى ذكر المرحلة النزوانية، والتي بدأتْ برحيله عن بهلا بوفاة شيخه أبي زيد الريامي، ليطمئنّ قلبه في نزوى عند الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وأُنسِهِ بمجلسه مع المشائخ وطلبة العلم هناك، مستذكرًا أنه كان قارئ الإمام وكاتبه وعاملهُ، وقد قرأ عليه كتاب “النيل وشفاء العليل” لضياء الدين عبدالعزيز بن إبراهيم الثميني ، وكتاب “سبل السلام ” وواصفا علاقته بالإمام بعلاقة الابن بأبيه فيقول ( وكان أبًا وكنتُ ابنًا إلى أنْ * قضى نحبًا) ما يعني أنّ الإمام محمد بن عبدالله الخليلي سدّ الفراغ الروحيّ لديه بعد الإمام أبي زيد، ومستذكرًا في هذا النص أصحابه الشيخ منصور بن ناصر الفارسي، والشيخ خلفان بن عثمان الخروصي، والشيخ السيفي ، والشيخ سيف الأغبري، والشيخ سفيان الراشدي، ويبدو أنه تعلّم منهما أساس وفنون القضاء والحكم الشرعي، حين يقول عن الشيخ منصور الفارسي (وكم صاحبتُ منصورًا لحكم) ، فيقول:
ومنها جئتُ أسعى نحو نزوى * بلاد العِلمِ أعتنق الإماما
وقمْتُ مع الإمامِ قيامَ صِدْقٍ * أنا القارئ له ولمن أقاما
وكاتبُهُ وعاملُهُ بحكمٍ * فيا لله ما أحلى القياما
قرأتُ (النيلَ) ثم شربتُ منه * كذا سبل السلام فطب مقاما
وكم صاحبتُ منصورا لحُكْمٍ * وخلفان بن عثمان الهماما
وإنْ تأتي إلى السيفيِّ تأتي * همامًا لوذعيًا لن يُساما
ولا أنسى الرقيشيّ المجلِّي * إذا الهيجاء قد شبّت ضراما
وشيخ العلم سيفًا أغبريًا * إذا جرّدْتَهُ يبري العِظاما
وسفيانا واشياخًا لديهم * عن التطويل قصرتُ الكلاما
وكنتُ لديهم في خير عيشٍ * وكنّا خير من أوفى الذماما
وكان أبًا وكنتُ ابنًا إلى أنْ * قضى نحبًا وقد كنّا ندامى
خليفةُ خير خلق اللهِ أزجي * إليكَ تحيتي وخذ السلاما

ثم يأتي الشيخ الشرياني على ذكر مستقرِّه الأخير في هذا النص، وهي منح، التي كانت (مناخ ركاب شوقه) وأهدَتْه عواطفها، كنايةً عن استيطانه لها واستقرارِهِ النفسي، حيث أنه شارك أهلها ووجد منهم جميل الصنع، وتسنّم فيها مكانًا في قلبها ، فكان المرجع الوافي لأهلها ، فيقول:
وفي منحٍ أنختُ ركاب شوقي * وكنتُ لها ومن أهوى لزاما
فأهدتني عواطفها ومدّتْ * مواهبها، فجدّدْتُ المراما
وقد شاركتُهم ووجدْتُ منهم * جميل الصنْعِ إخلاصا كراما
وكان الفردُ منهم لي عزيزًا * فزادَ بحبّها قلبي هياما
وكنتُ المرجع الوافي لديهم * وكنتُ لهم إذا احتاجوا إماما

أما النص الذي اعتبرتُهُ من أدب السجون، وأقول هذا عنه اعتمادًا على الرواية الشفهية العائلية أنّ الشيخ الشرياني كتبه في السجن، بينما لا يحتوي النص على أيّ إشارة للسجن، بل فيه تأوّه من الزمان وحنين للعهود الجميلة والأصحاب الأوفياء، وكأنما فيه التماس خجول، وهو يذكرني بقصيدة ابن زيدون التي كتبها في السجن، وأرسلها لصديقه الوزير أبي حفص أحمد بن بُرْد، ويتقاطع الشرياني مع ابن زيدون في الروحِ الشفيفة، والحنين وتذكار الماضي، وتلمّس الأصدقاء، حيث يقول ابن زيدون مخاطبًا صديقه:
ما على ظني باسُ * يجرح الدهر ويأسو
ولقد ينجيك إغفال * ويرديك احتراسُ
ولكم أجدى قعود * ولكم أكدى التماس
وكذا الحكم إذا ما * عزّ ناس ذلّ ناسُ
يا أبا حفصٍ وما * ساواكَ في فهمٍ إياسُ
ما ترى في معشرٍ * حالوا عن العهدِ وخاسو
ورأوني سامريًا * يُتقى منه المساسُ
أذؤبٌ هامتْ بلحمي * فانتهاشٌ وافتراسُ
ولئنْ أمسيتُ محبوسًا * فللغيثِ احتباسُ

