السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / صنع في الصين ( 3 )

صنع في الصين ( 3 )

“اقطف الأقحوان تحت السياج الشرقي،
ثم اسرح الطرف طويلاً في تلال الصيف البعيدة
وأملا صدري من هواء الجبال النقي عند مطلع الفجر،
وأرى الطيور تعود مثنى مثنى.
إن في هذه الأشياء لمعاني عميقة،
لكننا إذا شئنا التعبير عنها خانتنا الألفاظ فجأة”…

مثل أغنية لي بو، أتأمل عناق الجبل والبحر من قمة في جبل لاوشان، انظر لصفاء الصورة أمامي، اصعد سلما بعد سلم، وأنظر لتمثال الفيلسوف لاوتزي، ودلالة الأصبع التي يشير بها أمامه، والأخرى التي يرفعها نحو السماء.
غير بعيد مني، وفي نفس المكان.. كان مجموعة من الكهنة يقومون بطقوسهم المعتادة، يمرون قريبا من المعبد، ثم ينحنون إجلالا لآلهتهم.. ويواصلون المسير، فيما تتوزع مجموعة من تماثيل الحكماء والفلاسفة الصينيين حول المعبد، كان أحدهم فيلسوف الصين العظيم كونفوشيوس.
في الطريق الصاعد إلى الفيلسوف لاو تزي، ذرعت درجات السلالم، بقدر ما استطعت.. بحثت بدءا عن النقطة التي استطيع منها أخذ صورة كاملة للتمثال الضخم، كان لاو تزي يبتعد كلما اقتربت منه، ثم رأيته كاملا في أعلى تلة على جبل لاوشان، وكان أن قبلت التحدي في الصعود إليه، وكذلك فعل رفاق الرحلة.
كان المعبد الواقع بين السلمين الصاعدين إلى التمثال، يشترط خلع الحذاء، ولبس جوارب مخصوصة للدخول إلى قاعته المكتظة بصور الحكماء والفلاسفة الصينيين، وكانت تعاليم الطاوية، وهي مجموعة مبادئ، تنقسم لفلسفة وعقيدة دينية، مشتقة من المعتقدات الصينية راسخة القدم، تطغى على المكان، وكانت الطاوية واحدة من المدارس العقلية التي عرفتها الصين، والأكثر تأثيرا مع الكونفشيوسية على المجتمع الصيني.
كان لاو تزي أحد الأنقياء الثلاثة في الطاوية حسب التقليد الصيني، ويقال إنه عاش في القرن السادس قبل الميلاد، لكن بعض المؤرخين يقولون إنه شخصية خيالية، ويذهب البعض إلى أنه مزيج لمجموعة من الشخصيات المختلفة من النبلاء والحكماء والفلاسفة، وإليه تنسب كتابة العمل الأهم في الطاوية (تاو تي تشينغ)، والأهم أن الكثير من النبلاء الصينيين يفتخرون بنسبهم إليه.
في التلة التي ينتصب إليها لاو تزي، وقفت مطلا على عناق البحر والجبل، وعلى السفوح الخضراء المحيطة بنا، وعلى النسيم البارد الذي يهب في هذا الفصل من العام، والذي يعتبر الأنسب لزيارة الصين، كون الطقس فيها معتدلا، والبحر هادئا، والسماء صافية.
لكن البلاد بجغرافيتها الواسعة، وامتدادها البعيد.. تتميز بمناخات متغيرة من منطقة إلى أخرى، ولذا فإن تحديد موعد السفر إليها يتوقف على الأماكن التي سيرتادها المرء في زيارته، فإن كان المناخ في الصين قاريا وموسميا، كون معظم أجزائها يقع في المنطقة المعتدلة، إلا أن المناطق الجنوبية تقع في المنطقة الإستوائية وشبه الإستوائية، فيما تقع المناطق الشمالية في المنطقة المتجمدة.
ولأننا كنا في شهر سبتمبر، فقد كان هذا الشهر مع أشهر إبريل ومايو وأكتوبر، الأفضل لزيارة المنتجعات والمقاصد السياحية في الصين، حيث الطقس في أفضل حالاته، فيما تواجه البلاد بعضا من الركود في الفترة الممتدة من نوفمبر وحتى مارس، ومن يونيو وحتى أغسطس، وإن كانت أشهر الشتاء تعد موسما للرحلات إلى بعض الجزر الصينية التي تتميز بشمسها المشرقة، ومهرجاناتها الثلجية المعروفة عالميا، كما هو الحال بالنسبة لجزيرتي هاينان وهاربين الواقعتين في الشمال الشرقي.

