السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات من دفتر الأحوال…(9)

كلمات من دفتر الأحوال…(9)

كاظم الموسوي

”من ثمار الجبهة، كما تحدث مريدوها، عقد المؤتمر الثالث للحزب شبه علني في بغداد عام 1976 الذي غطته وسائل الإعلام ونشرت وثائقه صحيفة الحزب اليومية، طريق الشعب، ومن ثم أعادت نشرها المجلة الشهرية. وفاز أغلب القياديين السابقين والسكرتير العام بمواقعهم مع إضافة اسماء جديدة من الكوادر المعروفة للتمكن من العمل العلني وقيادة الحزب الذي توسع عمله ونشاطه التنظيمي والسياسي.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جرى تحضير نفسي واعلامي لإعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العراق بين الحزب الحاكم، حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي العراقي، من الطرفين، لحاجتهما الخاصة ولمواجهة التحديات حولهما. كان الحزب الشيوعي معارضا التعاون مع قادة الانقلاب الذي جاء بحزب البعث إلى الحكم مرة أخرى، رافضا دعوته للمشاركة. وفي الوقت الذي اعترفت قيادات الانقلاب بالحزب الشيوعي وقدراته ونشاطه، سريا ومهنيا، حيث فازت قوائم انصاره بانتخابات طلابية وعمالية، اصطدمت معه في معارك عنيفة، ووجهت عليه أجهزة أمنها الحزبية المتعددة. وسقط ضحايا شيوعيون تعذيبا او اغتيالا بأساليب متعددة، وكان تحرك الحزب نحو الجماهير وإعدادها للنضال الوطني التحرري جديا وحماسيا رغم تداعيات الانشطار العمودي فيه قبل وصول البعث الى السلطة بحوالي العام. كان بيان اجتماع المجلس الثالث الذي عقد نهاية عام 1967 وبيانات اجتماعات اللجنة المركزية الدورية وافتتاحيات الجريدة المركزية تنتقد بعبارات شديدة حزب البعث، قبل وبعد عودته للسلطة، وبصفات طبقية لانتهاكه الحقوق العامة بوسائل واحكام ديكتاتورية. وتكرر ذلك في المؤتمر الوطني الثاني الذي عقد عام 1970 ورغم كل ذلك راجع الحزب الشيوعي مواقفه ووقّع معه اعلان جبهة وطنية تقدمية عام 1973 مع اخبار عن ضغوط عليه من حلفائه الامميين..
من ثمار الجبهة، كما تحدث مريدوها، عقد المؤتمر الثالث للحزب شبه علني في بغداد عام 1976 الذي غطته وسائل الإعلام ونشرت وثائقه صحيفة الحزب اليومية، طريق الشعب، ومن ثم أعادت نشرها المجلة الشهرية. وفاز أغلب القياديين السابقين والسكرتير العام بمواقعهم مع إضافة اسماء جديدة من الكوادر المعروفة للتمكن من العمل العلني وقيادة الحزب الذي توسع عمله ونشاطه التنظيمي والسياسي. كما اصبح وزيران للحزب في الحكومة، (عامر عبد الله ومكرم الطالباني) ولكن تصفية الكوادر الحزبية لم تتوقف. او أن المؤتمر، كما ذكر حينها، دفع ثمنا غاليا، كما حصل مع المؤتمر الثاني، من دماء عدد غير قليل من قيادات وكوادر الحزب البارزين، قبل الانعقاد وبعده. من بينهم ستار خضير عضو اللجنة المركزية، وعبد الأمير سعيد، وعلي البرزنجي وماجد العبايجي ومشكور مطرود وحسين نادر وأحمد رجب وعبدالله صالح ومحمد حسين الدجيلي وعبد الأمير رشاد وجواد عطية شناوة، ولحقهم شاكر محمود عضو اللجنة المركزية، ومحمد الخضري، وعزيز حميد، وكاظم الجاسم… وآخرون، جمعهم وسجلهم كتاب بعنوان “شهداء الحزب”. اضافة إلى عدد آخر أعدموا في شمال العراق، عند عودتهم من دراساتهم، وعرفت قصتهم باسم قاتلهم القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني عيسى سوار، كما شملت التصفيات الرسمية عددا من الذين تعاونوا لعودة البعث الى الحكم، وتلتهم عناصر من قيادات وكوادر البعث نفسه، على شكل مجموعات اتهمت بمحاولات انقلابية او اتصالات خارحية، منهم من كان في أمن الحكم وأجهزة تعذيبه، ومنهم رجال الثقافة والتنظيم، كعبد الخالق السامرائي ومحمد عايش وعدنان الحمداني وعبد الوهاب كريم.. وبالتأكيد غيرهم من النشطاء السياسيين من كل الأحزاب ممن لم تصله وسائل الإعلام في حينه.