وأرى أنّ نص الشيخ الشرياني هذا نصً ذو قيمة فنية أعلى من سواه من الأمثلة السابقة من النصوص الذاتية للشيخ الشرياني، وقد عنونه بِـ(الحلو والمر) ، وفيه تخلّص كثير من الشيخ الشرياني من قشور النص الكلاسيكي كالمقدمة التي لا تمتّ في بعض الأحيان لصلب الموضوع، وجاء دفقة شعرية واحدة في خمسة عشر بيتًا، ويقول فيه:
أرى معهد اللذاتِ صار دريسا * وروضُ ربوع الحيّ صار يبيسا
ولَمْ أر للعيشِ الرغيد بشاشةً * وأصبح لي وجه الزمان عبوسا
فمَنْ لي بأيامٍ تعيد بشاشتي * وتُذهب عني ما أراه نحيسا
ألا قاتل الله الزمانَ فإنه * بخيلٌ إذا ما قلتُ كن لي نفيسا
فمن لي بأصحاب المسرات والمنى * إذا ضمّ لي أهلُ النفاقِ دسيسا
فعهدي بهم نِعم الخليل، وإنهم * همُ ندمائي إنْ عدمتُ أنيسا
وهم لحياةِ القلبِ أرغدَ عيشةٍ * وهم ملجأي مهما أصادف بؤسا
فمن لي بهم إذْ أصبح الربع دارسًا * ولم أرَ فيه من عهدْتُ أنيسا
كأني وأطراف الرماحِ تنوشني * وأعلام لذاتي غدونَ طموسا
لقد نبحتني من كليبٍ كلابها * وقد صيّرتني ناقصًا وخسيسا

وأما نصّ “الغرابة من لغة قوم” وهي من طريفِ نصوصِهِ الشِعرية، وقد قالَها إبّان عمله قاضيا في محافظة مسندم، مخاطبًا صديقه الوالي محمود البوسعيدي، متعجِبًا من لغة أهلها، وأظنه يقصدُ اللغة الكمزارية، متعجبًا من ألفاظها التي أورَدَ بعضًا منها مثل “مشِ، جؤجؤ جؤوشهم، جلو جوشا، قربقيط، علوقيّا، …إلخ”، وأتوقع أنّ الشاعر الشرياني هنا ذكر ألفاظًا غريبة عنه، دلالةً على اللغة التي سمعها من أهل خصب، حيث قال فيها:
حدّثْ ولا حرجٌ عن حادثٍ دلشِ * فإنّ دنياكَ لا تخلو من الخلشِ
والقومُ في فرحٍ، بعضُ وفي ترحٍ * بعضٌ وفي ذاكَ إيقاظ لذي دهشِ
يا ذا المكارمِ يا محمود كيف ترى * قد أصبح القومُ منّا غير منتَعشِ
لدى أناسٍ تراهم في مجالسِهم * نوعًا من الجنّ في زيٍّ مِنَ الرقشِ
لسانهم مثل حدّ السيف منخرط * بصاعقاتٍ مِنَ الأصوات والرعشِ
مَنْ لي يُعلّمني فحوى لغاتِهمُ * عند التخاطبِ في ضوضائهِ كـ”مشِ”
مَن لي يُفهمني جؤجؤ جؤوشهم * وبؤبؤ في حواجينٍ على دلشِ
وبطبطوط وغرنوط ومغتبق * بين الجلا والدلا في موقفٍ دلشِ
وكيف معنى جلو جوشا وشاوهم * عند الحلو جاء حلّوقا من الدبش
وقربقيط علوقيّا على حدج * بين الحواليجِ والأرباحِ والهلشِ
عجبتُ مِنْ لهجةٍ ما كنتُ أسمعهُا * مِنْ قبل يومي وإني صرتُ في دهشِ

يونس بن مرهون البوسعيدي

إلى الأعلى