***

لم يكن جبل لاوشان الواقع على تخوم مدينة تشينغداو في شبه جزيرة شاندونغ، المزار السياحي الوحيد الذي يمكن مشاهدته في هذه المدينة هذه المطلة على البحر الأصفر، فهي بجانب كونها قاعدة بحرية مهمة، وتحتوي على ميناء بحري رئيسي للصين، فإنها مدينة صناعية بامتياز، تضم مراكز ومصانع لكبرى الشركات العالمية.
إبان وصولنا شاندونغ من بكين، عبر القطار فائق السرعة، بادرنا مستقبلنا بأن الجزيرة رغم مكانتها الصناعية والبحرية والسياحية، إلا أنها مقاطعة صغيرة، وعدد سكانها لا يتجاوز التسعة ملايين نسمة.
ثم مضى يتحدث عن مرافق المدينة وأهميتها السياحية، والأفواج التي تأتي إليها من مختلف دول العالم، حيث اشتهرت تشينغداو باحتضانها الدورة التاسعة والعشرين للألعاب الأولمبية، والدورة الثالثة عشرة للألعاب الأولمبية للمعوقين عام 2008م، وحصلت على لقب “أفضل الملاعب الأولمبية في آسيا”، بفضل المنشآت الجديدة في مركز تشينغداو الأولمبي للقوارب الشراعية، واستخدام التقنيات الحديثة.
غير أن حديثه ذلك لم يستوقفنا، كما استوقفتنا اشارته إلى تعداد سكان المدينة، والذين قال إنهم “عدد قليل جدا”، رغم أن الرقم يقارب التسعة ملايين نسمة، مما يعني ضعف سكان بلادنا بالمواطنين والوافدين، وما كنا نراه في طرقات المدينة لا ينبئ بهذا الرقم، فالشوارع كما هي شوارع العاصمة بكين، انسيابية، لا زحام مروريا، أو اختناق على مداخل الطريق ومخارجه..
كانت أمينة تسرد كثيرا عن طبيعة الشعب الصيني، وعن بعض التقاليد المتعارف عليها في الصين، كما كانت تخبرنا ببعض التفاصيل عن المناطق والمدن التي نعبرها.
في القطار فائق السرعة.. تحدثت أمينة حتى شعرت بالإرهاق فاستسلمت للنوم.. وكذلك فعلنا نحن، بقصد اختصار المدة الزمنية التي يقطعها القطار للوصول إلى شاندونغ.
كانت المراعي الخضراء الممتدة تعطي جمالية للمشاهد الواقعة خلف نافذة القطار، وكنا نستمتع بالحديث، وأبصارنا تعانق البساط الأخضر الممتد حد البصر، وتفتش عن المزارعين والفلاحين الذين يقومون على هذه المزارع، ونحاول تبيان نوعية المزروعات والأشجار التي نمر قريبا منها.
لم نر أيا من المزارعين، ولم نر أيضا آلات زراعية تعمل، ولا مصانع تنفث دخانها، ولا شاحنات تتحرك بين الحقول، فقد كان وقت العمل قد أزف، وعاد الفلاحون إلى سكنهم، وتأهبوا ليوم عمل، يبدأ قبل طلوع الشمس.