في تلك الظروف كنت اقضي في الجريدة اكثر الوقت، وكنت غير مرتاح عما يجري من حولي، وعبرت مباشرة أو بصمت عنه. وفي الوقت نفسه أسهم في أغلب ما يحصل من فعاليات جماهيرية حضورا او اهتماما، في اكثر من تجمع ثقافي او سياسي.. بعد الانقلاب الفاشي الدموي في تشيلي الذي قاده رئيس اركان الجيش بينوشيت، وبدعم مفضوح من الاستخبارات الاميركية، (ايلول/ سبتمبر 1973) والذي تم فيه اغتيال رئيس تشيلي الاشتراكي سلفادور الليندي واغتيال واعتقال اعداد كبيرة من القيادات اليسارية. من بين الذين أعدموا في عملية وحشية الفنان فيكتور جارا، وكانت أصداء المجازر قاسية على العراقيين. مع التهيب من انتقال الدم في شوارع تشيلي الى الرافدين من جديد. ردا عليها اقامت نقابة الفنانين أمسية تضامنية مع جارا، ألقيت كلمات وعزفت اغان له وعرض شريط سينمائي عنه. وحضرتها جماهير غفيرة من الشباب المتطلع إلى الحياة والمشاركة في بناء مستقبلها. وواضح من الفعاليات والحضور شيوع روح يسارية عموما، لم تستطع السلطات ولا الأحزاب استيعابها وتوفير المسارات الصحيحة لتنميتها والاستفادة من حماسها وطاقاتها المتفجرة.
كانت برامج أغلب المراكز الثقافية الاجنبية، حافلة بما يشد الجمهور لها وتتسابق عليه، لاسيما السوفييتي، اذ يعرض افلاما سوفيتية مشهورة ويقدم محاضرات لمثقفين تقدميين، وكان مشهد الخروج منه في ختام اماسيه الى شارع ابي نؤاس الذي يطل عليه أشبه بالمظاهرات الجماهيرية المنظمة لكثرة الحضور وضخامة الاعداد. وكانت بعفويتها صورة مرعبة لجهات الأمن الرسمية، وحاولت مرات عديدة صناعة اشكاليات لتخويف الناس وارهابهم رغم الأجواء الجبهوية سياسيا، والغطاء التقدمي اعلاميا، والعلاقات الدولية، لا سيما مع بلدان المنظومة الاشتراكية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي العظيم!. وكان أغلب الشباب والشابات يخرجون من المركز محملين بإصدارات نوفوستي عن التجربة الاشتراكية والبناء الشيوعي للدولة السوفيتية، وملخصات أو كراسات من تأليف قيادات الحزب والدولة، وغيرها من المطبوعات المجانية، مما يشعل في نيران التوترات أمنيا او في حالات التنافس والمقارنة بين هذه النشاطات ومردود عمل السلطة والحزب الحاكم وعنجهية بعض قياديه وتفكيرهم المحدود في البناء الحزبي والسياسي. بينما لا يظهر مثل هذا الشعور أو الموقف من نشاطات المراكز الثقافية، البريطاني والفرنسي والأميركي في فترات التبادل الثقافي. حيث كانت تقوم هذه المراكز بما يناسبها تحت غطاء دورات تعليم اللغات، او توفير فرص الزيارات والقبول في الجامعات للطلبة المتفوقين دراسيا.
