الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / العلاج بالحروف المؤلمة

العلاج بالحروف المؤلمة

كلما قَصُرَ الأمر كلما عَظُم!
لا تُعدُّ هذه الكلمة شيئاً إذا عممناها، فالسماوات على سبيل المثال، باتساعها وعُليها ورُقيها وخَلقها، أعظم من الإنسان الصغير القصير أمامها..لكنها ـ بالمقابل ـ كلمة تحمل حكمة بالغة إذا خصصناها، فنحيلها مثلاً إلى الأدب.
نقول مثلاً أن كتابة السلسلة الروائية أبسط من كتابة الرواية، وكتابة القصة القصيرة أصعب من كتابة الرواية..كلما زادت المساحة الكتابية شعر الكاتب بالحرية الانتقالية أكثر، بالتعبير كيفما شاء عن مكنونات نفسه دون قيود، يسهب ويستطرد كيفما رغب دون أن يُسجن في حدودية الصفحات القليلة التي هو مُلزم بها، وأفكاره تطير هنا وهناك بمنتهى الحرية، يذكر ما يشاء ويسكت عمَّا يشاء، لا يُرهقه في الأمر شيء سوى طول النَّفَس..
وأما كاتب القصة القصيرة فالأمر أعقد وأصعب، وأعظم من الرواية والسلسلة الروائية، إذ هو محصور في زاوية ضيقة، وعليه أن يوصل فكرته سريعاً وبإتقان، وربما بعدد شخصيات بسيط، كل هذا وهو مُلزم بالسردِ الأدبيِّ المتمكن، وجذبِ القارئِ بالأسلوب اللبق، وإيصالِ فكرته بالطريقة السليمة من دون أن يسيء القارئُ الفهم. فإذا جئنا نتحدث عن أدب القصة القصيرة جدًّا، فنحن نتحدث عن عظيم! إذ المساحة أضيق، والشخصيات أقل، والحروف المستعملة مختصرة إلى أقصى حدودها. وفوق ذلك فللقصة القصيرة جدًّا مزية لا توجد في بقية الأنواع الأدبية، وهي أن كاتبها مُطالب أن يكتب بعمق، ولا بد أن تحوي قصتُه ضربةً من نوع ما. كل الأعمال الأدبية الأخرى يليق بها هذا الأمر بلا شك، لكن القصة القصيرة جدًّا مُلزمة. من باب الشيء بالشيء يُذكر: يقول الدكتور أحمد خالد توفيق أن أقصر قصة من هذا النوع الأدبي هي: “ارتدى طفلٌ فردةَ حذاء”، لكن المكتبات هذه الأيام امتلأت بهذا النوع من الأدب، وعليه أرى ـ شخصيًّا ـ أن هناك بلا شك من كَتَبَ أقصر من هذه القصة، لكن هل كتب أعمق؟! البعض يظن أن القصة القصيرة جدا هي قصة قصيرة جدا وكفى، تعتمد على الحجم القصير الذي لا يتجاوز الصفحة أو الصفحتين، لكنها ليست كذلك مطلقاً، بل لا بد من أن تحوى صفعة ثقافية، أو ضربة مجتمعية، أو حتى قنبلة سياسية. القصة القصيرة جدا لكي تحقق مغزاها لا بد أن تحكي الكثير والكثير جدا في سطور قليلة، أن تختزل معانيَ متكدسةً في حروف مختصرة، أن تقول الكثير دون أن تكتب شيئاً، فقط القارئ هو من يستلم رسالتك غير المكتوبة. لستُ ناقداً، ولا أدعي مقدرتي ولا معرفتي في النقد، لكنني قارئ أكتب رأيي فيما أقرأ، ولعل أكثر ما أكتبه يبتعد عن الأكاديمية النقدية، إذ اعتمادي على ذائقتي الممتزجة كقارئ، بمهارتي ككاتب يكتشف نفسه من خلال حروف غيره. قرأت مجموعة لا بأس بها من أدب القصة القصيرة جدًّا طيلة مسيرتي القرائية، لكنني لم أجد الكثيرين يتقنون هذا الفن.أغلب ما قرأت مجرد (قصة)، ربما ذات بُعدٍ أحادي، فإن زادت فثنائي، دون عمق، ولعلها دون ارتفاع كذلك. ويجمل بي وأنا اتحدث عن هذا الفن الأدبي أن أتوجه بقلمي إلى كتاب قرأته منذ قليل، يضم بين دفتيه المعنى الحقيقي البصير من الأدب الرائع للقصة القصيرة جدًّا، أعني كتاب “أحلام الإشارة الضوئية” للكاتب الدكتور (سعيد بن محمد السيابي)، الذي وجدته يتقن هذا الفن، كعازف قيثارة يبث معانيَ كثيرةً بحروفٍ قليلةٍ ذات إيقاع ونغم. والحقيقة أن المغزى من هذا المقال في الأصل هو هذا الكتاب، وكل هذه المقدمة إنما كُتبت من أجل الإشارة الضوئية هذه وأحلامها. أول ما يلفت انتباهك إلى قلم الدكتور سعيد هو اختياره لعناوين قصصه، فكثيراً ما أقرأ عناوين لقصص قصيرة جدا، تشي بالمحتوى، وقد تكتفي كقارئ بالعنوان دون الحاجة للنص، وهنا تختفي الدهشة.
ما هي القصة القصيرة جدا من دون الدهشة؟ السيابي في قصص كتابه هنا يفعل العكس، العنوان تقرؤه، يجذبك، ثم تقرأ النص فيدهشك. كاتبنا هنا أتقن التعامل مع فن القصة القصيرة جدا، بطريقة احترافية، سواء في فكرتها، أو أسلوب طرحها، أو في اختيار عناوينها.