في القطار فائق السرعة، كما في الطائرة تمر المضيفات بأنواع من الأطعمة والمشروبات الباردة والساخنة، لمن يرغب في الشراء منها من ركاب القطار، وكان أن أخذنا وجبة خفيفة من بعض المقرمشات والحلويات، مع كوب شاي أو قهوة حسب الطلب، ووضعت الكوب على مسند المقعد، فلم أر أي اهتزاز له.. وكان الأمر كذلك بالنسبة لنا نحن الركاب، فلم نشعر بالسرعة التي تجاوزت الـ (350) كيلومترا في الساعة، كما لم نشعر بأي حركة للقطار، الذي يعتبر فخر الصناعة الصينية ـ كما وصفته أمينة ـ، فكل أجزاء القطار، وتقنياته، مصنوعة في الصين.. وبتكلفة ليست باهضة جدا.
ومثل هذا القطار، هناك قطارات عدة فائقة السرعة أو ما يسمى بقطارات الطلقة من نوع فوشينغ، يمكن أن تصل سرعتها القصوى إلى (400) كيلو متر في الساعة، وهي تتحرك بين أقاليم الصين المتباعدة، كما هي القطارات العادية التي تتنوع بين قطارات نقل الركاب، وقطارات نقل البضائع بمختلف أنواعها.
ولأن المسافة بين أقاليمها ومدنها متباعدة جدا، فقد نفذت الصين أطول شبكة سكك حديدية فائقة السرعة في العالم، تتنافس بشدة مع خطوط الطيران المحلية، وتجد هذه الوسيلة اقبالا كبيرا، لرخص ثمنها، وسرعة إنجاز إجراءات الانتقال والسفر على متنها.
طموح الصين هذا، لم يتوقف عند قطار الطلقة، فقد كشفت المجموعة الصينية لعلوم وصناعة الفضاء فى مدينة ووهان عاصمة مقاطعة هوبى بوسط الصين عن نيتها تطوير مشروع “القطار الطائر فائق السرعة” الذى تفوق سرعته سرعة الصوت، وذلك عبر نظام نقل بإمكانه تخفيض مقاومة الهواء من خلال بيئة الفراغ، وشكل القطار الخارجى، وتخفيض مقاومة الاحتكاك من خلال التقنيات المغناطيسية، ما يحقق له السفر بسرعة تتجاوز سرعة الصوت.
وتصل السرعة القصوى لهذا النوع من القطارات إلى أربعة آلاف كيلو متر فى الساعة، وهو ما يعادل عشر مرات سرعة القطار السريع التقليدي، وخمس مرات سرعة الطائرات المدنية الحالية.
كنت أرشف كوب الشاي الموضوع أمامي، وأتأمل البعيد.. حيث أبعد نقطة يمكن مشاهدتها من مكاني في المقصورة الثانية، في قطار الطلقة، وكأني أحاول تصور التقنيات القادمة، وما ستصل إليه التكنولوجيا والصناعة الحديثة، وإلى أي محطة نحن سائرون.

