الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام
فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

الناس يستقبلون شهر رمضان بدون أن يكون هناك شيء من التغيير في طريقة استقبال هذا الشهر وفي طريقة الحياة التي يعيشونها في شهر رمضان الفضيل.
هل هناك ما يمكن أن تنبهوا إليه المسلم في قضية التغيير والتجديد إلى الأحسن حتى يكون استقباله هذا العام لشهر رمضان الفضيل أفضل وهكذا يطالب المسلم من الأعوام الماضية؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
فبمناسبة استقبال الأمة لهذا الشهر الفضيل أتوجه إلى المسلمين والمسلمات بالتهاني القلبية داعياً الله تبارك وتعالى أن يلقّينا جميعاًً هذا الشهر بنفحاته وخيراته وبركاته والتوفيق لصيامه وقيامه وأداء الواجبات المشروعة فيه وفي غيره على أحسن ما يرام .
كما أدعو الله سبحانه وتعالى أن يعيد هذه المناسبة على جميع الأمة بالتوفيق للمزيد من صالحات الأعمال والنصر والتأييد وجمع الكلمة والألفة والالتقاء على ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه .
هذا ولا ريب أن المسلم وهو يستقبل شهر رمضان الفضيل إنما يؤمر بأن يتهيأ لهذا الاستقبال، إذ هذه فرصة لا تعوض، فإن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الشهر شهر محق للسيئات ومضاعفة للحسنات إذا ما أدى الإنسان ما فُرض عليه فيه وسارع إلى ما يُندب إليه من الأعمال التي تزكي النفس وتحي الضمير وتطهر الوجدان وترهف المشاعر وتصل القلب بالله تبارك وتعالى ثم تصل الفرد بالأمة حتى يشعر أنه عضو في جسمها يتألم لألمها ويفرح لفرحها ويسارع إلى ما فيه خيرها .
المسلم خُلق ليضطلع برسالة ويؤدي واجباً ويشارك العاملين في مجال الخير في كل ناحية من نواحي الخير.
المسلم خُلق ليوجه العالم إلى سواء الصراط، ويبصّر الأعمى ويرشد الحائر ويأخذ بيد الضال إلى جادة الحق والصواب (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران ـ 11)، هذه الرسالة هي التي جاء بها القرآن، والقرآن نزل في شهر رمضان .
وقد فرض الله سبحانه وتعالى صيام رمضان تذكيراًً بهذه النعمة العظيمة، وإعداداً لهذه النفوس لأن تحمل هذه الأمانة بجدارة وبصدق وبعزيمة، فإن الله تعالى جمع بين الامتنان بإنزال القرآن الكريم في هذا الشهر العظيم وبين الأمر بصيامه عندما قال:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(البقرة ـ 185) ، فالربط بالفاء التي تقتضي ربط ما بعدها بما قبلها يؤذن بأن هذا الصيام فيه إعداد لهذه النفوس لأن تتحمل هذه الأمانة وتضطلع بهذا الواجب وتتهيأ للقيام بهذه المسئوليات العظيمة مسئوليات المسلم في هذه الحياة .
ولا ريب أن المسلم في جميع أوقاته يطالب بأن يكون في يومه خيراً منه في أمسه ، وأن يكون في غده خيراً منه في يومه .
المسلم يطالب في كل وقت من الأوقات أن يحسّن علاقته بربه، وأن يحسّن علاقته بأمته ، يطالب في كل وقت من الأوقات أن يكون تواباًً أواباً منيباً إلى ربه سبحانه وتعالى .ومرور هذه المناسبات التي فيها هذه العبادات الدورية يذكّر الإنسان بما يتقضى من زمنه، ولا ريب أن (الكيّس هو من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق هو من أعطى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).
فيؤمر إذن المسلم أن يستقبل شهر رمضان الفضيل كما يؤمر أن يستقبل بقية الشهور وبقية الأيام بالتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى وحسن الرجعة، وأن يحرص على أن يكون يومه خيراً من أمسه، وأن يكون أيضاً غده خيراًً من يومه حتى يلقى الله تبارك وتعالى وهو نقي الصفحة مهذب النفس، فإن الله تبارك وتعالى وعد الخير في كتابه لمن جاءه بقلب سليم (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء 88 ـ 89)، وكذلك وعد الله سبحانه وتعالى الجنة لمن كان له قلب منيب ، فلا بد من أن يهيأ الإنسان قلبه لأن يكون قلباً سليماً قلباً منيباً إلى الله سبحانه وتعالى حتى يستحق هذا الوعد الذي وعده الله سبحانه عباده ، وحتى يلقى الله سبحانه وتعالى والله عز وجل راض عنه .
بالنسبة للرجال عموماً يستعدون لاستقبال شهر رمضان الفضيل وربما بدأ بعضهم يصوم في هذا الشهر الفضيل، فإذا دخل شهر رمضان الفضيل يهتم الرجل في البيت الواحد بنفسه، أما الأسرة فحظها منه أن يوفر لها الطعام وعدة رمضان لتقوم بتهيئة الأمور له على الطريقة التي يحب .

هل هناك برنامج معين تقترحونه على أرباب الأسر حتى تشترك الأسرة كلها في الإفادة من شهر رمضان الفضيل؟
البرنامج هو أن يغذي الأسرة من أول الأمر بالإيمان، (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، رب الأسرة هو راع وهو مسئول عن رعيته، فلذلك هو يطالب بأن يوجّه هذه الأسرة إلى طريق الخير، وأن يبصّرها من عمى، وأن يهديها من ضلالة، وأن يرشها من غي، وأن يحرص دائماًً على أن تسير في طريق الخير وأن تكون موصولة بالله تبارك وتعالى .
يؤمر الإنسان دائماً أن يكون مذكّراً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ويبدأ بالأقرب فالأقرب، فالإنسان عليه أن يبصّر أسرته بأن هذا الشهر هو شهر الخير ، هو شهر المغفرة، هو شهر الرحمة ، هو شهر الإنابة ، هو شهر التوبة، هو شهر الصدقات، هو شهر الأعمال التي تُرفع عند الله تعالى، فلا يكون حظ الإنسان من هذا الشهر مجرد الجوع والظمأ ، وإنما عليه أن يكون صيامه صياماًً يتفق مع روح التشريع الرباني ، فإن الصيام كغيره من العبادات المشروعة في الإسلام يذكي في نفس المسلم روح التقوى كما يؤذن بذلك قول الله سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183).
فعلى المسلم أن يربّي أسرته على تقوى الله، وأن يبصّرها بحقيقة التقوى ، وأن يبصّرها بأثر الصيام في غرس هذه الروح في نفس الإنسان .
ومما يقوي ذلك أن يكون الإنسان دائماًً حريصاً على أن يذكّر أسرته بنعمة الله تعالى التي أسبغها عليهم، وأن يذكّر أسرته بالخير الذي يسوقه الله تعالى إليهم، وأن يذكّر أسرته بافتقارهم إلى الله واستغناء الله تعالى عنهم، وبهذا تنغرس هذه الروح في نفوسهم، وبهذا تكون هذه الأسرة أسرة ربانية موصولة بالله تعالى.

إلى الأعلى