الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الكتابات العربية القديمة من خلال النقوش الصخرية في موقع شَنْة الأثري

الكتابات العربية القديمة من خلال النقوش الصخرية في موقع شَنْة الأثري

مدخل:
عندما جاءتني فكرة الذهاب إلى موقع شنة الأثري قبل سنتين من الآن لم يكن في بالي أن أجد موقعاً غنياً بالمباني والرسوم والنقوش الصخرية الأثرية، لذلك وبعد عودتي كتبت تغريدة في حسابي في تويتر وهي ضرورة ضمّ موقع شَنْة الأثري إلى قائمة التراث العالمي؛ كذلك لا زالت كلمة أحد الأشخاص من سكان بلدة شَنْة تتردد في أذني عندما أخبرني أن الباحث البريطاني David Insall ( وهو مغرم ومهتم بموقع شنة وكتب عدة دراسات حول الآثار فيها، كان يتقن الحديث بالعربية، وقد توفي قبل عدة سنوات) كان يقول لكبار السنّ قبل سنوات طويلة إنكم تملكون كنزاً كبيراً في شَنْة؛ لم يدرك الأهالي في ذلك الوقت المغزى؛ لكن الموقع بتنوعه وغناه مغري للبحث، مما جعلني ألتفت إليه محاولاً أن أجد شيئاً يقودني إلى فهم طبيعة الإنسان القديم في المكان، وذلك من خلال ثلاثة أيقونات رئيسية، وهي المباني أو القبور الأثرية، ورسوم الوعل الصخرية، والكتابات العربية القديمة من خلال النقوش الصخرية.
سوف ينصبّ تركيز هذا الدراسة على الكتابات العربية القديمة في موقع شَنْة الأثرية من خلال النقوش الصخرية التي عثرنا عليها في الموقع، وقد صادف تتبع هذه النقوش الصخرية عدة عقبات، من بينها وأبرزها صعوبة تفنيد وقراءة الكثير من الحروف لأسباب تخصّ عوامل التجوية التي أثرت على هذه النقوش، إضافة إلى طريقة النقش على الصخر في بعض الأحيان، ربما لأن الناقش لم يكن متقناً للكتابة بشكل كبير أو أن هذه الكتابات كانت في بدايات مبكرة لبداية الكتابة، والدليل على ذلك أن هناك بعض الحروف التي لم نجد لها مشابها أو مقارنا من خلال الأبجديات العربية القديمة، وهذه مثّلت صعوبة في تفنيدها ومقارنتها؛ كذلك فقد لاحظنا أن الكتابة القديمة كتب فوقها كتابة أحدث مما أدى إلى تشويه القديم منها؛ بطبيعة الحال كل هذا لم يمنع من مواصلة البحث حول الموضوع الذي يمكن اعتباره من الحلقات المفقودة في تاريخ عمان القديم والذي لم يكتب في المدونات التاريخية، كما أنه قد يساعد في التأكد من كثير من المغالطات التاريخية وكذلك التخمينات التاريخية التي لم يوجد لها دليلا أثرياً قبل ذلك.
تقع شَنْة في محافظة شمال الشرقية وهي تابعة من الناحية الإدارية لولاية القابل، إذ قبل وجود الشارع المسفلت كان الوصول إليها صعباً بسبب المرتفعات والمنحدرات الجبلية. كما هو موضح في الشكل رقم (1).

الدراسات السابقة:
إن الدراسات السابقة التي اهتمت بموضوع الكتابات العربية القديمة تعدّ بأصابع اليد الواحدة، وكذلك قامت هذه الدراسات بربط موضوع النقوش الصخرية بالكتابات العربية الجنوبية القديمة، وكتابات ظفار، حيث كانت تحيل دائما وأبدا إلى دراسات الباحث العماني علي بن أحمد بن محاش الشحري حول الأبجديات العربية القديمة في ظفار؛ لسبب مهم وهو التشابه الكبير بين النقوش الصخرية في موقع شنة التي اكتشفها الباحثون وبين كتابات ظفار القديمة؛ هذه الحروف المكتشفة وكما وضّحتها الدراسات هي تسعة حروف أو رموز فقط، وصبّت عليها الدراسات، وتم الاتكاء عليها في نقوش شنة الصخرية. كما جاء في الصورة رقم (2).
من بين الذين اشتغلوا على هذه الرموز التسعة هو David Insall ؛ إذ قام بدراستين حول الموقع بشكل عام متضمنة دراسة هذه الحروف التسعة، وإحالتها إلى الأبجديات العربية الجنوبية القديمة، وكذلك إلى كتابات جنوب عمان(ظفار)؛ وهي دراسة بسيطة وصفية؛ وقد نشرت واحدة في سنة 1997م ، والأخرى في 1999م .
بالنسبة للدراسة الثالثة فقد قامت بها Geraldine King سنة 1999م في Arabian archaeology and epigraphy ، كذلك كانت دراسة بسيطة، وهذا بسبب الإشكال الذي صاحب هذه الرموز التسعة.