***

كما قطار الطلقة، يمضي قطار الصناعة الصينية، دون أن نملك القدرة على اللحاق به، وتصور ما ستسفر عنه آلات المصانع من تقنيات حديثة، وتطورات مختلفة. كانت عبارة “صنع في الصين” تحيط بنا من كل صوب وحدب، من الإبرة الصغيرة، إلى صناعة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، والتي بلغ حجم الاستثمار فيها 31 مليار دولار، لتكون الصين واحدة من أكبر الدول المصدرة للمواد المصنعة إلى العالم.
في زيارتنا إلى مجموعة هايسنس الصينية التي تأسست منذ 45 عاما، اقتربنا أكثر من التقنيات المتسارعة في عالم الأجهزة الكهربائية والمنزلية، وخدمات تقنية المعلومات والإتصالات والطب وأنظمة المرور والمراقبة، وغيرها من المجالات، التي وجدنا أنفسنا تائهين وسط الموجة المتسارعة من تقنياتها الحديثة، التي لم نكن نتصورها، فكيف الحال ونحن نشاهدها.
كانت هايسنس ـ كما عرفنا خلال زيارتنا لها ـ واحدة من العلامات التجارية العالمية، التي استطاعت خلال الثلاث سنوات الماضية، أن تقفز بمبيعاتها إلى أرقام قياسية بلغت من 71.6 مليار يوان إلى ما يقرب 100 مليار يوان.. وهذا بالنسبة لشركة واحدة من مجموعة شركات عالمية منشؤها الصين، حيث استطاعت الصين أن تغزو العالم بمنتجاتها، وتكون اقتصاديا من بين الدول الكبرى من حيث الناتج الوطني الإجمالي.
وإذا كانت الحكومة الوطنية تبسط سيطرتها على معظم الشركات والمصانع، وتفرض الضرائب على المصالح الحكومية والخاصة، فإنها في الوقت ذاته تستخدم هذه الضرائب عادة في تطوير الصناعات، وكان من نتائج ذلك أن تطورت الصين وأصبحت أكثر اتصالا بالاقتصاد العالمي، وحققت الكثير من التقدم في مجالات عدة، من الزراعة وحتى الطب وعلوم الفضاء.
كانت زيارة مجموعة هايسنس بوابة للولوج إلى عالم الصناعة الصينية الواسع، وجدنا صورة مختلفة عن الصورة المختزلة للمنتجات المصنعة في الصين، والتي فكرتنا عنها لا تتجاوز أنها منتجات رخيصة ومقلدة وسريعة التلف، بجانب أنها الأضعف جودة بين الصناعات العالمية..
لكن الصورة كانت غير ذلك..
ووجدت أن الفكرة التي تغيرت في ذهني، انسحبت على باقي زملاء الرحلة، الذين راحوا يسهبون في مدح الصناعات الصينية، وتعدد التقنيات المتطورة التي تستخدمها، وأن الذي يصلنا يمثل أدنى درجاتها، رغبة في تحقيق الكسب المادي لا أكثر.
في سوق شعبي في شاندونغ توزعت المحلات التجارية كل حسب المنتجات التي يعرضها، كانت الساعات والحقائب والملابس والمشغولات الفضية والإلكترونيات الأكثر حضورا في السوق.. تجولت في أركان السوق بصحبة الزملاء كاظم العجمي وربيعة الحارثية، فيما سلك الزملاء سعود الغماري وقيس الفارسي وناصر العبري المسار الآخر من السوق.