تشكلت لجنة حزبية بإشراف الرفيق زكي خيري (ابو يحيى) عضو المكتب السياسي، لتجميع التراث الحزبي وحفظه وتنشيط المنظمات الحزبية لهذه المهمة. وقد أنجزت بعضها الحصول على وثائق حزبية نادرة وكتابات رفاق حزبيين لم تنشر او يتمكن كاتبها من الانتهاء منها والتفكير بنشرها او ارسالها الى الحزب للنظر في شأنها. وبعض الكتابات عن قصص حقيقية عاشها المناضلون الحزبيون كحفر نفق في السجن والتمكن من التخلص من الاعتقال، أو ابتكار أساليب أخرى في الخروج من السجون التي كانت الامثال تضرب فيها، كسجن الكوت والحلة ونقرة السلمان. ومنها كتابات عن يوميات السجين الشيوعي. التي تثبت تحويل السجون الى مدارس ثورية بفضل الشيوعيين وقدراتهم وحجم القمع والاضطهاد الذي عاشوه منذ أن طاف شبح الشيوعية في العراق في العشرينات من القرن العشرين، ومنذ اول بيان شيوعي وقعه العامل فهد، في بداية الثلاثينيات، واستمرارا عبر كل العهود والأزمان.
ألحقت إلى اللجنة عن الجريدة وكلفت بعدد من الواجبات، لكن خدمة الاحتياط سحبتني منها وارسلتني الى معسكر الكوت، لالتقي هناك برفيقي الطبيب ماجد الياسري، الذي نقلت خدمته العسكرية الى ضابط تجنيد المدينة، وازور مقر اللجنة المحلية للحزب في الكوت، سرا طبعا، وبملابس مدنية بعد انتهاء الروتين اليومي في المعسكر ومعرفتي بدروب الخروج والدخول الجانبية التي لم يكشفها الحرس والخفر في بوابات المعسكر. ومن أبرز ما قمت به حينها، ضمن عمل اللجنة، زيارة الرفيق هاشم جلاب (ابو نزار) في بيته في مدينة الحي رفقة رفيقين من قيادي اللجنة الحزبية المحلية، ممثل الحزب في الجبهة، فتاح طه، ومحمد موزان. ومن الطريف الترحيب الحار من ام نزار، زوجة الرفيق الذي أبلغها بأن الحزب يزوره الآن، الحزب ضيفه، فقامت بتجهيز ما تملك من شاي وطعام وفواكه، رغم اعتذارنا عن زيارتنا السريعة، وتمنينا ألا تتعب نفسها، ولكنها ترد بكلمات اعتزاز باستضافة الحزب، بعد انقطاع او ” إهمال” غير مقصود كما عبر أحد الرفاق حين نظرت له أثناء عتب الرفيق وشكواه. وحين فتحت دفتري فتح الرفيق قلبه وانطلق يتذكر تلك الأيام في سجن الكوت، ايام سجن الرفيق فهد، وكان قد عاش معه فترة، كان يمشي خلفه دائما في كل الاوقات التي ينشط فيها الرفيق فهد، في الصباح او المساء، مبكرا او متأخرا. واطلق عليه الرفاق السجناء مدير شرطة فهد، لأنه كان يحاسب الرفيق الذي يلاحظ الرفيق فهد نقصا ما عنده، سواء في المهام اليومية او في الحضور والمشاركة في برامج التثقيف. وسجلت معلومات كثيرة منه عن السجن وحياة الرفيق فهد فيه واسماء الرفاق المسجونين معه وفق تذكره، وارسلتها إلى اللجنة لارشفتها مع غيرها من الوثائق والمعلومات. وخلال العودة اطلعني الرفيقان على جغرافية المنطقة، على بيوت الاقطاعيين ومزارعهم وبقاياهم التي تذكر بهم وبتاريخهم، وغيرها من معالمها. ولم تطل مدتي للتفكير بجدول أعمال اوسع، اذ نقلت إلى معسكر نفط خانة، التابع إلى قضاء خانقين، فربما وصلت التقارير عني، والمكان الجديد عقوبة، قريبا من الحدود العراقية الايرانية، وله قصة أخرى.

إلى الأعلى