دراسة مقارنة:
من خلال تتبعي لهذا الموضوع بداية من أواخر عام 2015 م ، وحتى منتصف 2017م، استطعت أن أرصد واكتشف نقوشاً صخرية جديدة إضافة إلى ما تم رصده واكتشافه سابقاً، حيث قمت بتصنيف هذه الحروف وكذلك الرموز التي صاحبتها، إذ وصل عددها مع المكرر إلى 169 حرفاً ورمزاً. كما هو موضح في الشكل رقم (3).

تميزت هذا النقوش الصخرية في بعض الأماكن في الموقع بحجمها الكبير، إذ أخذت هذه الحروف مساحة كبيرة.
هذه النقوش بينها وبين الأبجديات العربية الجنوبية القديمة نقاط التقاء بحكم التشابه الكبير بينها، كذلك فإنها تلتقي مع كتابات ظفار بشكل كبير، مما يعطي مؤشراً إلى أهمية الدراسة المقارنة بين الكتابتين لفهم الأبجديتين بشكل أعمق.
لم أستطع مع بعض الحروف ان أصل إلى نتيجة مبدئية مما جعلني أفضل الخروج ضمن إطار المقارنة مع بقية الأبجديات الأخرى، لأجد أن الأبجدية الفينيقية القديمة والوسيطة والحديثة تلتقي مع النقوش الصخرية في الموقع بشكل كبير. كما جاء في الصور رقم (4).

بعض النقوش الصخرية تشابهت مع الحروف السينائية والتي قالت عنها بعض النظريات بأنها منبع بعض الكتابات العربية القديمة؛ إضافة إلى ذلك وخلال عملية البحث عن مصادر بعض الحروف، وجدت تشابهاً مع الهيرية في حرف واحد فقط، وكذلك مع أبجدية كولورادو القديمة والتي تشابهت مع كتابات ظفار بشكل كبير لدرجة التطابق شبه التام، وهذه يطرح عدة أسئلة حول منبع ومصدر الكتابات القديمة في موقع شَنْة.من خلال متابعتي وبحثي في بعض الأبجديات العربية وغير العربية القديمة، لم أجد تشكّلاً لحروف أو كتابة تلتقي بهذا الشكل الكبير مع عدة أبجديات مثل الذي وجدته في نقوش شَنْة الصخرية. إن كثيراً من الحروف المنقوشة في الصخر في الموقع لم نجد لها شبيها، مما يطرح عدة أسئلة حول مصدر الكتابة في المكان.رغم أن الالتقاء الكبير بين حروف موقع شنة وبين الكتابات العربية الجنوبية القديمة، إلّا أن هناك الكثير منها أيضا يتلاقح مع الفينيقية والسينائية والثمودية، وبعضها لم نجد له تفسيراً، الأمر الذي يحتاج إلى بحث من عدة متخصصين في مجال الكتابات القديمة. كما جاء في الصورة رقم (5).
قد تكون هذه النقوش الصخرية هي لهجة محلية للمكان، وتم استخدام الحروف حسب اللهجة، وتطويع الحروف لتبقى جزءاً من محلية المكان بمفرداته؛ ومن الملاحظ عليها أنها مرت بمراحل اخرها دخول بعض حروف المسند في نقش مستقل بذاته وواضح عليه أنه الأحدث من بين النقوش.. كما يمكن استنتاج أن النقوش الصخرية انقسمت إلى ثلاث مراحل؛ الأولى هي المرحلة الأقدم والتي أتوقع أنها تلك النقوش الصخرية التي عثرنا عليها في صخرتين منفصلتين مفروشتين في الأرض بشكل يتعامد مع السماء ويبلغ متوسط طول كل منها 3 أمتار وعرضها 2.5 مترا تقريبا وهي التي التقت مع الأبجديات الفينيقية والسينائية والثمودية والهيرية ، أما المرحلة الثانية فهي النقوش التي ارتبط بوجود رسوم الوعل الصخرية وقد انتشرت في تلّ الوعل ( اطلقت عليه تلّ الوعل لكثرة رسوم الوعل في المكان وتركزها)، وهذه علاقتها بالكتابات العربية الجنوبية اكثر ارتباطاً ولم تخرج من دائرة جنوب شبه الجزيرة العربية بمفرداتها وثقافتها الميثولوجية؛ أما المرحلة الأخيرة والحديثة نسبية فهي نقوش بعض حروف المسند في صخرة مستقلة سقطت من أعلى التلّ بسبب نشاط عوامل التجوية والتعرية في صخور الحجر الجيري. كما هو واضح وجاء في الشكل رقم (6).
في النهاية..
إن موقع شَنة الأثري يحتاج إلى نبش اكثر، وهناك الكثير الذي لم يكتشف بعد، ولربما هذا الموقع سوف يفسر لنا الكثير مما لم يقع بين دفتي المدونات التاريخية، فالحاجة ملحّة ونشاط علماء الآثار في المكان سوف يساعد على قراءة تاريخ عمان ضمن إطار حلقاته المفقودة.

فهد بن مبارك الحجري

إلى الأعلى