تجولنا بدءا في ركن الساعات والإلكترونيات، وقد كنت أتصور سعر الساعة “المقلدة” لا يتجاوز بضعة ريالات عمانية، لكنني تفاجأت أن السعر تجاوز هذا الرقم بعشرات المرات، ورغم أن الباعة يرفعون عمدا الأسعار إلى أرقام عالية، ويوافقون على التخفيض إلى أقل من نصف المبلغ، وأحيانا حتى إلى ربع المبلغ، ولكن مع ذلك يظل السعر النهائي مرتفعا بالمقارنة بجودة الساعة.
الأمر ذاته حدث حينما وافقت إحدى البائعات أن تخفض سعر حقيبة اليد، من 600 يوان صيني، حتى 140 يوان.. لكن ذلك حدث بعد دقائق طويلة من المفاصلة بيننا، حد أننا حصلنا بعدها على شهادة خبرة في مفاصلة الباعة، والحصول على سعر أفضل في مشتريات عدة من الثمن المثبت عليها.
كانت أسواق الصين بالنسبة لنا.. مغرية، وكنا مبهورين من التقنيات المختلفة التي وصلوا إليها، والمنتجات التي تختلف كثيرا عن التي في أسواقنا، كانت الأسواق الشعبية، كما هي الأسواق الكبيرة والمحلات التجارية تعج بالباعة والمشترين، لكنها لم تكن بالأسواق الكبيرة جدا التي تستوعب كل شيء.. فقد كانت مثل هذه الأسواق في مدن أخرى كـشنغهاي المدينة الاقتصادية الأولى في الصين، وشنتشن المدينة الواعدة في مجال الصناعة والتجارة في جنوب الصين، وسوتشو التي يتوقع أن تكون مستقبلا واحدة من أهم المدن الصناعية، وجوانزو أو كانتون كما أطلق عليها العرب من قبل، وايوو التي تضمّ أكبر سوق جملة في العالم للسلع الصغيرة..
كل هذه المدن كانت أسواقا تجارية معروفة، لكن جدول زيارتنا بقي بعيدا عنها.. فالخيارات في بكين وشاندونغ، كانت واسعة، والمزارات متسعة، ومن الصعب على المرء أن يأتي على كل شيء، ويقترب من الصور.
يكفي أن زيارتنا لجبل لاوشان قد استهلكت أكثر من نصف يوم، رغم أننا لم نزر سوى المنتزه والمعبد الواقع في إطاره، ووقفة قصيرة عند الفيلسوف لاو تزي.. وكنا امام الخيارات المتعددة، نلغي الكثير من الزيارات في سبيل الاستمتاع بوقت أكبر في هذا المزار أو ذاك.
كانت أيامنا في الصين تمضي سراعا، والفترة الطويلة التي خلت بقاءنا فيها في المدن الصينية، كانت تنقضي بأسرع ما كنا نتصور، كنت في بكين أو في شاندونغ أجلس حينا في المقهى المطل على الشارع، متأملا حركة المارة والمركبات وهي تعبر الطريق، وأقرأ تفاصيل حياتهم اليومية، وكيف يتسابقون في جميع الاتجاهات، إلى وجهات مختلفة.
رأيت الكثير من الصينيين يتناولون طعامهم وهم يعبرون الطريق، أو يتجولون في الأسواق، فلا وقت للكثير منهم للجلوس في مطعم وإنفاق الدقائق والساعات من أجل وجبة سريعة يمكن أن يأكلها المرء وهو في طريقه إلى وجهته.
ورأيت الكثيرين أيضا منشغلين في هواتفهم النقالة، وكأن ثمة حبلا متينا يشدهم نحو شاشات الهاتف، فلا يلتفتون إلى الطريق، وإلى المركبات السائرة، أو اشارات المرور وهي تتبدل بين الأخضر والأحمر، فقد كانوا يسيرون في حشود ممتدة، يتبع بعضهم بعضا، ثم في نقطة أخرى يتوزعون على كل الجهات.. وهكذا كانت الجهات تلتهمهم، ثم تقذفهم من جديد.