الذي ميَّز السيابي في قصصه أنك تقرؤها أكثر من مرة؛ في المرة الأولى توحي لك معنىً، وفي الثانية ترسل لك معنىً آخر، وكلما أكثرت في قراءتها زادت من معانيها..
قد أوافق الكاتب في بعض رسائله وقد أعترض معه في بعضها، لكنني والحق يقال اتفق وبشده، وأسجل إعجابي على الأسلوب الذي يطرح به رسائله.
دعونا نتجول قليلاً في ربوع بعض هذه المجموعة دون أن نُسهب فنحرقها: أعجبتني “روح القانون” كثيراً، تلك القصة التي حملت الكثير في معناها، ربما لأني عايشتها بنفسي مؤخراً بحذافيرها، منذ التعيين الرائع، إلى الاستقالة الأروع. ومدهشٌ ذلك الوصف الواقعي الذي رسمه كاتبنا وهو يصف حال القسم أنه بعد استقالة الكفاءات الوظيفية كلها، فرغ من موظفيه “دون أن يؤثر ذلك في سير عمل المؤسسة”.بعض قصصه تحمل رسائل بسيطة، لكن اختيار الكلمات والعبارات والإسقاطات جعلت من المعنى البسيط معنى كبيراً، تماماً كما فعل في قصته “حقنة”.هناك قصص انتقامية، مثل “انتقام..ناعم”..
قصة قاصفة، وأحياناً لا يكون الانتقام ناعماً، بل قاسياً كما في قصته “صدفة قاسية” تجعلنا نتعلم معنى العطاء دون تجهم؛ فالعطاءُ أخذٌ من حيث لا ندري ولا نحتسب. أما القسوة الحقيقية فنجدها في “قرار أب” تلك الرواية الطويلة التي صيغت في قصة قصيرة جدا، وليست “كراسة رسم” بأقلَّ منها قسوة. أيضاً لا تخلو القصص من التنوع في الطرح، فبعضها تحوى الطرافة، كما في قصة “أحلام الإشارة الضوئية”، و “رخصة سياقة”، و “ماركة لعجوز”، قصص ترسم على وجهك ابتسامة لطرافتها، وكأنها استراحة محارب. أما “قهوة جديدة” فتختصر أساليب التسويق المتبعة في الأسواق فعلاً، وتشرح كيف أن الزبائن يلهثون خلف كل جديد، دون اعتبار لِكُنْهِ هذا الجديد. هذا التنوع والاختلافات في الطرح له مسوِّغه في هذا الأدب، إذ كل قصة لها رسالتها، وكل رسالة لها توجهها، والقراء كلهم مستهدفون في كل قصة وكل رسالة، إما للتنبيه وإما للتوعية والتنوير، قد يكون القارئ ـ بحسب منصبه ـ صاحب قدرة على اتخاذ قرار، فيُصلح، وقد لا يكون فيعي ويفهم ويكون مطَّلعاً على الوضع في مجتمعه ووطنه وربما دينه كذلك..”شارع السفارات” مثلاً قد يقرؤها مسؤول فيشم رائحة المجاري فيُهرع لتعطير المكان وتنقية الجو، وقد يقرؤها مواطن عادي فيستوعب حال موطنه ومواضع الخلل. وحينما نتحدث عن القارئ صاحب القدرة على اتخاذ القرار، ليس بالضرورة أن يكون مسؤولاً سياسيًّا أو إداريًّا، أحياناً نكون كلنا أصحاب قرار، فـ “النائم على حافة السرير” يمثِّلنا جميعاً، وما أكثر من يستنكر طلوع الفجر إذا أذن الديك، فتأخذه العزة بالإثم..
كلنا أحياناً نكون أصحاب قرار، وقد نتهور فنصير كذلك الـ “مغامر”، ندخل عرين الأسد بتهور، ثم بعدها لا نرضى إلا بتوقف قلوبنا. كلنا أحياناً نكون أصحاب قرار، موتنا يكون فرحة للآخرين، كما حدث في “تهاني الرحيل”.كلنا أحياناً نكون أصحاب قرار، فالشبان الثلاثة ماتوا معاً في قصة “أموات”، لكن شتَّان ما بين موت وموت، كل واحد اتخذ قراره ـ بطريقة أو بأخرى ـ كيف يموت، وكذلك نحن نملك القدرة على ذلك، إذ كلنا أحياناً نكون أصحاب قرار. وهناك قصص كثيرة في المجموعة تعرِّي الفساد، سواء كان الفساد اجتماعيًّا أو إداريًّا..
منها على سبيل المثال لا الحصر: “دوائر عليهم”، “جوائز”، “كبرتي”، “مطب للذئاب”، “خيلاء”. كل هذه القصص في جانب، و “داعية الملذات” في جانب آخر، أسوأ الاستغلال هو استغلال الدِّين، وأقذر ما نفعله للصعود هو أن نتخذ الدِّين سلَّماً نرتقي به. ما الأدب إذا لم يعرِّ الفسادَ ويفضح ـ بصفة عامة، دون شخصنة ـ سلوكياتٍ هدامة، استمرارها يوقف التقدم، وتقدمها يجعل التخلف مستمراً؟!. نحن بحاجة إلى الكثير والكثير ثم الكثير من الأقلام التي تقصف وتضرب وتصفع، ليس بدافع الحرب، إنما بدافع العلاج. الكي والإبر والصعق بالكهرباء والدواء المر ضرب من ضروب العلاج، كذلك الأدب، ما لم يؤلمنا بحروفه لن يعالج.

محمد بن قرط الجزمي

إلى الأعلى