***

وكما محمود درويش الذي لم يكن يريد لقصيدته أن تنتهي.. لم أكن أريد لهذه الرحلة كذلك أن تنتهي.. لكنني وجدت عقارب الساعة تقترب من لحظة الوداع، وموعد الرحيل عن بكين قد أزف.
كانت حقيبة السفر فاغرة فمها، تترقب أن ألقمها أمتعتي وملابسي، كان الليل قد أسدل عباءته، وتأهبت المدينة للسكون، وكنت على الشرفة أراقب نجمات بزغت في كبد السماء، ثم وجدتها وكأنها تباعدت عن بعضها البعض، ثم تلاشت وكأنها لم تكن.
يرن هاتفي، ويسألني كاظم ما إذا كنت جاهزا للنزول، فأطلب بضع دقائق، أرتب حقيبتي، وأعود منكسرا أجمع ملابسي من الخزانة، وأضع بعض المشتريات في أكياس، أربطها بإحكام قبل أن أوزعها على الحقيبة.
ألتقي برفاق الرحلة في بهو الفندق.. نوزع ابتسامة منكسرة على بعضنا البعض، وأنظر نظرة وداع إلى المكان.. وإلى الشارع.. والناس، والذين يرقصون في هذه الساعة ابتهاجا بانقضاء يوم، وترقب يوم جديد.
في الطريق إلى المطار ألزم الصمت.. رغم صخب الحديث، لا أجد نفسا في التعليق على أي شيء، وكأني أودع عزيزا علي، دون أن أعرف كينونة الحزن الذي تفجر في صدري في تلك اللحظة، وكأنها المرة الأولى التي أسافر فيها عن بلاد أحبها، إلى بلاد أحبها أكثر وأكثر..
كانت الحفاوة التي وجدناها في الصين، باعثا على هذا الحب، كما أن الذين رافقونا ورتبوا لنا برنامج الرحلة كانوا في غاية اللطف، سيما “أمينة” التي لم تغادرنا لحظة واحدة منذ وصولنا إلى مطار بكين، فقد كانت حاضرة تترجم لنا وعنا، وتجيب على كل تساؤل طُرح، وتقاسمنا البسمة والذكريات.
أما الأهم، فهي الصحبة الجميلة لأصدقاء وزملاء مهنة من صحف عمانية ووكالة الأنباء العُمانية، تعارفت مع بعضهم من قبل، فيما تعرفت على بعضهم الآخر لأول مرة خلال هذه الرحلة، إذ وجدتني أتعرف إلى أناس أنقياء، ممتلئين بالود والإخلاص.. كانوا نعم الرفقاء في السفر، كما كانوا نعم الإخوة والصحبة الجميلة.
فـلأول مرة أتعرف إلى كاظم العجمي، هذا الشاب المثابر الذي يعمل صحفيا ومذيعا في جريدة الشبيبة.. والذي أظهر معدنه الأصيل في مواقف عدة ابتداء من لقائنا الأول في مطار مسقط الدولي، ثم في مطار دبي الدولي حيث كان علينا أن ننتظر الطائرة إلى بكين لحوالي ثمان ساعات.
كما تعرفت لأول مرة إلى ناصر العبري الصحفي في جريدة الرؤية.. وخلقه الرفيع، كان ناصر يسألنا في كل زيارة إلى الأسواق، عما إذا كنا نحتاج إلى مساعدة، أو عون.. وكان هادئا يفيض بأخلاق العمانيين وسماتهم الطيبة.
أما ربيعة الحارثية.. الصحفية في جريدة عُمان، قبل أن تنتقل إلى غرفة تجارة وصناعة عُمان، فقد كانت جاهزة على الدوام قبل أي موعد نتفق عليه مع القائمين على برنامج الرحلة، ولم تتأخر يوما دقيقة واحدة، بعكس حالنا نحن الشباب الذين نجد أن عقارب الساعة تتسارع قبل أن نكون جاهزين للخروج.. وغالبا ما يتم انتظارنا دقائق طويلة.
أما الأصدقاء سعود الغماري وقيس الفارسي.. فإن معرفتي بهما سابقة لهذه الرحلة، والحديث عنهما وعن صفاء نفسيهما، وحسن صحبتهما، وسمو أخلاقهما، تحتاج إلى أسطر عديدة، حتى أفي حق ومكانة هذين الشخصين في نفسي، ولذلك كنت أفكر والرحلة أوشكت على الانتهاء.. أن كلا منا سيمضي إلى حال سبيله، وستأخذنا مشاغل الحياة عن السفر سوية أو اللقاء مرة أخرى، وربما سنكتفي برسائل تواصل عابرة للسلام على بعضنا البعض في مناسبات متباعدة.. وكل ذلك كان باعثا على الحزن والألم.
كنت وأنا في الطائرة أشعر بشيء يتسرب من بين أصابعي، بصباح سيأتي ليس كالصباحات الماضية، وبرتم حياة ليس كالذي سبقه، فـلن أنظر إلى صحن الطعام الذي أمامي وأطلب من كاظم العجمي تذوقه، ولن أطلب من ربيعة فتح شبكة الأنترنت أو التقاط صورة تذكارية، ولن أتمازح مع سعود الغماري أو قيس الفارسي أو ناصر العبري، ونبحث عن أفضل زوايا التصوير، ولن نقرر الخروج في شوارع العاصمة بكين أو مدينة تشينغداو.. ولن نتزاحم في أسواق شعبية نجادل البائعة الصينية على تحفة أو منتج استوقفنا، ولن نلتقط لبعضنا صورا عفوية، نرسلها إلى هواتفنا بعد كل جولة.
فقد انتهت الرحلة.. وأنا لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي.

النهاية

تجوال: خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى